الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

زاوية (جداريات) / لماذا لا يعجبهم ما يعجبنا؟



لماذا لا يعجبهم ما يعجبنا؟


من بين التساؤلات العديدة التي تبرز لنا، وخاصة نحن الذين نعيش في الغرب ونتداخل مع أوساطهم الثقافية ونعمل ضمن مناخاتها في الميادين الأكاديمية والفنية والأدبية والترجمة. لماذا لا يعجبهم الذي يعجبنا فيما يعجبنا الذي يعجبهم سواء أكان كلاسيكياً أو حديثاً؟! ومن ذلك، في الأدب مثلاً، لماذا لايحظى المتنبي بالإعجاب الكافي لديهم فيما هو بالنسبة لنا قمة في الشعرية العربية على مدى قرون وأجيال؟ فقد تُرجمت منتخبات من شعره إلى معظم اللغات الرئيسية، ولكنها لم تحظ بأي صدى يُذكر وسرعان مايطويها النسيان. وفي الموسيقى نجد أن كوكب شرقنا أم كلثوم التي لازالت أغانيها تحتل المرتبة الأولى على مدى عقود في عالمنا العربي لا تلقى آذاناً عاشقة لها في الغرب. أي على العكس من مقولة: مطربة الحي لاتطرب. نلاحظ بأن الذي يطرب في حينا لا يطرب في حيهم. وقد عمدت شخصياً لاختبار هذين المثالين في الأوساط التي أعرفها بين مثقفين وشعراء وعلى طلبتي في الجامعة، فما وجدت، بعد مقدمات تعريفية متحمسة وتشويقية، سوى البرود وما يشبه الخيبة في الوجوه المتلقية، وسرعة في دبيب الملل والضجر. وهنا تتبلور (لماذا) كبيرة وجادة تتفرع منها أسئلة شتى، وتتعدد الآراء والإجابات المقترحة والتي هي بحد ذاتها تمثل أسئلة وتفتح أبواب تساؤلات أخرى.
أين تكمن العلة؟ أهي في ضعف وسائلنا الإعلامية وأساليبنا في الترويج؟ أهي في طبيعة وخصوصية لغتنا العربية بحيث يصعب تذوق نتاجها إلا بها، ودليل ذلك أن المستعربين وممن يتعلمها منهم سيعجبه ما يعجبنا ويتذوقه؟ هل يتعلق الأمر بالشكل أم بالمضمون؟ ولكن جل شعر المتنبي يمجد الذات الفردانية وعلو الطموح الشخصي وهو من أبرز سمات الثقافة الغربية!! هل ثمة افتقار معين في الحس الإنساني المشترك والعام في نتاجنا؟ هل أن اهتماماتنا وهمومنا تختلف وذهنيتنا وذائقتنا تختلف عن اهتماماتهم وهمومهم وذهنيتهم وذائقتهم إلى هذا الحد أم أنها لاتهمهم؟ لماذا يعرفون جلال الدين الرومي أكثر من المتنبي؟ أهو بسبب كثرة وتعدد التجمعات الباحثة عن الروحانيات والتصوف مثلاً؟ فلماذا يعرفونه أكثر من الحلاج وحتى ابن عربي الذي ولد في أراضيهم إذاً؟ هل لايعرفون أم كلثوم بسبب إيقاع العصر وتقلبات الموضة مثلاً؟ إذاً لماذا لم تحظ ولو لفترة ما على الرغم من سرعة تقلب الموضات على مدى عقود؟ ألم يصدف أبداً أنها تطابقت مع موضة لديهم في فترة ما فيما لاتؤثر تقلبات الموضة على تصدرها طربنا نحن؟ وكذا الحال مع المتنبي، ألم يصدف أن انسجم ولو لمرة واحدة مع أحد التيارات الأدبية التي ما أكثر ماتنوعت وتقلبت على مدى قرون؟ وبمقابل هذا كله، لماذا نجد أن ماينجح لديهم ويسطع تقبله في ذائقتهم ينجح هو الآخر عندنا؟ والأمثلة يصعب حصرها من رموز ثقافتهم الكثيرة ومما ترجمناه من شعرائهم وكتابهم وفنانيهم. فهل هذا يعني أن ذائقتنا وذهنيتنا أكثر اتساعاً وتقبلاً من ذائقتهم وذهنيتهم فيما نحن المتهمين من قبلهم ومن قبل أنفسنا بكوننا لانتقبل الآخر؟ أم أن الأمر معكوس وهم الذين لايتقبلون إلا ما ينسجم مع ذائقتهم وحسب؟ أي التمركز على الذات وليس أمام الآخر سوى أن يستجيب لسياقاتهم الثقافية؟. هذه مجرد نماذج وأسئلة.. ربما تستحق منا التوقف عندها وتأملها ودرسها. وهذه دعوة لتوسيع أو تعميق النقاش حولها.

--------------------------------------
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 29/12/2009 العدد 672

http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=5584276820091229111724


وعلى هذا الرابط رأي آخر يناقش بعض ما جاء هنا
http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=80737204220100309120943

