الاثنين، 2 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة: الرأي /علياء الموسوي


حوار/
روائي وشاعر ومترجم عراقي... الواقع والخيال بالنسبة له سيان
محسن الرملي: الصدق... هو شَرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة

ـــ السياسي المتسلط الدكتاتور يخاف الثقافة والمثقفين لأنه يريد شعباً جاهلاً

ـــ يجب على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في أعماله، وإنما يضمنها قدراً معيناً من المعرفة

ـــ الفتيت المبعثر، أتعبتني.. لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة 


حاورته: علياء الموسوي
للوهلة الأول بمجرد أن تجوب كتابات الشاعر والروائي والمترجم العراقي محسن الرملي وتبحر في أعماقها، تجد الكثير من الألم والحزن الوفير، متدفقة بغزارة تحاكي المأساة العراقية على لسان تقرح لكثرة نحيبه، وعيون جفت لمرارة ما رأت... في هذا الجو يأخذنا الرملي - بأسلوبه الأدبي - في رحلة مضنية مليئة بالحسرات والندبات بين سطوره ومفرداته، ليفصح عن ما شاهد عاصرها بوعي الكاتب وضمير الإنسان، ويقول: «اللغة معجزة البشرية كلها»، مؤكدا أنه يهتم أولاً بأن يتشبع جيداً بما يريد التعبير عنه، وأنه لا يميز حتى في حياته الشخصية بين الواقع والخيال. ويرى أنه كتب «الفتيت المبعثر» وهو مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأها في الأردن وأنهاها في إسبانيا، كاشفا عن أن الأدب الإسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً. وقال: «شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية»... وباح الرملي، بأن القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي... ويفسر جزءاً من الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة. ومن ثم فإن الرملي كشف الكثير من الرؤى التي نتعرف عليها خلال هذا الحوار:
*يقال بأن اللغة أعجوبة، تقع في يد سطان مبدع، فمتى تصير اللغة خارج الكلمات وتصبح لغة الروح؟
ـــ بالفعل، إن اللغة معجزة البشرية كلها، لذا يستحيل على أحد بمفرده أن يقبض عليها، وما يفعله المبدع ليس سوى محاولة للتدرب على صيد شيء منها، شيء من هذا الشيء الذي يعشقه ويسحره، ولكنه كأي عاشق حقيقي، يموت وفي نفسه شيء من معشوقه، أما اللغة التي خارج الكلمات فهي أكبر من لغة الكلمات ذاتها، لذا تتعاون كل الفنون في محاولة قول ما يصعب قوله بالكلمات. وفيما يتعلق بالكتابة.. يبقى ما بين السطور وما خلفها وما هو خلف الكلمات جزء مهم وربما الأهم عما أرادت قوله الكلمات، وفيها تكمن الروح التي نشعر بها ولا نراها.
*يقال بأن المبدع المجبول ليس بحاجة إلى أن يتأثر بأحد وحتى وإن جال العالم جولا حتى يكتب، فكيف ذلك؟
ـــ ما من أحد لا يـأثر بأحد، فكما يقال "الأسد هو مجموعة الخراف التي هضمها"، إلا أننا لا نستطيع في أغلب الأحيان تحديد مواضع هذا التأثر، ولا المبدع نفسه بقادر على ذلك، ففي نهاية الأمر، كل شخص ينظر بعينيه الخاصتين هو إلى العالم نفسه، ولا أحد يرى العالم بعيني شخص آخر، إلا أن الآخر سيعينه على رؤية العالم بشكل أفضل، وكل مبدع يقوم في أعماله بتمرير رؤيته للعالم من خلال ذاته.. رؤيته هو للعالم.
*كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟
ـــ باتباع القاعدة المعروفة، وهي أن المحتوى يفرض الشكل الذي يناسبه، لذا فأنا أهتم أولاً بأن أتشبع جيداً بما أريد التعبير عنه.. أتقمصه، بل وأعيشه بكل ما أستطيع من حس وشعور ثم أستحضر كل أدواتي لوصف... أعتقد بأن المتلقي سيشعر بما يشعر به الكاتب أثناء الكتابة إذا كان الكاتب صادقاً، وقد أبلغني الكثير من القراء عن مشاهد في أعمالي أبكتهم أو أضحكتهم أو لم يفهموها أو شعروا بالملل معها.. وهو بالضبط ما شعرت به أنا أيضاً أثناء كتابة تلك المشاهد، بكوا مع المشاهد التي بكيت عند كتابتي لها، وضحكوا مع المشاهد التي ضحكت عند كتابتي لها.. وهكذا.
*ما سبب إصرارك على مواجهة القارئ بقصص حقيقية واقعية، وإبعاده عن القصص الخيالية، مع أنك تملك المخيلة والأسلوب المناسب في توظيف قصة جديدة بأسلوب آخر؟
ـــ إصراري الرئيسي أو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة، هو الصدق.. أي أن أشعر صدقاً بالذي أعبر عنه، بغض النظر عن واقعيته من عدمها، فإنا ومنذ زمن طويل أكاد لا أميز حتى في حياتي الشخصية بين الواقع والخيال، فأشعر أحياناً بأنني أعيش في عالم أدبي أو روائي وأن العالم وأحداثه من حولي ما هو إلا أدب، فيما أشعر بالكثير من الروايات الخيالية والقصائد بأنها واقعية وأتعامل معها على هذا الأساس، ومثال ذلك أن شخصية دون كيخوته في رواية ثربانتس اعتبرها واقعية وحقيقية وموجودة أكثر حقيقة ووجوداً من أناس أتعامل معهم في الواقع.
*"الفتيت المبعثر" إحدى روايتك التي تتحدث عن تفرق شمل العائلة العراقية، لتداعيات سياسية، كيف عشت طقوس كتابتها بكل تفاصيل الوجع فيها والثقل الذي تحمله؟
ـــ كتبتها وأنا مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارباً من عذابات العراق، بدأتها في الأردن وأنهيتها في إسبانيا، فعلى الرغم من قصرها إلا أنها أكثر رواياتي التي أتعبتني في كتابتها، لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة جداً، وكنت قلقاً، خائفاً وحزيناً..أنتقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان عند كتابة كل مقطع.. كنت وكأنني أهرب من مشهد إحدى قريبات أمي وهي تجلس في مقبرة قريتي بين قبور أبنائها الأربعة الذين فقدتهم في الحرب العراقية الإيرانية، وكنت أراها في صباح كل خميس هناك.. تنتحب بمرارة قاتلة عليهم أحياناً، وأخرى تحدثهم عن أخبار صغارهم وتضحك كمجنونة.. كنت أشعر بعذابها وأتعذب.. أشعر بتفتت قلبها فيتفتت قلبي.