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

نقد/ عن.. تمر الأصابع / د.محمد المسعودي



تمثل الذات/ تمثل الآخر بين الملهاة والمأساة

في رواية "تمر الأصابع" لمحسن الرملي

د. محمد المسعودي
تعد رواية "تمر الأصابع"- وهي الرواية الثانية للكاتب والمبدع العراقي د. محسن الرملي بعد رواية "الفتيت المبعثر"- من الأعمال الروائية العربية الجديدة التي انشغلت بهموم الإنسان العربي المعاصر، واشتغلت- في خضم تصوير هذه الهموم- بتقنيات جمالية على قدر هام من البراعة والإتقان قصد تشكيل عوالمها الفنية المميزة. ولا تقف الرواية عند معاناة الإنسان العربي المعاصر فحسب، بل إنها ترصد، أيضا، تراجيدية الإنسان المعاصر الأوروبي/الآخر عبر تصوير ما تعانيه الذات الجماعية/العربية أثناء صراعها في واقعها الحالي بما يتسم به من مرارة وقسوة وعبثية، وبما يخضع له من حال ميلودرامي هو مزيج من المآسي والملاهي. فكيف تمثلت الرواية هذه الذات؟ وكيف تمثلت الآخر؟ وما تجليات المأساة/التراجيدية في تمثل الذات/الآخر؟ وما أبعاد الملهاة/الكوميدية في تصويرهما؟
انطلاقا من هذه الأسئلة ستكون مقاربتنا لهذه الرواية خاضعة لاستراتيجية تبحث عن الأبعاد الفنية أثناء بنائها للدلالة، قصد الوقوف عند تشكلات الصور الروائية وهي تُبرز تمثل السارد للذات وللآخر في سياق توتر درامي قوامه المأساة والملهاة معا.
لعل أول ما يلفت نظر قارئ رواية "تمر الأصابع" منذ فصولها الأولى تركيز السارد على تصوير عادات وعوائد القرية العراقية عبر الإمعان في رصد طبيعة العلاقة الجامعة بين الأسرة والعائلة والعشيرة، وهي علاقة لا تسلم من التباس وتشابك وتوتر وصدام. والبعد المفارق/الساخر في هذا التصوير يكمن في توليد الملهاة من عمق المأساة. إن تجسيد طبيعة علاقة السارد بالأب والجد، وعلاقة هذا الأخير بأولاده وأحفاده تبرز هذا التراوح بين التراجيدية والكوميدية لدى الروائي الذي يمارس لعبته الفنية الذكية منتقدا ساخرا على الرغم من الطابع الجدي الذي تُقدم به الوقائع والشخصيات. وإن المتأمل في الصورة السردية التالية يقف عند هذه اللعبة الفنية الماكرة بوضوح، يقول السارد عن أبيه: « أبي أكبر إخوته لذا وقع عليه العبء الأكبر من العمل ومن ممارسات جدي لتصوراته عن التربية الصارمة وتغذيته بمفهوم الطاعة العمياء للوالدين،" لأن رضا الله من رضا الوالدين". فلم يرفض نوح طلبا أو أمرا لوالده أبدا أبدا. أذكر مثلا، أنه قد عاد ذات ظهيرة تموزية منهكا من عمله في شركات النفط في كركوك، وبما أن من عادته الدخول أولا إلى صالة الضيوف للسلام على جدي الذي يقيم فيها وحيدا مع كتبه منذ موت جدتي، ثم يأتي إلى البيت يقبلنا ويصافح أمي. في تلك الظهيرة أمره جدي أن يذهب لإصلاح مضخة الماء العاطلة في المزرعة، فترك حقيبته هناك وتوجه فورا إلى الحقل دون أن ينعطف إلى البيت ليسلم علينا أو يستحم ويرتاح ويتناول غداءه، كما هي عادته. ولم يعد إلا بعد أن أصلحها عند غروب الشمس. أبي لم ينظر في عيني جدي أو حدق في وجهه على الإطلاق. دائما ينظر إلى الأرض مستمعا إلى كلامه بانتباه، تجاوز عمره الأربعين عاما وهو يقول إنه يستحي من النظر إلى وجه أبيه. وسألني ذات يوم هادئ قرب شاطئ النهر، بنبرة تشبه الفضول والتوسل: كيف تنظر أنت إلى وجهه؟ هل نظرت في عينيه؟ هل نظرت في عينيه؟».(ص.18-19)
يكشف هذا المشهد التصويري عن مفارقة تسم علاقة الجد مطلق بابنه نوح. إن طرق التربية التقليدية التي زرعها الجد في الأب جعلت شخصيته تنمحي أمام الحضور الطاغي للجد الذي يتحكم في كل شئ داخل بيت العائلة الكبير. ويركز السارد على بعد على قدر من الأهمية في الدلالة على المفارقة الساخرة والرؤية النقدية الرافضة لقيم المجتمع الشرقي التقليدي، ويتمثل هذا البعد في عدم قدرة الأب نوح على النظر في عيني والده أو التحديق في وجهه أبدا، وتتبدى السخرية أكثر حينما يطلب من ولده سليم أن يكشف له عن كيفية قدرته على النظر إلى وجه الجد، بل إنه يلح في السؤال عن مدى قدرته على النظر في عينيه. ولعل هذا التصوير الروائي الهادئ لهذا الحدث يكشف، في العمق، عن توتر ومفارقة ستبين الأحداث اللاحقة عن أبعادها في خدمة دلالة النص التراجيدية/ الكوميدية. إن الأب الذي يستحي إلى هذه الدرجة السلبية من الجد ينطوي على جوانب أخرى تعد النقيض التام لما يبدو في هذا المشهد السردي الدال. وهذا ما يجعل السارد/ البطل يستغرب التحول الذي طرأ على أبيه بعدما هاجر إلى إسبانيا، ويبدي حيرته من ازدواج شخصيته الذي يجسد توزع الذات وحيرتها بين هويتين وحضارتين وثقافتين. يقول السارد معبرا عن استغرابه وحيرته من سلوكات الأب: « أفكر بأن أبي في داخله اثنين، هناك كان يخفي الذي يمارسه هنا، وهنا يخفي الذي كان يمارسه هناك... دون أن يتخلى عن أحدهما نهائيا...»(ص. 87)
وهكذا نتبين أن الوضع التراجيدي للإنسان العربي في مواطنه ينطوي على مفارقات وسخريات تجسد انكساره وضعفه وانعدام شخصيته إلى حد يشبه معه الكراكوز، ومن هنا كان التركيز على المواقف الكاريكاتورية والمشاهد المضحكة استراتيجية فنية لتصوير مأساة الذات العربية سواء في الوطن أو في المهجر. ووضع العربي في المهاجر الغربية يتضح من خلال صورة الأب نوح في توزعه بين ماضيه وحاضره، على الرغم من سعيه الدائب إلى نسيان الماضي إلا أن هذا الماضي يلقي بكلكله عليه إلى آخر لحظة في الرواية.
وبهذه التقنية الجمالية التي تقف عند المفارقات وتستخرج اللحظات الساخرة من جذور المآسي التي تمر بها البلاد ينجح السارد في تقديم صورة روائية متكاملة عن واقع القرية العراقية باعتبارها تمثيلا تخييليا لفضاء عربي شاسع يتقاسم الكثير من سمات القرية العراقية التي يصورها.
وإذا كان الروائي يركز على تصوير فضاء القرية العراقية بطقوسها البدوية الإنسانية البسيطة في تناقضاتها ومفارقاتها بنجاح وقدرة فنية بينة، فبموازاة مع ذلك يتمكن من تصوير حياة المدينة الأوربية ومعاناة المغتربين فيها بنفس الاستراتيجية الفنية. في الفصل الرابع من الرواية، على سبيل التمثيل، يرصد السارد طبيعة العلاقة التي تجمع الإنسان الغربي بالمهاجرين، ومن خلال تصوير توتر هذه العلاقة يكشف زيف الحضارة الأوروبية في ادعائها للإنسانية والديموقراطية والتواصل. يقول السارد: « أنا أصغر سكان العمارة سنا، تليني شابة كوبية سمراء تسكن تحتي، أرضيتي سقفها. فيما تحتل الشقق الأخرى عجائز وحيدات إلا من رفقة كلب يخاطبنه ليل نهار أو من مشاهدة أخبار فضائح الفنانين في التلفزيون، وكن ينظرن إلي حين نلتقي على السلم بتوجس وريبة بعد موقفي حول برميل الزبالة. وازدادت هواجسهن حين رفضت الاجتماع مع مجلس الجيران لمناقشة قضية إصلاح قفل الباب الرئيسي، حين قلت للبواب: لا داعي لمضعية الوقت هذه، قم أنت بشراء قفل جديد وبتركيبه، ثم اجمع ثمنه من سكان العمارة. ذلك أنني أدركت بأن فائض الوقت لديهن يجعل من هذه الاجتماعات فرصة للثرثرة والشكوى وإرضاء فضولهن برؤية بقية الجيران عن كثب. قررت ألا أحضر اجتماعات الجيران هذه منذ العام الأول..».(ص.35)
تبين هذه الصورة السردية مفارقة الواقع الغربي الذي يتميز، بدوره، بتناقضات ومفارقات خاصة به. إنه واقع يحتفي بالحيوان على حساب الإنسان، ويعادي الآخر لأنه آخر مختلف ثقافيا وحضاريا وعرقيا. وهو واقع لا يسلم من فضول يصل حد استباحة كل طرق الجاسوسية والنميمة من أجل اقتحام حياة الآخر ومعرفة تفاصيلها. وفي حال الإخفاق تتحول العلاقة إلى نفور وعدوانية بينة. ولعل السارد أمعن في تصوير هذه الأبعاد للكشف عن تراجيدية الإنسان الغربي وكوميدية وضعه الإنساني الزائف الذي لا يسلم من ظاهر يعلن قيم الخير والتواصل والتفاهم والمحبة، ومن مضمر يخفي قيم الشر وانعدام التواصل والتفاهم والكراهية. وقد قدم السارد مشاهد تصويرية عديدة تكشف هذه المباذل الغربية المغلفة بقشور الحضارة الأوربية الحديثة.
ومن خلال ما سلف يمكن القول إن لمحتي السخرية ونقد معتقدات الذات ومعتقدات الآخر ومواقفه من السمات اللافتة للنظر في رواية "تمر الأصابع" دون سقوط في الثرثرة السردية والمباشرة الفكرية في عرض المواقف أو التعصب لها. ومن ثم، فإن لعبة المداورة/المواربة في تقديم الموضوع وتصوير تفاصيله التي تتسم بالتناقض في الرؤى والتعدد في المنظورات نجحت في تحقيق تصوير متوازن لحقيقة الذات والآخر من وجهة نظر سارد لا يدعي اليقين بقدر ما يبحث عن لمعة يقين وسط دوامة الشك التي تعصف بالإنسان المعاصر.
وهكذا نتبين أن هذه الرواية التي صيغت بلغة منسابة متدفقة، وحيوية تصويرية لافتة للنظر قد تمكنت من الوقوف عند تقاطع عالمي الشرق والغرب عبر هذه البراعة اللغوية التي تعزف على إيقاع التكثيف مرة، وعلى بلاغة الامتداد والتفاصيل الدقيقة مرة أخرى. وإن تداخل الماضي بالحاضر، وما يتعلق بالذات الساردة، والآخر وهي تتشكل عبر سرديتها المتوترة وحيويتها التصويرية في أبعادها التراجيدية والكوميدية تجعل النص حافلا بالمتعة ومفيدا لكل متدبر في علاقة الغرب بالشرق، وفي حقيقة الشرق والغرب على السواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محسن الرملي، تمر الأصابع، الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت، منشورات الاختلاف/ الجزائر، ط.1، 2009.
*الدكتور محمد المسعودي: كاتب وناقد من المغرب. messoudimohamed@yahoo.fr
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة (الجماهيرية) الليبية بتاريخ 8-9/1/2010م.
*ونشرت في صحيفة (القدس العربي) العدد 6386 بتاريخ 17/12/2009م.

http://www.alquds.co.uk:9090/pdf/2009/12/12-16/qad.pdf
*كما نشرت في صحيفة (العلم) المغربية بتاريخ 1/1/2010م.
http://www.alalam.ma/def.asp?codelangue=23&id_info=22284&date_ar=2010-1-2%2023:20:00

السبت، 12 ديسمبر 2009

محسن الرملي في التلفزيون الاسباني

محسن الرملي في التلفزيون الأسباني



ريبورتاج قصير عن
الكاتب العراقي محسن الرملي
بعنوان (كلمات للعراق)
في التلفزيون الأسباني
في برنامج (بابل في التلفزيون)
تم بثه بتاريخ 7/12/2009
شاهد

الأربعاء، 2 ديسمبر 2009

قصة / هدية من: أحمد يوسف عقيلة

قصة قصيرة
شَيطان التفاصيل

أحمد يوسف عقيلة

( إلى محسن الرملي )

1

... هي ترعَى بقراتها في السفح الشرقي..

هو يرعَى ماعزه في السفح الغربي..

والوادي بينهما.

2

يجلس فوق صخرة.. مزماره يَصْدح..

تتكيء على جذع شجرة.. يُغربلها النَّغَم.

3

الماعز والأبقار يُغريْها عُشْب السيل..

تَهبط خلف بقراتِها..

ينحدر وراء ماعزه.

4

يخرج من الدغل إلى فُسحة الوادي..

تنبثق من بين الأغصان..

تتلاقَى أعينهما.

5

الثور يتشمَّم البقرة..

فَحل الماعز يُخرج لسانه.. يبول على أنفه.

6

يتطلَّع إلى جرح السيل الغائر..

تتطاول على مشطي قدميها.

7

القُمْري يُطارد الحمامة من غصن إلى غصن..

الكلبة تتمرَّغ أمام الكلاب.

8

يجلس على حافّة مَجرى السيل..

تجلس على الحافّة المقابلة.

9

العَنْز تستدير.. تَجذبُها رائحة الفحل..

بين الحافَّتين تتلامس أقدامهما عَرَضاً.

10

زوج من الغربان يتشاكسان على ارتفاع منخفض.. يتلامسان بالأجنحة.