*كيف تجد الأدب الإسباني في تلون أشكال الكتابة الأدبية فيه، مقارنة بالأدب العربي؟
ـــ الأدب الأسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً، والتي استطاعت التعبير بشكل شامل وممتاز عن المجتمع الاسباني بشتى مراحله، ولعب دوراً مهماً في صياغة ثقافة وذهنية الناس، كما ساهم بتطوير وإثراء الأدب العالمي، أما الأدب العربي على الرغم من إرثه العظيم إلا أنه لايزال مقصراً أو أنه لم يحظى بالفرصة التي تليق به للقيام بهذه الأدوار على الوجه الأكمل، وأقصد منها التأثير في ثقافة الناس، التعبير بشكل شامل عن المراحل التي مرت بها الشعوب العربية والمساهمة الفاعلة في الآداب العالمية المعاصرة كما سبق وأن ساهمت فيه (ألف ليلة وليلة) و(حي بن يقظان) و(طوق الحمامة) و(رسالة الغفران).. غيرها في القرون السابقة.. عانى الأدب العربي الكثير من القمع والظلم منذ الاحتلال العثماني.. ولكنني أعتقد بأنه يشهد الآن استعادة لنفسه وحريته وهو في طور آخذ مكانته التي تليق به.
*يقول الشاعر التركي ناظم حكمت "الدولة تخاف من الشعر"، ما مدى صحة هذه العبارة بالنسبة إليك وهل تمثل واقعا معاش؟
ـــ الأدق، ليس الدولة بمفهوم الدولة الصحيح، وإنما هو أن السياسي المتسلط، الدكتاتور هو الذي يخاف الثقافة والمثقفين، لأنه يريد شعباً جاهلاً يتحكم به على هواه دون أن تنغص عليه تسلطه نصوص وفنون المبدعين، لذا نرى المستبدين عبر التاريخ يعملون على أمرين في تعاملهم مع المبدعين، إما تجييرهم لصالحه أو إخراسهم بالقتل أو السجن أو المنع أو النفي.. وبالنسبة لي، نعم شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الدكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية.
*كونك مترجم وشاعر وكاتب، عندما تكتب أين تجد نفسك، بين قوافي الشعر أم نغم الحرف الروائي أم في بحر الترجمة الوافر؟ ولماذا؟
ـــ لا أدري حقاً إن كنت (أجد) أم (أضيّع) نفسي، ولكن الذي أعرفه هو أنني أمضيت كل حياتي في القراءة والكتابة.. ولم أشعر بشيء أقرب إلى نفسي منهما، وأكثر شيء فعلته ولازلت وسأبقى هو القراءة.. أما على صعيد التصنيف الكتابي فأنا أعتبر نفسي كاتباً بشكل عام، بغض النظر عن الجنس الكتابي الذي أدونه، مع ذلك يمكنني القول بأنني أشعر مع الرواية بمساحة أكبر في التعبير، فيما أعتقد بأن الشعر هو روح الأدب، وأنا مستهلك كبير ومدمن على قراءة الشعر، بحيث لا يمر أي يوم دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة، أما الترجمة فللأسف لا أجد الوقت الكافي للقيام بها كما أريد، لأن مشروعي الإبداعي الخاص يحظى بالأولوية، وإلا فإنني أتمنى ترجمة الكثير من الكتب التي أعجبتني بالإسبانية.
*كيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟
ـــ لازال القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي، لأن ما تمت ترجمته حتى الآن يعد قليلاً من الإرث الأدبي العربي الهائل عبر القرون، لذا لم يشكل الأدب العربي المترجم ظاهرة حتى الآن، ومع ذلك فثمة أمل بأنه قادم في، والقارئ الغربي يرغب بمعرفة المزيد منه وعنه، وبشكل عام فإن أغلب الأعمال المترجمة تحظى بالقبول والاحترام لأنها أصلاً منتقاة بعناية من قبل الناشر الغربي العارف بذائقة زبائنه، أما عن أعمالي فهي جزء قليل من هذا الجزء القليل الذي تمت ترجمته، وبالنسبة لي اعتبر أن ما حظيت به من تلقي ونقد واهتمام حتى الآن هو جيد ومُرضي.
*في تصورك، ما مدى مسؤولية الأديب اتجاه المضامين الفكرية التي تطرح في الساحة الثقافية اليوم؟
ـــ ما أراه هو قلة المضامين الفكرية.. بل شحتها اليوم، حيث يمر عالمنا بأزمة فكرية وفلسفية أصلاً، كما لم تعد الإيديولوجيات الحقيقية موجودة ولا فاعلة، لذا أفسر جزءاً من هذا الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة، ومن هنا أرى بأن على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في إعماله وإنما فليضمنها بقدر معين من المعرفة، شخصياً أرى في ذلك جزءاً من مسؤولية الأديب وإن كان الغالبية من زملائي لا يتفقون معي في ذلك.
*من وجهة نظرك، كيف تجد توالد ظاهرة "المثقف الأمي" بين أوساط المثقفين في الشرق والغرب؟ وهل تسود كفة على أخرى؟
ـــ هذا أمر عادي وطبيعي، وكان وسيظل موجوداً في كل المراحل والأزمنة وفي مختلف الثقافات، وبالطبع سيكون الزمن كفيلاً بغربلة ما هو أصلح أو أجمل أو أنفع للناس.
*بين نخيل البصرة وماء دجلة، وبقايا القصور الأندلسية والسمرة الخمرية الإسبانية، أين يجد الرملي نفسه الآن بعد انشطار الهويات وضياعها في الظروف الراهنة؟
ـــ هذا الذي تصفينه، هو ما كنت عليه فعلاً، قبل أكثر من عقد من السنين، وظهر في أعمالي التي كتبتها آنذاك، مثل كتابي القصصي (أوراق بعيدة عن دجلة)، أما الآن فلم تعد مسألة الانشطار أو تعدد الهويات موجعة لي كما كانت في السابق، لأنني تصالحت معها وتبنيتها وصارت مسألة تعدد الهويات هي هويتي التي أعتز بها وأدعو إليها وأدافع عنها وأربي ابنتي عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الرأي) الكويتية، بتاريخ 2/4/2019م العدد 14154