11

ينتقل إلى حافّتها..

توسِّع له قليلاً..

يلمس يدها بأطراف أصابعه..

تلذعها الأصابع.

12

... تنحدر الشمس خلف الغابة.. تُلوِّن أطراف السُّحب الطافية فوق الوادي.. تتبدَّد العتمة في الحنايا.. وبعيداً في أسفل المنحدَر يعوي ذئب.

***

(2009)
ــــــــــــــــــــــــ

*أحمد يوسف عقيلة: كاتب من ليبيا. youssof58@yahoo.com

http://alkarrobah.blogspot.com/2009/03/blog-post_13.html

الاثنين، 16 نوفمبر 2009

(تمر الأصابع) ضمن لائحة الـ 16 للبوكر العربية 2010

قائمة الروايات الـ 16 المرشحة للبوكر العربية 2010


وكالات: أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية ("البوكر" العربية) لسنة 2010، اليوم الثلاثاء 17 تشرين الثاني، أسماء الكتب المرشّحة لنيل الجائزة، السنة المقبلة، وذلك إثر سلسلة جلسات مناقشة عقدها الأعضاء في القاهرة. وقد تمّ اختيار 16 كتاباً من أصل 115، وهي ترد في ما يأتي بحسب الترتيب الألفبائي لأسماء المؤلفين:


العنوان / اسم الكاتب / الناشر / جنسية الكاتب


الوارفة / أميمة الخميس / دار المدى / سعودية

عندما تشيخ الذئاب / جمال ناجي / منشورات وزارة الثقافة / أردني

مئة وثمانون غروبا / حسن داود / دار الساقي / لبناني

السيدة من تل أبيب / ربعي المدهون / المؤسسة العربية / فلسطيني

أميركا / ربيع جابر المركز الثقافي العربي / لبناني

حرّاس الهواء / روزا ياسين حسن / الكوكب / سورية

أصل وفصل / سحر خليفة / دار الآداب / فلسطينة

يوم رائع للموت / سمير قسيمي / منشورات الاختلاف / جزائري

شارع العطايف / عبدالله بن بخيت / دار الساقي / سعودي

ترمي بشرر / عبده خال / منشورات الجمل / سعودي

اسمه الغرام / علوية صبح / دار الآداب / لبنانية

ملوك الرمال / علي بدر / دار كليم للنشر / عراقي

تمر الأصابع / محسن الرملي / الدار العربية للعلوم / عراقي

يوم غائم في البر الغربي / محمد المنسي قنديل / دار الشروق / مصري

من يؤنس السيدة؟ / محمود الريماوي / فضاءات / أردني

وراء الفردوس / منصورة عز الدين / دار العين للنشر / مصرية

يذكر ايضاً أن رواية "واحة الغروب" للروائي المصري بهاء طاهر التي فازت عام 2008، قد صدرت أخيرا بالانكليزية في إنكلترا، عن "سكيبتر". كما يجري التفاوض لترجمتها ونشرها في فرنسا، ألمانيا، النروج، اليونان، رومانيا، البوسنة، وكندا.أما الكاتب المصري يوسف زيدان، رابح الجائزة عام 2009 عن "عزازيل"، فتُنشر روايته في إنكلترا عن "أتلانتيك" في ربيع 2010. كما تُنشر بالإيطالية، الألمانية، اليونانية، الرومانية، البوسنية، والكرواتية. هذا وحظيت كتب أخرى عديدة بعروض ترجمة إلى لغات أخرى.تقول جمانة حداد، المديرة الإدارية للجائزة: "من أبرز طموحات الجائزة العالمية للرواية العربية، إثارة الاهتمام العالمي بالأدب العربي. ومن الرائع حقاً رؤية التغيير الذي تحقّقه الجائزة في الحياة الأدبية، من خلال زيادة نسبة مبيعات الكتب وتشجيع الترجمات. إنها مبادرة تبرهن أيضاً أن الجائزة الأدبية الحقيقية هي تلك التي تتعدّى تأثيراتها مبلغاً من المال يتمّ إعطاؤه إلى كاتب". . * "الجائزة العالمية للرواية العربية" مموّلة من "مؤسسة الإمارات"، وهي إحدى المنظمات ذات المنفعة العامة الرائدة في الإمارات العربية المتحدة.* يتولّى مجلس أمناء مستقل إدارة الجائزة العامة، وقد اختير افراده من مختلف أنحاء العالم العربي ومن خارجه. أما الأعضاء فهم: من مصر، أستاذة الأدب الانكليزي والمقارن في جامعة القاهرة، ماري تيريز عبد المسيح. من انكلترا، الدكتور بيتر كلارك الحائز وسام الأمبراطورية البريطانية من درجة ضابط، وهو مستشار مستقل وكاتب في "الخدمات الاستشارية للثقافة في الشرق الأوسط". من لبنان، الناشر بشار شبارو، "الدار العربية للعلوم – ناشرون". من أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة، السفير عمر سيف غباش. فضلا عن ساشا هافليتشيك، المديرة التنفيذية لـ Trialogue Educational Trustوخالد الحروب وهو صحافي عربي في انكلترا، والمستشار الثقافي في "معهد العالم العربي" في فرنسا فاروق مردم بك. هناك أيضا الروائي هشام مطر (ليبيا/انكلترا)، ومن مصر الناشر والمسؤول السابق عن اتحاد الناشرين العرب ابراهيم المعلم. يضم المجلس أيضا، زكي نسيبة، مستشار وزارة الشؤون الرئاسية ونائب رئيس مجلس إدارة "هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث"، وناشرة "مجلة بانيبال" للأدب العربي المعاصر في انكلترا، مارغريت أوبانك. ضمن مجلس الأمناء كذلك، رئيس ومؤسس دار نشرForward و"يوم الشعر الوطني" في انكلترا، وليم سيغهارت، ناهيك بأستاذ اللغة العربية في جامعة كامبريدج في انكلترا ياسر سليمان، وأمينة سرّ "مؤسسة جائزة بوكر" في إنكلترا إفلين سميث، ورئيس "مؤسسة جائزة بوكر" في انكلترا جوناثان تايلور، حامل وسام الأمبراطورية البريطانية، من درجة قائد.