الأحد، 1 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة:الخليج/ سماح إبراهيم


محسن الرملي: الرواية لن تستمر 15 عاماً
سماح إبراهيم
ـــ القاهرة ـــ

يحل العراق بقضاياه، ثيمة أساسية في أعمال الكاتب العراقي المقيم في إسبانيا، الدكتور محسن الرملي، حيث يبقى الوطن ذا حضور قوي في أعماق الإنسان مهما ابتعد، وتبقى قضاياه هاجساً في الفكر والمخيلة، ولكن الكتابة الإبداعية عليها دوماً أن تجدد نفسها وموضوعاتها حتى لا تصل مرحلة التخمة ويُعرض عنها القارئ، كما يؤكد الرملي في حواره مع (الخليج).
*خرجت من العراق باحثاً عن الحرية، فهل وجدتها؟
ـــ وجدت الحرية بمفهومها المتعارف عليه، من حرية الرأي والاعتقاد والقول والحركة، وفي الوقت نفسه أدركت أن الحرية المطلقة أو الحرية الحُرّة تماماً لا وجود لها حتى الآن، لأننا نولد أصلاً وفي رؤوسنا قيود فرضت علينا مع الرضاعة، ومن ثم تلتها قيود القوانين التي سنّها الإنسان بنفسه ليقيد نفسه. مفهوم الحرية الحقة معضلة وقضية كبيرة من قضايا الإنسان التي ما زالت بحاجة إلى قرون أخرى كي تنضج أكثر.
*تقيم في إسبانيا منذ ربع قرن، فهل للأدب العربي حضور في الغرب؟
ـــ الموجود منه لا يمكن وصفه بالحضور، وإنما نماذج وعينات تعتبر قليلة جداً قياساً إلى الإنتاج الثري للأدب العربي قديمه وحديثه، وأكثر ما يتوافر منه هو ذلك الذي كُتب بلغات غربية أو حاز جوائز غربية، مثال أعمال أمين معلوف والطاهر بن جلون ورفيق شامي وياسمينة خضرة ونجيب محفوظ، أما المتَرجم فيعد قليلاً، وإن بدأ يتزايد تدريجياً مؤخراً، ولكن- بالقطّارة- ولم يشكل ظاهرة أو حضوراً مهماً حتى الآن.
*رغم تصدّر الرواية عن الشعر والقصة القصيرة، إلا أنك صرحت ذات مرة بأنها لن تستمر أكثر من 15 عاماً، فما السبب؟
ـــ ما قصدته هو عدم استمرارها بشكلها الحالي، حيث صارت مجرد حكايات تفتقر للعناية بالكثير من العناصر الفنية وتخلو من الإبداع والابتكار والرؤية، فهذه الوفرة بالإنتاج المتشابه ستؤدي إلى تشبع سوق التلقي بها، وعليه فلا بد من ظهور تجديد معين ومختلف عما صار عادياً وسهلاً، كما حدث في مراحل تطور الرواية التي نعرفها، فالذي لا يتجدد يموت، كما يقول المثل الإسباني.
*داخل كل مبدع يسكن ناقد، فإلى أي مدى تمارس النقد على إبداعك؟
ـــ رغم ما حققته بعض أعمالي من نجاح، إلا أنني أعتقد أنه بسيطاً. عندما كتبت الرواية الأولى لم أكن أفكر أن تنال رضا المتلقي فكتبتها على مزاجي، الآن عرفت وجوه القراء، في دول أخرى وكيف يتلقون وينتظرون هذا العمل، فأصبح هناك نوع من التقييد لي كشخص وكتعامل أخلاقي مع المتلقي فيسبب ذلك لي مشكلة، أصبحت كلمتي تؤخذ أكثر.
*ما بين الشعر والرواية والعمل الأكاديمي والترجمة، أي زاوية تجذبك صوبها أكثر؟
ـــ أنا كاتب وأداتي هي الكتابة، أصنع منها الشعر والمسرحية والرواية، والمضمون هو الذي يفرض الشكل، وحسب الانفعالات. ليس لديّ مشكلة في التصنيف أو الثنائية الثقافية، فأنا متصالح مع الثقافات المختلفة التي أعيش فيها، متصالح مع الأجيال ومع الأجناس الأدبية أيضاً.
*تُرجمت أعمالك إلى عدة لغات، فماذا أضافت لك؟
ـــ بالنسبة لأعمالي المترجمة، فقد ذكرتُ أنني استفدت من القارئ الأجنبي أكثر من العربي، عندما يحب قارئنا العربي ما نكتب لا يعبر بدقة وبشكل عملي عن التقنية والشكل، استفدت من الترجمة بحيث عرفت مواطن القوة في النص، ولا تنهض ثقافة عبر التاريخ دون تلاقحها مع ثقافات أخرى. الترجمة فعل ضروري، ويجب أن نوليها اهتماماً مضاعفاً.
*هل تعتقد أن العالم بحاجة إلى مشروع ثقافي كبير؟
ـــ ليس هناك من يعمل على الثقافة، والناس تبحث عن سبب انتشار الرِدات السلفية أو الداعشية وغيرهما، لأنهم اعتمدوا على المصادر القديمة. لم نقم بثورة تحديث حقيقية جديدة، بعد الاستقلال، عملنا فقط على مفهوم الوطنية، لكننا لم نستمر في تطوير مفاهيم الثقافة الوطنية والإنسانية، فكان هناك تقصير شديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الخليج) بتاريخ 1/4/2018م العدد 14196
http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/9cbf49c9-6c78-4ec5-95a3-d73efffdaaff

حدائق الرئيس.. هولوكوست عراقي/د.شاكر راضي


حدائق الرئيس.. هولوكوست عراقي

د.شاكر حسن راضي
رواية حدائق الرئيس للكاتب العراقي الدكتور محسن الرملي هي تأريخ وتوثيق لهولوكوست العراقيين الذي تجاوز برعبه ومآسيه وضحاياه هولوكوست اليهود في معسكرات النازية...
رواية نبشت المقابر وعرضت على الناس والعالم مأساة شعب لم ينصفه تاريخه وجغرافيته وحضارته وشعره وعشقه وأساطيره...
يا لها من حدائق وقصور تثير الرعب في النفوس! ويا لحزن عبدالله كافكا وطارق وإبراهيم وقسمه وأحمد وزينب وإسماعيل.. وكل تلك الأرواح التي شهقت في لحظتها الأخيرة وتمنت أن تكون بين أحبتها.. أو على الأقل أن تدفن في أرض تعرفها... مسخ كافكا لا شيء، ولا يمكن أن يقارن بعبدالله الذي عاش في رعب معسكرات الأسر وانتهى به العبث ليعرف أنه ابن غير شرعي لرجل عاد بعد كارثة 2003 متبؤا مكانة كبيرة، يسعى إليه أهل القرية عله يساعدهم في العثور على جثث قتلاهم الذين وصلتهم رؤوس أبنائهم في صناديق الموز... يالإبراهيم الذي وثق كل الجرائم، حفارا للقبور في حدائق الرئيس.... ورغم كل الحب الذي يحمله في قلبه المتعب، وحزنه الذي رافقه من لحظة فقدان صديقه النجفي.. إلى أن قطعوا رأسه تاركا قسمة التي عادت منكسرة أرملة مثل أغلبية بنات جيلها...
هولوكوست عراقي لا يتهم من ينكره بمعاداة السامية... حدائق الرئيس، رواية من طراز الساعة الخامسة والعشرون... فكم من يوهان عراقي في حدائق الرئيس!
https://www.facebook.com/shaker.radhi?lst=671126626%3A100001190757537%3A1522603107
محسن الرملي، أحمد سعداوي، شاكر راضي