الأحد، 8 نوفمبر 2009

عن ترجمة الأدب العربي إلى الاسبانية


واقع الأدب العربي المترجَم إلى الإسبانية

د.محسن الرملي
ـ مدريد ـ


إن حال الأدب العربي المترجم إلى اللغة الإسبانية أضعف مما هو عليه في لغات أخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية، هذا على الرغم من أهمية هذه اللغة واتساع رقعة البلدان الناطقة بها مع التزايد المستمر في أعداد متكلميها ومتعلميها، إلا أن هذه الشحة في ترجمة الأدب العربي لا تختلف في أسبابها كثيراً عما سواها من حيث أن طبيعة السوق هي التي تفرض شروطها أكثر من غيرها. وإننا حين نتحدث عن هذا الضعف منطلقين من إسبانيا التي تعد عاصمة أو محور الانتاج الثقافي للناطقين بالإسبانية فلنا أن نتخيل ما هو حال ترجمة الأدب العربي في دول امريكا للاتينية والذي يشكل ندرة يمكن وصمها حتى بالانعدام.

أسباب ودوافع:
إن إلقاء نظرة عامة على بعض دوافع ترجمة عمل أدبي ما سوف يعيننا في استقراء وفهم أسباب هذا الضعف في ترجمة الأدب العربي، ومن هذه الدوافع للترجمة نشخص مثلاً: حصول العمل على جائزة عالمية ونجاحه في لغات أخرى./ إحداثه لضجة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية تتحول إلى ضجة صحفية سواء في العالم العربي أو خارجه بحيث يصل صداها إلى الصحافة الإسبانية./ العلاقات الشخصية للكتاب سواء أكانت مع المستعربين أو المترجمين أو أصحاب دور النشر./ الدوافع الأكاديمية كأن يكون الكتاب مقرراً من أقسام اللغة العربية في الجامعات أو يمس بشكل ما اختصاص بعض الأساتذة ويدخل ضمن مناهجهم./ المناخ السياسي العام وما قد يتوافق معه من أعمال أدبية أو له علاقة مباشرة وصريحة به./ الكتب مدعومة الترجمة من قبل مؤسسات أو جهات رسمية وثقافية./ أن يقوم الكاتب نفسه بتحمل التكاليف المادية للترجمة والطباعة والنشر./ الأنطلوجيات، وهي صيغة أكثر قابلية للرواج من حيث إمكانية بيعها سواء أكانت هذه الأنطلوجيات تتمحور حول أدب بلد معين أو حول ظاهرة أو موضوعة ما./ تحوّل العمل الأدبي إلى فلم سينمائي ينال شيئاً من النجاح والإعلان./ المؤتمرات والندوات والملتقيات والتزامها التقليدي بنشر نصوص أو مداخلات المشاركين فيها ضمن كتب محدودة العدد والتوزيع./ إعجاب المستعرب أو المترجم شخصياً بعمل معين وقيامه بترجمته ومن ثم سعيه بالبحث عن دار نشر يحاول إقناعها بأهمية نشره./ قيام الكاتب نفسه ـ ممن يعرفون اللغة ـ بالكتابة باللغة الإسبانية مباشرة أو بترجمة عمله بنفسه ومن ثم السعي لنشره.
إن الناشر الأسباني أقل مغامرة وبحثاً بنفسه عن الجديد في الآداب الأجنبية عموماً والعربية خصوصاً، لذا يعمد إلى اتباع تجارب الناشرين الآخرين بلغات وفي بلدان أخرى، مراقباً الصدى والمردود المادي الذي يحققها عمل هناك، وهنا تدخل عوامل مثل الحصول على جائزة عالمية أو ضجة أثارها كتاب معين في دفع الناشر إلى ترجمته وطرحه في السوق الأسبانية، وعلى هذا النحو فإن أسماء عربية قد أصبحت عالمية عبر لغات وجوائز أخرى ليست إسبانية ـ باستثناء الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي التي حازت على جائزة أمير استورياس الإسبانية سنة 2003 ـ ، يمكن العثور على كتبهم بيسر في المكتبات، ومن هذه الأسماء نذكر بالطبع: نجيب محفوظ، أمين معلوف، جبران خليل جبران، الطاهر بن جلون، إدوارد سعيد، ياسمينة خضرة ورفيق شامي. وبلا شك فإن هؤلاء يحظون بمساحة واسعة ومتنوعة من القراء، وتوافر كتبهم أصبح بديهياً كتوافر (ألف ليلة وليلة) وبطبعات مختلفة. أما سواهم فإنه لمن النادر، بل وحتى العسير أحياناً العثور على كتبهم التي قرأنا في الصحف العربية أنها قد ترجمت ونشرت بالإسبانية وذلك لانعدام شهرتهم ولصدور هذه الكتب عن دور نشر صغيرة أو متخصصة وعليه فإن قراءهم أيضاً هم من المتخصصين والمهتمين بالعالم العربي وثقافته ومن طلاب اللغة العربية وبعض المثقفين الباحثين عن معرفة الآداب الأخرى.