الخميس، 29 مارس 2018

الثأر والعدالة في رواية محسن الرملي / فرح الراجح


الثأر والعدالة وما بينهما
قراءة في رواية (تمر الأصابع) للكاتب محسن الرملي
 
 فرح محمود الراجح
ـــ لندن 
الثأر والانتقام موضوعان استأثرا باهتمام الأدب العالمي منذ ازمنة قديمة. فمن منا لا يتذكر رواية (الكونت مونت كريستو) للكاتب الفرنسي الكساندر دوما ومسرحية (هاملت) للكاتب البريطاني وليام شكسبير و(الفتاة الراحلة) للكاتبة الأمريكية كيلان فلن، حيث الأبطال الباحثون عن الانتقام والثأر خارج نطاق العدالة. هناك دائمًا مشاعر تقود الشخصية التي تسعى إلى الانتقام، سواء كانت مدفوعة بالكراهية أو الغضب أو المرارة أو حتى الحب، وقد تستمد الانتقام من أي أو كل هذه الدوافع.
على غرار تلك الأعمال العالمية، تبحر رواية (تمر الأصابع) للأديب العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي في فضاءات النفس البشرية التائهة بين مفهومين متضادين في الحياة، وهما الانتقام والعدالة، وبين التقاليد والتجديد، والمهجر والوطن. ومن هنا تطرح الرواية جدليات متشابكة، يحاول الرملي تفكيك بعض خيوطها، بينما يترك مواطن أخرى بين العقدة والحل معوّلا على مخيلة وذكاء القارئ للمشاركة في حل شباكها المتداخلة.
تدور مجمل أحداث القصة حول ثلاث شخصيات، وهم (الجد مطلك والابن نوح والحفيد سليم)، الذين يرغبون بالانتقام والثأر لكرامتهم من احد عناصر النظام البعثي الحاكم، بعد أن قتل أفراداً من عائلتهم ظلما. تتوزع أحداث الرواية على مكانين (العراق واسبانيا) وزمانين (الماضي والحاضر) كما ويركز الكاتب على محورين رئيسين يحرك بهما آليات السرد وهما محور الزمن الحاضر (في المهجر، اسبانيا) حيث تعيش الشخصيات فى دولة يحكمها القانون والعدالة ومحور الذاكرة الاسترجاعية في الوطن (العراق) حيث القرية التي يغيب فيها القانون وتحكمها القبلية ونعرات الثأر. فما ان نجد انفسنا في الزمن الحاضر للقصة بمدينة مدريد عاصمة إسبانيا، حتى يأخذنا قطارالذاكرة ألى الماضي، وبالتحديد ألى أحدى القرى النائية في مدينة تكريت الواقعة شمال العراق. يقص علينا بطل الرواية والسارد لمجمل احداثها (سليم، الذي هاجر الى اسبانيا بحثاً عن الامان والحياة الهانئة) يقص حكايا المعاناة والظلم والموت الذي اطبق كابوسا على ابناء قريته من المهمشين ومن لا حول لهم ولا قوة. يخبرنا (سليم) بان تسلط وطغيان السلطة وقتل أفراد من عائلته على يد احد منتسبيها بعد اهانتهم والتنكيل بهم، هي من جملة الأسباب التي دفعته للهجرة وهي نفسها التي خلقت فكرة الإنتقام والثار في وجدان والده (نوح) ودفعته هو الآخر للهجرة الى مدريد بحثاً عن القاتل الذي ابتعثته الحكومة العراقية إلى هناك، املا في إنزال القصاص به ثأراً لأبناء جلدته ووفاءا لعهده الذي قطعه على نفسه أمام والده الحاج (مطلك).
يحمل (نوح) معه سلسلة مفاتيح كان قد صنعها لنفسه في العراق وعلق بها رصاصة مسدس كان قد افرغها من البارود، ترافقه في حله وترحاله. ترمز هذه السلسلة لتصميمه على الأنتقام من القاتل وهي بمثابة تذكار يحثه على التمسك بوعده وتجسيد للعصبية التي ورثها عن اباءه واجداده منذ طفولته التي يلمح لها مشهد يصوراحد اشهرالعاب الطفولة في القرية وهي لعبة الحرب، حيث يتقاتل الصبية فيها بينهم حاملين العصي والأسلحة المقلدة. من هنا يشير لنا الكاتب الرملي بأن الانتقام والثأرمشاعر قد تولد من حادثة معينة لكن التي يشير لها في روايته هي بالأساس مبادئ تعلمها الافراد واكتسبها منذ الطفولة وزرعها في دواخلهم محيطهم الأجتماعي والثقافي ومن هم أكبر منهم سنا. لكن هل من الممكن لمن عشعشت هذه النعرات القبلية في داخله ان يتجاوزها وينفتح على الأخر ويعيش حياة تسامح وصفاء ويلجأ للعدالة بعيداً عن القتل والدم وفكرة الإنتقام ومبدأ العين بالعين والسن بالسن؟ الجواب يكمن في جزء القصة الذي ينقلنا للمهجر.
إن هجرة (سليم ونوح) الى اسبانيا والإنفتاح على الثقافات وأساليب الحياة الأخرى التي يحكمها القانون سهلت بدورها الابتعاد عن إطار العائلة والتقاليد الضيقة وأسهمت بشكل كبير في فك قيود القبلية والعشائرية التي كبلت الروح الانسانية لديهما. فـ(سليم) الذي هاجر لإسبانيا قبل والده (نوح) يمثل صورة الانسان القابل للتطويع والتغيير والمنفتح على ثقافات الآخرين والمتمسك بنفس الوقت بحبه وانتمائه للوطن ولكن باعتدال بعيد عن التعصب والتطرف. نعلم من وجود (سليم) في المهجر، بان الحياة رغم صعوباتها فهي تُري للقادم من قرية صغيرة يحكمها العرف العشائري ويكاد يغيب فيها صوت القانون، تريه الوجه الآخر للعدالة وحقوق الإنسان والنظام. يتغير (سليم) ويتعرف في مدريد على (فاطمة) الفتاة الشرقية التي تذكره بحبيته العراقية ويقرر الارتباط بها وبناء منزل جديد وحياة مختلفة لطي صفحة الماضي الأليم، وهذا يؤكد أهمية المهجر في تغيير نفسية وشخصية الفرد بشكل إيجابي. في الوقت نفسه، يكشف لنا (سليم) بأن تغيرات كثيرة طرأت على شخصية والده (نوح) فهو بالكاد يتعرف عليه حينما التقاه صدفة في ملهىً ليلي في مدريد. كان (نوح) قد غير من تسريحة شعرة وملابسه بشكل يتماشى مع الإسلوب الأوربي العصري وصار صاحب ملهىً ليلي فيه رقص وخمور بعد ان كان رجلاً تقليدياً متمسكاً بالموروث القبلي والعشائري. يبدو لنا من هذا التغيير في شخصية (نوح)، أن المهجر قد ترك بصمته وغير شخصيته وطريقة تفكيره وباعد بينه وبين فكرة الثأر والدم. يتأكد هذا التغيير في آخر الرواية، عندما يقرر (نوح) الإنتقال إلى ألمانيا ويسلم ابنه (سليم) المفاتيح المعلقة بالسلسة، ولكن من دون الرصاصة التي طالما كانت ترافقه. وبالفعل، يقرر (نوح) في نهاية القصة الانتقال إلى ألمانيا مع صديقته الأجنبية ( روسا) التي التقى بها في مدريد، لكن الكاتب يفاجئنا بأن القاتل هو الآخر قد تم نقله للعمل في السفارة العراقية في ألمانيا حيث ينوي (نوح) الانتقال.
عند هذه النهاية المفتوحة، تكمن عبقرية كاتبها، الذي يمنح القارئ مساحة للتأمل والتفكر والتساؤل: هل سيستمر (نوح) في طريق الانتقام الذي يبدو كالقدر الأسود الذي لا ينفك عن ملاحقته، كلما حاول نسيانه والابتعاد عنه مكانيا وفكريا، لكنه يعود ليلاقيه وجهاً لوجه؟. هل تنهي صفحة الماضي التي نظن أنها طويت، وأن البطل قد تصالح مع ذاته وتعلم التمدن والنظام واحترام القانون وقيمة التسامح؟.
وكما هو حال الكثير من الروايات العربية، وخصوصا روايات المنفى وما بعد الحرب وسقوط الأنظمة، تركز رواية (تمر الأصابع) الضوء على مواضيع أخرى كالحب والسلطة والحرب والهوية والشتات وحجم المعاناة النفسية التي يتطلبها بناء حياة جديدة مع الإبقاء على ذاكرة مثقلة بالهموم وأحمال الوطن ونظام قمعي واحتلالات ودمار. شكلت كل تلك الأحداث ملامح وتاريخ الشخصيات ورسمت صورة الحاضر وتنبأت حتى بالمستقبل.
في الختام، ربما يتسائل القارئ عن الرابط بين كل هذه الأحداث المؤلمة والحزينة من قتل وثأر وشتات وبين عنوان الرواية (تمر الأصابع). يكمن الجواب بين ثنايا الصفحات وبين السطور، فبين الفينة والأخرى تُستحضر فاكهة التمر ذات الخصوصية التاريخية والثقافية عند سكان العراق الشهير بزراعتها والفخور بإنتاجها. يربط الرملي بين هذه الفاكهة الحلوة وبين عاطفة الشخصيات وتذكر العراق، فهي تعمل أيضا بمثابة رمز تذكير دائم بجذور تلك الشخصيات لوطنها الأم وحبها القديم.. وربما هي رمز الانتقام، لأن شكل التمر يذكرنا برصاصة المسدس التي حملها (نوح) معه في رحلة الانتقام، وحلاوتها هي كحلاوة التسامح والتصالح مع الذات والآخر. في وسط هذا الكم الهائل من الصور والذكريات والأحداث البعيدة والقريبة، أجد أن الرواية هي بحق كما وصفها الشاعر والكاتب الإسباني مانويل رينا في صحيفة الآي. بي. ثي. بأنها (رواية مشحونة بالعاطفة، بديعة باستحضاراتها وحنانها وتمتاز بقدرة كبيرة على رسم التناقضات ونقاط الاختلاف والتلاقي بين ثقافات الغرب والشرق.. إنها بحق هدية للفكر والحواس).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*فرح محمود الراجح: باحثة وأكاديمية عراقية، تقيم في لندن.
*نشرت في موقع (الناقد العراقي) بتاريخ 27/3/2018م.

الأحد، 7 يناير 2018

حدائق الرئيس من أفضل كتب 2017

حدائق الرئيس بين أفضل 10 روايات لعام 2017 حسب صحيفة (ذاستريتس تايمز) الانكليزية

4 THE PRESIDENT'S GARDENS BY MUHSIN AL-RAMLI 

This freshly translated novel is a harrowing depiction of the atrocities the ordinary Iraqi has endured for the past half-century. Ibrahim the Fated survives the horrors of war only to become a gardener in the palace of the late Iraqi dictator Saddam Hussein, in whose opulent gardens he is forced to bury thousands of corpses. 

حدائق الرئيس في قائمة أفضل الروايات لعام 2017 في صحيفة الغارديان
for the Iraqi perspective, turn to Muhsin al-Ramli’s The President’s Gardens, translated by Luke Leafgren (Maclehose), which follows a group of friends growing up under Saddam Hussein.

حدائق الرئيس بين أفضل 15 رواية لهذا العام في قائمة منظمة Media Diversified الانكليزية
The President’s Gardens, By Muhsin Al-Ramli
Many of us are used to seeing Iraq on the news, a Country making headlines or being part of that special report on the news. But what do we really know? How much of an insight do we really have on a part of the world which has often been reduced to a handful of events such as the end of the Saddam Hussein regime, the Gulf War and the 2003 invasion?
حدائق الرئيس ضمن القائمة القصيرة لأفضل روايات 2017 في مكتبة فيرجين العالمية، وكانت هي (كتاب الشهر) في مايو/أيار

السبت، 6 يناير 2018

محسن الرملي / بالصينية伊拉克現代詩100首

باللغة الصينية
伊拉克現代詩100  

قصيدة محسن الرملي (من لوركا إلى آخر) المهداة إلى حسن مطلك

وقصيدة لـ حسن مطلك

ونبذة تعريفية بالاثنين




 