أسماء وعناوين:
ولو أننا قمنا بإلقاء نظرة شاملة على مجمل عناوين الكتب العربية التي صدرت بالإسبانية منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن فسوف نجدها بالمئات إلا أن هذا لا يعني بأنها قد صارت معروفة أو أنها قد تمكنت من تشكيل ظاهرة تفي بإعطاء صورة وافية عن الآداب العربية وسط هذا السوق الذي يطرح آلاف العناوين سنوياً فلا يكاد يدوم حضور عنوان فيه أكثر من فترة وجيزة يمكن حسابها بأشهر معدودة، إن لم يحقق نجاحاً، بل وأن بعضها حتى لا ينتبه أحد إلى صدوره أو غيابه. فيبقى الأمر محصور التداول بين المختصين والمهتمين وضمن اهتمام ومغامرة دور النشر الصغيرة المحدودة التوزيع، وترقد بعض نسخه في المكتبات الرسمية العامة.
ثمة العديد من الأعمال الكلاسيكية العربية التي تمت ترجمتها في قرون ماضية وفي منتصف القرن الماضي وحتى الآن، نذكر منها: ألف ليلة وليلة، طوق الحمامة، كليلة ودمنة، المعلقات، رحلة إبن بطوطة، مقامات الهمذاني وغيرها كبعض أعمال: ابن عربي، الجاحظ، أبو تمام، المعتمد بن عباد، التيفاشي، أبو نؤاس، المتنبي، إبن طفيل.. وغيرهم. إضافة إلى أنطلوجيات للحكايات الشعبية لأكثر من بلد عربي. أما فيما يتعلق بالأدب الحديث، ولإعطاء تصور عام عن هذا الذي تمت ترجمته فسوف نشير إلى بعض الأسماء من كل بلد على سبيل المثال وليس الحصر ممن ترجم لهم عمل أو أكثر سواء أكان رواية، شعر، قصص قصيرة، مسرحية أو سيرة. وهنا يمكننا القول بأن الحصة الأكبر من العناوين تحظى بها الآداب المصرية ومن أسباب ذلك كون أغلب المستعربين قد درسوا العربية هناك إضافة إلى كون مصر أكثر ثقلاً في الثقافة العربية المعاصرة ذاتها ومن ثم أنها أكثر حضوراً في المحافل الثقافية وأوسع في علاقاتها ومعرفة الناس بها كما هو الحال في الحركة السياحية الكبيرة إليها قبل غيرها من البلدان العربية الأخرى، وهذا ما يدفع السائح أيضاً لمحاولة التعرف عليها من خلال الأدب قبل سفره. ومن بين الأسماء الكثيرة التي ترجمت بعض أعمالها إلى الإسبانية نذكر: نجيب محفوظ، طه حسين، توفيق الحكيم، صلاح عبدالصبور، ميرال طحاوي، جمال الغيطاني، يوسف إدريس، نوال السعداوي، إبراهيم أصلان، رضوى عاشور، رؤف مسعد، نجيب سرور، أحمد الشهاوي، ياسر عبداللطيف، علاء الأسواني، يحيى حقي، حمدي أبو جليل، محمد ناجي، أهداف سويف.. وغيرهم.
تليها حصة الترجمة إلى الأسبانية للآداب المغاربية ومنها المغربية على وجه التحديد وذلك بحكم العلاقات الجغرافية والثقافية والسياسية القريبة وحتى المتداخلة أحياناً عبر اللغات والتعايش كما هو حاصل في مسألة الهجرة الكبيرة مثلاً. ومن بين هذه الأسماء: محمد شكري، الطاهر بن جلون، عبدالقادر شاوي، محمد زفزاف، عبدالكريم غلاب، عبدالفتاح كليطو، دريس شرابي، رشيد أوه، محمد بنيس، محمد برادة، مزوار الإدريسي، عائشة بصري، عبدالمجيد بن جلون، عبداللطيف اللعبي، العربي الحارثي، رشيد نيني، سالم بن حميش. ومن الجزائر: آسيا جبار، أمين زاوي، ياسمينة خضرة، واسيني الأعرج، عائشة لمسين، فضيلة الفاروق، أحلام مستغانمي، الطاهر وطار، مليكة مقدم. ومن تونس: أبو القاسم الشابي، محمود المسعدي، محمد اليوسفي، حسونة المصباحي، ومن ليبيا إبراهيم الكوني. أما من السودان: الطيب صالح، محمد الفيتوري، ليلى أبو العلا، عنتر حسن أحمد. ومن اليمن: أحمد العواضي. فيما تتباين حصة بلدان الشرق العربي فيما بينها فنجد حضوراً أكبر للأدب الفلسطيني: محمود درويش، غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، أميل حبيبي، مريد البرغوثي، زياد قاسم، نبيل خوري، سميح القاسم. واللبناني: حنان الشيخ، أمين معلوف، غادة السمان، هدى بركات، أنسي الحاج، خليل حاوي، جمانة حداد، حسن داوود. ومن سوريا: أدونيس، نزار قباني، حنا مينا، محمد الماغوط، سليم بركات، سعدالله ونوس، زكريا تامر، مرام المصري، عاصم الباشا، ومن العراق: البياتي، السياب، نازك الملائكة، عبدالرحمن الربيعي، عالية ممدوح، جبار ياسين، عبدالستار البيضاني، محمد خضير، فؤاد التكرلي، سعدي يوسف، كمال سبتي، عبدالقادر الجنابي، علي الشلاه، عدنان الصائغ، باسم فرات، نجم محسن، فاتح عبدالسلام، عبدالخالق الركابي، صلاح نيازي، فائق حسين، صلاح حسن، عبدالهادي سعدون، محسن الرملي. الأردن: عيسى الناعوري. فيما تقل عنها بكثير الأعمال المترجمة لكتاب خليجيين، فمن الكويت: سعاد الصباح. البحرين: قاسم حداد وليلى السيد. ومن السعودية: أكثر من عمل لعبدالرحمن منيف، رواية (خاتم) لرجاء عالم، رواية (بنات الرياض) لرجاء الصائغ، رواية (المنبوذ) لعبدالله زايد، ديوان (سهرت إلى قدري) منتخبات من قصائد هدى الدغفق، وعشرة قصص قصيرة ضمن أنطولوجيا لمنتخبات من القصة الخليجية أعدها الدكتور عبدالله اجبيلو وضمت أيضاً 4 قصص من البحرين، 3 من الإمارات، 4 من الكويت، 3 من سلطنة عمان، 3 من قطر و4 من اليمن..
وبالطبع فإن لكل من هذه الأعمال التي ترجمت إلى الإسبانية ظروفه الخاصة به ابتداءاً من أسباب الترجمة وانتهاءً بما آل إليه من حيث التلقي، إلا أنها مجتمعة لا زالت تعد قليلة جداً بحيث يبدو الأدب العربي غائباً عن التواجد في المكتبات الناطقة بالإسبانية وتجهله تماماً المساحة الأوسع من القراء. فيما نجد أعمالاً لكتاب ليسوا عرباً وتتناول موضوعات ومناخات عربية هي أكثر انتشاراً ورواجاً على الرغم من أن أغلبها يقوم بالتناول المنسجم مع الذهنية السائدة عن صورة العربي وثقافته سواء أكان منها ما يتعلق بمواضيع المرأة الشرقية والجنس وقضايا تخص الدين والسياسة والتجسس والحروب والإرهاب أو حتى مواضيع تاريخية. كما أن ثمة اعمال يقوم بكتابتها مؤلفون من أصول عربية بلغات أخرى وتنسجم مع هذه الذهنية المسبقة أو متطلبات السوق التجارية ومن ذلك نذكر مثالاً تجربة الشاب المغربي رشيد أوه الذي يكتب بالفرنسية عن المثلية الجنسية وترجمت العديد من أعماله إلى الإسبانية. فيما توجد جهود ومحاولات أخرى لا تزال محدودة من قبل كتاب عرب لكسر هذا الحاجز عبر الكتابة مباشرة بالإسبانية أو القيام بترجمة أعمالهم بأنفسهم إليها ومن هؤلاء نذكر المغاربة مزوار الإدريسي والعربي الحارثي ونجاة الهاشمي التي حازت على جائزة رامون لول 2008 التي تعد أعلى جائزة تمنح للأدب المكتوب باللغة الكاتالانية وهي إحدى اللغات الرسمية الإسبانية، والسوريين عاصم الباشا وملك مصطفى والسوداني عنتر حسن أحمد والفلسطينيين محمود صبح وسعيد العلمي والمصريين طلعت شاهين وأحمد يماني والعراقيين عبدالهادي سعدون وخالد كاكي ومحسن الرملي وفائق حسين الذي حاز ديوانه بالإسبانية على إحدى الجوائز المحلية. هذا ويبقى مما هو جدير بالإشارة إلى أن أبرز الأسماء العربية المعروفة عموماً عند المتلقي الإسباني هي، في الشعر محمود درويش وأدونيس وفي الرواية أمين معلوف ونجيب محفوظ والطاهر بن جلون.