الجمعة، 5 يناير 2018

ماركيز في بغداد /قصة: زهير كريم


قصة
ماركيز في بغداد
زهير كريم
وفي صباح اليوم الثاني، لم يجدوا السيد ماركيز في جناحه الخاص في فندق بغداد، اتصلوا مباشرة بضابط الأمن المكلف بحماية الضيف، فغمره فيضان من القلق، وفي تلك  اللحظة، لو طرح عليه سؤال، مثل: ما معنى الكارثة؟ سيقول بلا تردد: الكارثة هي أن يحدث مكروه لهذا الضيف. وكان للضابط طفلان رائعان، مما يزيد موقفه قلقا، وزوجة جميلة جدا، كان قد أغرم بها، وانتظر عشر سنوات حتى تزوجها.
رفض أبوها كل المساعي الحميدة، لأنه أراد أن يزوجها  لضابط جيش شارك في ثلاث حروب كحد أدنى، على ألا تكون الحرب الحالية التي لم  تنته بعد من ضمنها. لكنه في النهاية أعلن موافقته. قالت له زوجته، انها حلمت  بمرور القطار، ثم ظهرت لها في الصورة، أن ابنتها في لقطة درامية مثيرة للأسى، كانت تقف مثل شجرة عارية، حقيبتها على رصيف المحطة إلى جانبها. وكان المكان فارغا تماما مثل مقبرة، كلب هزيل منطو على نفسه على بعد أمتار منها ، والبنت وحيدة بعينين تائهتين تبحث في النجوم عن إشارة ما. وفي الفضاء ينتشر نقيق ضفادع قادما من بركة صغيرة في الجوار، ويصّاعد من الحقول القريبة  المغمورة بالظلام صرير الجنادب والهواء الثقيل الذي يحمل أصوات طيور لامرئية، تختفي ربما  بين الاكمات. وافق الأب بسرعة بعد أن أصابه مغص في معدته.. والحقيقة ليست كذلك، وافق  _  وهذا مهم أيضا_ لأن الضابط محبوب ابنته الوحيدة، أنهى دراسة إضافية في كلية اللغات، قسم للغة الإسبانية، وفي وقت لاحق، نسّب للعمل في جهاز المخابرات، على كل حال، تزوج الضابط الثلاثيني بمحبوبته الثلاثينية، عاشا بسعادة ومودة ووئام، ثم أنجبا ولدينّ، وفي الواقع أن الضابط غير مرتاح تماما في عمله، هناك حلبة غير مرئية تجري فيها خططا خبيثة لنزالات  متوقعة، الهدف منها كسر العظم بينه وبين مديره. إذن، كان البحث عن السيد ماركيز، هو الذي سيحدد مصير الضابط فيما يتعلق بوظيفته.. بل بحياته كذلك، وقد بحث عن الضيف، مع ثلاثة عناصر كانوا يتلقون الأوامر منه، في الصالة، ثم في المطبخ وفي التواليت. سألوا موظفي الاستعلامات، الحرس، سائقي التاكسيات الذين يحملون بطاقات خاصة لنقل الضيوف الأجانب  من الفندق إلى الأماكن التي يريدون الذهاب إليها.. وفي النهاية، لا أحد أكد لضابط  الأمن أن الضيف قد غادر الفندق، حتى مدير الاستقبال قد تفاجأ ولم يعرف ماذا يقول. هذا الرجل  العجوز الذي كانت ساقه تؤلمه بسبب سقوطه من السلم قبل أيام، والمصاب بالسكري وسوء الحظ، زميلته الشابة أصابها الهلع، خاصة وأنها خرجت من مشكلة قبل أيام، فقد ضبطها  الطباخ لأكثر من مرة في وضع غير لائق مع زميل لها، يعمل في قسم المشتريات، آخرها في غرفة الغسيل، حيث كانت عارية الصدر، وزميلها الذي فصل من العمل بعد هذا الحادث، كان يرضع ثدييها الكبيرين كالطفل كرونوي، بطل رواية العطر.
وأثناء ذلك كان محسن الرملي، وهو كاتب عراقي، يحمل الجنسية الاسبانية، يعمل موظفا في سفارة بلاده في بغداد، قد قاد الضيف إلى الخارج، في تصرف غير محسوب رغم توفر حسن  النية فيه، سارا على الأقدام عبر (شارع السعدون) و(شارع الرشيد)، وفي مسيرة لولبية في الأزقة  الضيقة، وصلا إلى مطعم صغير خلف (ساحة الغريري)، والحقيقة أن هذا التكليف بالمرافقه،  جاء بعد رسالة من الحكومة الاسبانية تقول؛ أن الكاتب الكولومبي غابريل غارثيا ماركيز، سوف  يزور العراق لتقديم محاضرات في كلية الآداب (جامعة بغداد)، ومن الأفضل ترشيح موظف  يعرف العربية جيدا من قبلكم ليرافقه أثناء زيارته، بل من الطيب جدا أن يكون موظفا من أصل عراقي. 
  بالنسية لمحسن الرملي، وهذا الأسم، ليس هو نفسه المثبت في أوراقه العراقية (محسن مطلك روضان) التي لم يعد يستعملها. شاب من قرية (اسديرة) شمال العراق... كان من الغريب حقا أنه وافق على العمل في بغداد، صحيح أنه دبلوماسي ومواطن اسباني، لكنه غادر العراق قبل سنوات، وكان على بعد شبر واحد من القبض عليه.. وعلى أية حال، لا أحد من أهل محسن الرملي يعرف أنه يعمل في بغداد، رغم ذلك، ، التقى لمرات عديدة بأخيه حسن مطلك في مبنى صغير تابع  للسفارة  يقع في (الكرادة)، تحدث محسن عن أعماله ومشاريعه الأدبية، وتحدث حسن عن رواية (دابادا) التي يتمنى إعادة كتابتها للمرة السادسة ونشرها قريبا، وعن مسودته الحادية والعشرين للفصل الأول من رواية (قوة الضحك في أور)... قضيا معا ليلة رائعة، كانت النجوم تملأ سماء بغداد، عندما وقفا عند النافذة يدخنان، ويغنيان معا شيئا عن الحب والحرية والفقد.. وأشياء أخرى، لم تكن، على كل حال، مبهجة، حيث أن الحرب ولم يكن  من الممكن ليلتها الحديث عن شجرة اسمها السلام .
وفي المطعم تحدث الشاب محسن الرملي للضيف عن رواية (الفتيتت المبعثر) و(حدائق  الرئيس)، وكتاب (ليالي القصف السعيدة) و(ذئبة الحب والكتب). قدم العامل أثناء ذلك، صحن القيمر بالعسل، وشرح محسن هذا الشيء الذي يراه ماركيز لأول مرة، حدثه عن الجاموس  والمعدان في جنوب العراق والأهوار والسومريين.. وعن بعض الأشياء الغامضة التي لم يشأ تفصيلها، والتي تتعلق بالمعارضة والحكومة، لكنه تحدث بحماسة عن رواية (دابادا) لحسن مطلك، ثم تكلم بقوة عن (قوة الضحك في أور). السيد ماركيز كان ينصت باهتمام حقيقي.. ويبدو أنه تحمس فعلا. قال: هل يمكن اللقاء بحسن مطلك؟ بالطبع، قال محسن الرملي، وكان من الممكن بالفعل أن يتحقق هذا اللقاء، لكنه في النهاية لم يحدث. تناول الضيف لقمته الأولى، ثم نظر إلى مرافقه الشاب وصاح بصوت عال: يا إلهي.. ما هذا السحر! أي قصيدة رائعة هذه سيد محسن!!!. كانت جملة انفعالية مليئة بالحماسة، سمعها العامل وهو يجلب قرص خبز ساخن آخر، ترجم محسن إلى النادل هذه الكلمات، وكان صاحب المطعم السمين قد انتبه لهذه اللغة  الغريبة أيضا، فأطفأ الراديو بعد أن وضع الجريدة جانبا، وسدد نظراته الفضولية إلى الطاولة التي كانت تبعد عن كرسيه عشرة أمتار، وفي الواقع، أن الرجل معروف بفضوله  المزعج، ثم أن زوجته الجديدة والتي تصغره بأكثر من عشرين عاما، كانت تحب الحكايات الغريبة، إذن، ينبغي عليه أن يفهم ماذا يجري في مطعمه أولا، وليحصل كذلك على حكاية جيدة، سوف يضيف إليها، على الأغلب، بعض التوابل ويحشر نفسه في تفاصيلها، أو وربما يكون هو الشخصية الأولى فيها، فتكون زوجته سعيدة، وتكافئه بليلته دافئة وصاخبة.
العامل أيضا، كان مبهوتا عندما خطف الزبون الأجنبي قرص الخبز من يده، كأنه لم يأكل منذ سبعة أشهر، خطفه وشمه بشغف، فضحك العامل، وكان الناس في ذلك الوقت يمتلكون القدرة على الابتسامة والضحك رغم الحرب، الحقيقة أنهم تعودوا على رائحة الموت، هذا ما كان يطحن قلب محسن الرملي وهو يراقب ضحكة هذا العامل النحيل، على كل حال، ضحك ماركيز أيضا، وكان مثل سكير في حانة يرتادها غالبا أفراد العصابات والمهربين وتجار السجائر الأجنبية، حسنا، لم يكن هذا الفائز بنوبل للآداب يجد بأسا من الحوار مع الغرباء العاملين في مطاعم  شعبية جدا، فهو أصلا كاتب شعبي كما صرّح هو ذاته، يلتقط شخصياته من السوق ومن  الحانات المتواضعة، ولا يعترض على توظيف حتى الخرافات التي تمضعها العجائز.
- أين سوق الطيور؟ سأل ماركيز، أريد أن أشتري ببغاء.
ببغاء!؟ كان الطلب مفاجئا وغريبا، بل وصادما أيضا، ابتسم محسن قبل أن يرد على ماركيز: ببغاء، هل تقصد..؟ أجابه ماركيز بسرعة: نعم، ببغاء، هل يبدو طلبي غريبا إلى هذا الحد!؟ ثم أضاف: اسمع سيد محسن، سوف أخبرك بسرّ كبير، كان هناك رجل من بقايا الهنود الحمر، يعمل صحفيا في جريدة محلية في ميامي، التقيته في مقهى، تناولنا القهوة، وكان رجلا يفتقر إلى  الطموح على مايبدو، له أنف يشبه منقار ديك خامل، وعينان جميلتان كعيني عجل يتيم، لكنه كان ودودا على كل حال، ويشرب كأس البيرة دفعة واحدة كما لو أن أحدا يطارده،  لقد نصحني  هذا الرجل أن أستخدم  طائرا في رواياتي. فتح محسن عينيه، وبدأ ينتف بشاربه وهو يستمع  لهذا المجنون الذي يحاول، كما يظهر، أن يسخر منه أو يعبث بعقله: قال لي، أن الطيور تقوم بتغيير مسار الحكايات، بل أن الكاتب الوغد، يستطيع بمكره أن يجد من خلالها الحلول المستعصية في الحبكة الروائية، الببغاء، الببغاء، الببغاء يا سيد ماركيز،الببغاء بالذات من يفعل ذلك، وهناك نوع واحد منها، نوع لا يمكنك الحصول عليه في أيّ مكان، إلا إذا ذهبت إلى الشرق، اذهب إلى الشرق، اذهب إلى بغداد سيد ماركيز، اذهب إلى هناك  واحصل على طائرك السحري. 
وكان محسن الرملي ينصت بمتعة، كما لو أنه يقرأ بالفعل نصا لماركيز، حسنا، هو يدرك أن بعض الكتاب يخلطون، في أحاديثهم العادية كما في نصوصهم، بين الوقائع التي حصلت بالفعل  وبين الوقائع المتخيلة، حيث يظهر هذا الخلط خاصة في تلك الأوقات التي يكونون فيها منشغلين بكتابة عمل جديد، وهذا الأمر لم يكن يشكل له شعورا سيئا، على العكس، لقد حدث  أن استمع لأصدقاء كتاب وهم يفعلون هذا الشيء، وكان يستلم الخطاب على أنه  قصة متخيلة  وحسب، رغم ذلك، لم يرغب في أن يكون متلقيا خاملا: الحقيقة أنا أتفهم أن الهندي الأحمر  والذي كانت له عينا عجل يتيم، قادرا على اسداء النصائح الثمينة، في ذات الوقت الذي لا يستطيع أن يوظف هذه الأشياء في عمله ويخرج  من دائرة الهامش، كما وصفته أنت يا سيد ماركيز. قال محسن الرملي ذلك، وكان ماركيز متحفزا للرد: لا تكن سيء الظن أيها  الشاب، المخيلة مثل الأجساد، غالبا ما تنطفئ دون تحفيز، يحصل ذلك مع الأجساد عندما تحصل على الراحة لفترة أطول بكثير مما تحتاجه بالفعل، هل أخبرك بشيء آخر؟ في الحقيقة، أنا من رتبت موضوع تقديم المحاضرات في الجامعة، فقط من أجل أن أشتري هذه الببغاء، أوصافه مسجلة في هذه الورقة، وماعليك يا صديقي سوى أن تساعدني للذهاب إلى (سوق الغزل)، هكذا يسمونه، صحيح! هيا لنذهب إلى هناك، من فضلك، القضية مصيرية بالنسية لي، وروايتي الجديدة  متوقفة على هذا الببغاء الحقير.
- ولكنني لم أفهم، لحد الآن، ما علاقة كتابة رواية بالحصول على ببغاء، وكيف يُوجِد الببغاء  حلولاً للحبكة الروائية المستعصية، هل هذه الكلام ضمن دائرة الخيال أم الواقع. رد محسن  الرملي، وكان ماركيز صبورا بالفعل، صبورا جدا وعلى استعداد للحديث إلى ما لانهاية، مثل طفل عن طائره العجيب، قال: وهل يمكنك أن تفصل بين الخيال والواقع!  في القرن الثامن عشر مثلا، كان الكاتشاب يستخدم كدواء! ان قيمة الشىء لا تكمن فقط في وظيفته المعروفة.. بل في كيفية استخدامه في أشياء أخرى، وهذا هو الفرق بين الواقع والخيال، في رواية و(قائع موت معلن) مثلا، كان من الممكن أن تكون النهاية مختلفة، نعم، لو كانت الببغاء معي، لأخبَرَت (نصار) بعد تلقينها أن الأخوين (بابلو فيكاريو) و(بيدرو فيكاريو) يريدان قتله انتقاما لشرف اختهما (آنخيلا)، لو كان لدي ببغاء لكان (سانتياغو نصار) قد نجى من الموت، هل تفهم ذلك؟
وبدا هذا الكلام لمحسن الرملي غريبا فعلا، ومثيرا في الوقت ذاته: هل تعتقد أن حماستك لشراء ببغاء جاءت بسبب شعورك بتأنيب الضمير، عفوا، أقصد وبناء على كلامك، أنك شاركت في قتل سانتياعو نصار، ورسمت، مع الآخرين، له تلك النهاية الدموية.
ظهرت علامات من الحزن على وجه ماركيز، صمت للحظة، أغمض عينيه، كما لو أنه سافر بعيدا، وكان الكثير من الزبائن قد دخلوا وتوزعوا على طاولات المطعم، لم ينتبه أحدا منهم إلى ماركيز، بل لا أحد سوف يهتم، حتى لو أعلن عن نفسه صراحة، وما ساعد على هذا التجاهل، أن شكله لم يكن غريبا، يبدو عراقيا بالفعل، بشاربيه وملابسه العادية، ورغم أن الجنود الأربعة، الذين أحاطوا بالطاولة القريبة، كانوا يتحدثون بصوت صاخب. واصل ماركيز: ولماذا افترضت  بأنني شاركت في قتل نصار، في الواقع، لم أكن أعرف يا صديقي، أن طائرا مثل الببغاء بمقدوره أن يجنب الضحية السقوط في وحشية تلك الليلة المريرة. قال ذلك، وكان واضحا أنه يشعر ببعض الأسى، ثم  أضاف: لقد حدث كل شيء قبل مقابلتي للهندي الأحمر في ميامي، كما كان الحدث شبه واقعي، لم أتمكن من  تغيير الكثير من الأحداث، رغم  ذلك، كان من الممكن أن أخبره، أن أمرر له رسالة، على الأقل، ليتدبر أمره، فقط، لو كان عندي ببغاء من النوع الذي حدثتك عنه، أريد واحدة، هذه المرة، لكي تكون السبب المباشر لنهاية حياة  بطل روايتي القادمة، (الحب في زمن الكوليرا)، لقد قابلت رجلا من سورية في (بوينوس آيرس) يدير محلا لبيع  الطيور، قال لي عندما سألته عن الببغاء: أن مثل هذا الطائر لن تجده إلا في بغداد، ألم أقل  لك! ان نصيحة الهندي العجوز ليست مضحكة، كما تظن، لقد كتب المهاجر السوري على ورقة وبالعربية، أوصاف الطائر بالتفصيل، قال أيضا: انه طائر ذكي، لن يحتاج وقتا طويلا ليتعلم  الحديث والغناء بالإسيانية والفرنسية أيضا، ولكن احذر، انه من النوع الذي يحفظ قاموسا كبيرا من الكلمات البذيئة. على كل حال. قال ماركيز أنه لا يعرف العربية ولا زوجته (مرثيدس) التي من أصول مصرية، لكننا سوف نعلمه الاسبانية. وكان محسن قد وجد نفسه في ورطة مع هذا المجنون الحائز على نوبل للآداب، وعليه أن ينهي هذه الجولة، غير القانونية في