مؤسسات وحلول:
لاتكمن المشكلة في الأدب العربي نفسه أو بعدم توفره على أعمال كثيرة ذات قيمة وأهمية عاليتين، كما أن الأمر لا يتعلق بقلة المستعربين والمترجمين الجيدين ولا بقلة الرغبة والحاجة للاطلاع على الأدب والثقافة العربية، فما أراه هو أن ثمة قصور في الجهد العام المبذول وبالتواني عن أخذ هذه المسألة على محمل الجدية بشكل أكبر يليق بأهميتها وبمدى بعدها الاسترتيجي. علينا إذاً أن نزيد من اشتغالنا الفردي والعام على جبهتين هما الداخل والخارج، ففيما يتعلق بالداخل علينا زيادة الاهتمام والاحترام والرعاية لنتاجنا الثقافي العربي أولاً منطلقين من قناعة أن "المحلية هي الطريق إلى العالمية"، وبالطبع تقع مسؤولية ذلك على المبدعين أنفسهم والنقاد والصحافة والمؤسسات الثقافية العربية في كل قطر عربي على حدا ومن ثم كلهم مجتمعين ليتم إبراز الأدب العربي عبر النشر والتدريس والإعلام والجوائز والندوات والمؤتمرات النوعية وفسح حرية وصدق أكبر في تناول أنفسنا وقضاينا والتعريف بها لأنفسنا وبأنفسنا أولاً كي نتمكن بعدها من تعريف أنفسنا للآخرين.
أما جبهة الخارج فهي الأخرى تستوجب الدرس والتخطيط والتنسيق من قبل العرب أنفسهم لتكوين مؤسساتهم الثقافية الفاعلة والناشطة في الخارج كما هو الحال مع تجربة الأسبان في معاهد ثربانتس في كل عاصمة والألمان في معاهد غوته.. وغيرهم، وكذلك دعم مشاريع وأعمال ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى كما تفعل إسبانيا وفرنسا والنرويج وغيرها، حيث تخصص العديد من الدول مبالغ من ميزانياتها لهذا الشأن، وكذلك دعم المشاريع والجهود الفردية للمثقفين العرب في الخاج وهم كثر ومنتشرون في مختلف بقاع الأرض وهذا أمر لانجد ما يماثله الآن بالنسبة للثقافة الغربية فنادراً ما نجد هذا العدد من مبدعيهم ممن يقيم بيننا. وبدل أن نكثر من عقد المؤتمرا والندوات التي تناقش شؤون تتعلق بتقنيات وتنظيرات الترجمة علينا أن نخصص أموال ذلك للقيام بأعمال الترجمة ذاتها فالمترجمون المتمكنون سواء أكانو عرباً أو أجانب والمحبون للثقافة العربية كثر ولا ينقصهم سوى الدعم لنشر ما يترجمونه. علينا أن لانهمل الجانب والدعم والتنسيق والتعاون الثقافي الجاد من قبل دولنا مع دول العالم الأخرى وأن نضعه من بين الأولويات.
وفي هذا الإطار نشير إلى بعض التجارب المؤسساتية العربية في إسبانيا وأولها (المعهد المصري للدراسات لإسلامية) الذي تأسس بفضل الدكتور طه حسين عندما تولى وزارة المعارف في الخمسينات وما زال قائماً يضم مكتبة وصالة معارض، وينظم دورات لتعليم العربية ومواسم ثقافية كما انه يصدر مجلة رصينة باسم (مجلة المعهد المصري للدراسات الاسلامية) بعدد أو اثنين في العام وكان يقوم بالعمل في الترجمة والطباعة أيضاً وإن بكميات وتوزيع محدودين إلا أن كل ذلك قد بدأ يتراجع في الأعوام الأخيرة. بعدها جاءت التجربة الناشطة للمركز الثقافي العراقي في الثمانينات فأصدر مجلة (دجلة) والعديد من الكتب وإن كان أغلب اشتغاله تعبوياً إيديولوجياً حكومياً للنظام العراقي حينها، ثم انتهى وجوده مع انتهاء عقد الثمانينات. وافتتح قبل أعوام قليلة المركز الثقافي السوري وهو على الرغم من تواضع إمكانياته إلا أنه يقوم بعقد الكثير من الإمسيات الثقافية والمعارض الفنية وليس من انشطته الترجمة أو الطباعة والتوزيع، أما (المركز الثقافي الاسلامي) السعودي فيتميز بمبنى كبير ومتميز ومعروف في العاصمة مدريد ويحتوي على مكتبة ومدرسة ومسجد ولكنه يقيم نشاطات ثقافية قليلة جداً وليس له أي نشاط متعلق بترجمة الأدب العربي أو أية علاقة به. كما تمت محاولات أخرى سابقة بمبادرات مشتركة من الأسبان والعرب كجمعية الصداقة العربية الإسبانية التي من بين من ترأسوها الكاتب المعروف أنطونيو غالا، ومشروع آخر للعناية بترجمة الأدب العرب ترعاه مدرسة المترجمين في طليطلة باسم (ذاكرة المتوسط) وكان يدعمه الاتحاد الأوربي فتتم ترجمة العمل الواحد إلى 6 لغات أوربية واستمر لما يقارب العشر سنوات لينتهي في أواسط عقد التسعينات، ومشاريع دور نشر أسسها مستعربون وعرب وغير ذلك من المشاريع التي انتهت للأسف بسبب انعدام الدعم العربي لها وسوء التنسيق معها. والآن يبرز مجدداً المشروع الإسباني الرسمي الذي يحمل اسم (البيت العربي) بمبناه وسط العاصمة مدريد وله فرع آخر في قرطبة ويقوم بنشاط كبير ومهم وواسع فيما يتعلق بالتعريف وتقديم الثقافة العربية بشكل عام وإن كان لا يقوم بترجمة وطباعة وتوزيع الكتب الأدبية إلا أنه يساهم في الترويج لها والتعريف بكتابها.. ونأمل من الجهات العربية لو تنسق وتتعاون معه بشكل جاد كي لا يؤول إلى ما انتهت إليه سابقاته من المشاريع الثقافية.
علينا إذاً أن نعمل على العناية بآدابنا في الداخل المحلي ومن ثم السعي لإيصاله إلى الخارج.. أن نذهب إليهم بأنفسنا وكما يقول المثل الإسباني الذي يعتقد بأنه من أصل اندلسي:"إذا لم يأت الجبل إلى محمد فليذهب محمد إلى الجبل".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (قوافل) العدد 26 أبريل/نيسان 2009م السعودية.