بلد بوليسي  مرعب، هرب منه، ورغم السنوات الطويلة التي عاشها في مدريد، لم يزل يشعر بالخوف حتى عندما عاد إليه  دبلوماسيا أجنبيا، ظلّ نبع الخوف مفتوحا كجرح أو كما لو كان لعنة أبدية،  وفي الحقيقة، ما كان محسن ليفعل هذا الشيء بكامل اختياره. كان في صالة الفندق، يتناول  قهوته مبكرا كعادته، وكانت الصالة فارغة عندما هبط ماركيز: صباح الخير سيد ماركيز، هل أطلب لك القهوة؟. قال محسن ذلك مع ابتسامة محبة لهذا الساحر. لكن ماركيز رد التحية بسرعة، ثم جَرّ محسن من يده، وسحبه إلى الخارج، لم يعترض، ربما لأن مثل هذه الحركة  العاطفية، تطفئ كل رغبة بالاعتراض. أو أنه تخيل بأن الرجل يرغب بشم الهواء، وأراد أن يدردش معه بعيدا عن وجود عناصر الحماية حوله، وفي تلك اللحظة، لم يكن ضابط الأمن موجودا، لم يعترضه أحد، ثم قاد محسن الرملي الضيف عبر الشوارع التي امتلأت بالموظفين  والعمال والجنود اقترح أن يتناولا إفطارا محليا في مكان ما، لم يعترض ماركيز عندما دخلا الازقة الضيقة خلف (ساحة الغريري)، على العكس، كان ينظر إلى الأشياء بعينيّ طفل سعيد.
ثم توقفت سيارة شرطة أمام باب المطعم، في الوقت الذي كانا به قد أنهيا افطارهما، بالنسية  لمحسن لم يرتح لهذا المشهد، فتح فمه دهشة، غمره الشعور بالخوف، انفتح فم النبع القديم في داخله، نبع لم يجف رغم كل شيء، خوف أصيل كبر معه في جمهورية الرعب، وفي لحظة  تخيل نفسه عراقيّا يتقن الإسيانية، مكلف بمرافقة ضيف أجنبي، وليس دبلوماسيا أجنبي، تخيل كيف سيوجه له الضابط له تهمة، ايّة تهمة، كأن يقول: لقد سحبت الضيف إلى مناطق فقيرة  وقذرة  لتقول له أن البلد في اسوأ حال، ثم تُعالَج مثل هذه التهمة وتُخلَط بمجموعة من التهم ذات العلاقة، فيرتفع مستوى الجرم إلى الحد الذي سيجعل قرار الحكم لا يقل عن السجن المؤبد. وكان الضابط المكلف بحماية الوفد قد دخل بعينين زائغتين، يتبعه ثلاثة من المساعدين، شواربه  ترتجف، ويبدو انه لم يغسل وجهه بعد الاستيقاظ المفاجئ. نهض صاحب المطعم مرعوبا، فللرجل عائلة ومسؤول عن زوجتين ودزينة من الأطفال، ولم تكن صفحته الأمنية نظيفة تماماً،  وصحته لا تحتمل الرطوبة والطعام السيء والصفعات، حتى العامل، الذي كان منشغلا  بالحديث مع زبون، أراد اأن يهرب من الباب الخلفي للمطعم، فخطيبته قد هددته في آخر لقاءاتهما، بخصوص تكاسله وعدم تحديد موعدا للعرس، وأن أي تخاذل أو غياب، مهما كانت الأسباب، سيكون عذرا مقبولا لرمي خاتم الخطوبة في وجهه، قال لنفسه: ان قلبي لم يكن مرتاحا  أبدا، لهذين الزبونين، وقضية هذا الأجنبي لا تخلو من مصائب. لكن الضابط، قال للضيف، موجها نظراته باتجاه محسن الرملي الذي كان مكلفا أيضا بالترجمة والمرافقة: من واجبي أن أرافق الضيوف حفاظا على سلامتهم، تصرف مثل هذا يا أستاذ، قد يعرضك للمشاكل في بلد لا تعرف عنه شيئا. ترجم محسن، وضحك ماركيز، قال أنا ابن حيّ شعبي في كولومبيا أيها  الضابط، ثم أني أريد شراء ببغاء، ببغاء تنهي حياة (جيفينال ايربينو)، هذا لأنني بالفعل أريده  أن يموت، لكي يتزوج (فلورنتينو اريثا) من محبوبته (فيرمينا دازا)، هل تعرف أحد يبيع  الببغاوات؟ فأنا لم أضع  قدمي هنا إلا من أجل هذا.
ساد الصمت، ترافقه الحيرة على وجه الضابط. محسن الرملي تغير لونه، ثم تحدث لماركيز أولا عن مخاوفه القديمة، وأنها أشياء لم تغادره، إنه يشعر بالرعب من نظرات هذا الضابط الذي يبدو بأنه في جهاز المخابرات وليس شرطياً عاديا. قال له ماركيز: أنا أتفهم ذلك، عندما تكون السلطة كلها مجرد أداة قمع بيد حاكم مقدس، أعرف هذا جيدا، وأقدر مخاوفك. ثم انتبه محسن  إلى أنه من الواجب قول شيء للضابط، رغم أنه قد لاحظ  بأنه لم يكن مهتما للترجمة، نظراته  توحي بأنه يفهم كل شيء، ومع ذلك، ترجم للضابط، نقل أشياء أخرى لاعلاقة لها بالحديث  الذي كان بينه وبين ماركيز، الضابط كان يبتسم بشواربة المشذبة، وهذه الحركة كانت غامضة لمحسن، الذي راح يفكك بعض المعطيات، التي يعرفها أصلا، لكنه غفل عنها، قال لنفسه: ابتسامته لا تدل على شيء.. سوى أن هذا الرجل قد فهم كل ما دار بيني وبين ماركيز، من حوار حول السلطة والقمع والحاكم المقدس، وانه لمن الطبيعي أن يكون لضابط مخابرات مكلف  بمرافقة ضيف مهم، معرفة جيدة بلغته، وأن الكثير من، خريجي كلية اللغات يعملون في  دوائر استخبارية. على كل حال، لم يكن ثمة حل لتدارك الأمر، فالكلمة التي تخرج من الفم مثل  الحجر الذي يسقط من الجبل، كلاهما لن يعودا إلى النقطة نفسها أبدا: إذا دعني أرافقك لقضاء  احتياجاتك، وبسيارتي الخاصة يقودها سائق خاص، لا تقلق، لن تكون سيارة شرطة ههه، قل له يا أستاذ محسن، ألا يقلق، هذا البلد آمن جداً، والقيادة ليست كما يقرأ أو ينقل له البعض  بشأنها، السيد الرئيس هو صديق  لثوار أمريكا الجنوبية، (فيديل كاسترو) خاصة. قال الضابط،  وفهم محسن هذه الرسالة الملغمة.
وكان صاحب المطعم قد أمر نادله بتقديم الشاي للجميع. احتسوا بسرعة وخرجوا. كان محسن مضطرباً ومرتبكاً بالفعل، فيما ماركيز يردد جملته: أي سحر هذا، أية قصيدة هذه! طعم القيمر  والخبز والشاي.. يا إلهي، الغموض والببغاوات، تلك الطيور العجيبة التي تقتل أبطال الروايات  وتنجيهم أيضاً. أريد أن أشتري ببغاء أيها الرفاق، أحتاجها حقاً، كي يتزوج (فلورنتينو اريثا) من محبوبته (فيرمينا دازا)، لا أحد يستطيع أن يفعلها سوى ببغاء ذكية من (سوق الغزل). والحقيقة  أن محسن تملكه المزيد الهلع مع مرور الوقت. تلميحات الضابط ونظراته إليه، كانت تنذر  بخطر غامض، ورغم الحصانة الدبلوماسية. فكر بطفلته التي تركها في مدريد، بأخيه حسن وعائلته وبأشياء عديدة، ويبدو أن ماركيز قد حصل على الببغاء في ذلك النهار، ألقى في اليوم التالي محاضرة سريعة واحدة فقط، رافقه محسن فيها، ثم قرر أن يعود إلى بلاده، لكنه أخذ معه  إضافة لطيره العجيب، مرافقه الكاتب محسن الرملي أيضا، الموظف في سفارة إسيانيا، والذي قدم استقالته في الليلة نفسها، شارحا للسفير الأسباب الواقعية لهذه الاستقالة. محسن الذي غادر بغداد، قال لنفسه: لن أعود مرة أخرى.. حتى لو أن ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا نفسه، نهض من قبره  وقال لي: من فضلك يا محسن، رافقتي إلى هناك لأشتري حصانا من سوق الخيول في بغداد، حصان أكتب فيه رواية ظلت حبيسة في رأسي طوال الزمن، وحصان من بغداد هو وحده  من يحررها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع (الكتابة) بتاريخ 24/12/2017م
**زهير كريم: شاعر وقاص وروائي عراقي.