الخميس، 22 أكتوبر 2009

قصة / محسن الرملي

قص


التلفزيون الأعور

محسن الرملي


ما أن بدأت السنة الثالثة عشرة من عمري حتى بدأت الحرب العراقية ـ الإيرانية، وقبل أن تكمل عامها الأول قُتل أخي الكبير وأُسر أحد أبناء عمومتي، فصرت أسمع أبي يشتم (السيد الرئيس) كلما وجد نفسه منفرداً مع أمي في البستان أو في المطبخ وغرفة النوم أو وهي تحلب أبقارنا في الزريبة، فأصاب بحيرة لا أعرف لها حلاً بين هذه الشتم البذيء وتلك الصور والأناشيد الجميلة التي يعلموننا إياها في المدرسة مدحاً بالقائد، المعلم الكبير، البطل، الشجاع، العبقري، القوي، الضَرورة والمُلهَم.. إلخ من قائمة أسماء وصفات طويلة بكلمات كبيرة لم نكن نفهم معانيها كلها آنذاك، ومع ذلك صرنا نحلم أن نراه ولو في المنام ـ وكان بيننا من يدعي أن ذلك تحقق له ـ أو أن نكون أمثاله حين نكبر. كما سمعت أبي يشتمه بعد منتصف الليل حين كنت أستيقظ لأشرب ماء أو لأبول وأمُر من قربه جالساً في الصالون مع أمي وعمتي والدة الأسير التي كانت تجيء إليه بعد أن ينام الناس في القرية كي تستمع معه سراً إلى إذاعة طهران العدوّة التي كانت تبث برنامجاً يومياً لرسائل الأسرى إلى ذويهم، وما أن ينتهي دون ذكر ابنها حتى تنفجر بالبكاء وتشاركها أمي. عندها يبصق أبي على الأرض خلفه بحنق ومرارة، وأحياناً يسحب نعله ويروح يضرب بصقته بحقد كأنها عقرب، ويطلق شتائم قذرة وهو الذي كان يعاقبنا على مجرد نطق أحدنا بكلمة نابية.. وهذه حيرة أخرى من كثيرات أوقعتني بها شخصية أبي. لكنني لا أنكر مدى فخري به كونه الوحيد الذي كان يملك صندوقاً صغيراً يتكلم ويغني اسمه (راديو).. وإن كان لا يدعه يغني أبداً، فبمجرد سماعه لموسيقى سرعان ما يبحث عن أخبار أو قراءة قرآن، فهو يجيد تقليب خيطه الأحمر ويعرف محطاته ومواعيد برامجها، لذا كان محور المجالس والنجم اللامع في مقهى القرية صباحاً حيث يلتف الرجال حوله يسألونه عن أخبار الدنيا البعيدة، وعن رأيه، فيجيد صياغتها بأسلوبه الخاص وهم منبهرون بسعة معرفته وفصاحته ويقدمون له أقداح الشاي وفناجين القهوة على حسابهم. وهذا أمر أثار حسد جليل الحداد فصنع صندوقاً حديدياً شبيهاً لكنه لم يتمكن من إنطاقه. اشترى أبي هذا الراديو إثر ذهابه إلى نينوى لبيع محصول الطماطم الوفير في أحد المواسم. وظل يمنع الجميع من لمسه. يخبئه في صندوقه الخاص ذو القفل الكبير، ولا أذكر أني قد لمسته إلا مرة واحدة حين قال لي وهو يخرج مسرعاً من البيت: احمله إلى أمك وقل لها أن تقفل عليه جيداً. ذلك حدث لا ينسى في حياتي. تفحصته بين يدي برهبة وألصقت عيني على ثقوبه كي أرى ما بداخله.. فتخيلت أكثر مما رأيت.
كانت قريتنا صغيرة لا يتجاوز عدد بيوتها الخمسين، بينها مسجد ومدرسة، وكلها مبنية من الطين والصخر، حيث تقع في فسحة سهل ضيق محصور بين جبل (مكحول) ونهر (دجلة)، لذا كان السفر منها وإليها نادراً. كلنا أقارب، نتزاوج فيما بيننا، نتعاون في البناء والحصاد والمآتم والأعراس، ونتخاصم حد القتل أحياناً لأسباب قد تتعلق بدجاجة أو ببيضة دجاجة، لكننا سرعان ما نتصالح. الوحيدة من أهل القرية التي تسكن بعيدة عنها في إحدى المدن منذ أعوام هي السيدة ليلى التي عشقت بائع عطور متجول مر مع بغله بقريتنا، ورفض أهلها تزويجها له لأنه غريب، فهربت معه وتزوجا، وحُكم ذلك في تقاليدنا هو أن يتم قتلها من قِبل من يراها من أقاربها على مدى سنتين، أما إذا مر هذا الوقت دون أن يحظى بها أحد، فعند ذلك يمكنها العودة ويتم الاعتراف بزواجها. وهذا ما حدث، حيث صارت تزور القرية في الأعياد مع زوجها العطار وهما يرتديان ثياباً جميلة التصميم والألوان وتفوح منهما روائح تسحر الجميع. وكانت زياراتها هي أفضل ما تجلبه الأعياد أو ما ننتظره فيها، فعدا ذلك كنا نكتفي بأكل الحلوى واحتساء الشاي وزيارة المقبرة وتكرار تبادل عبارات التهنئة المُكَرَّرَة. جميع العائلات كانت تتسابق لدعوتها إلى العشاء، فعدا عطرها ورنين ذهب أسوارها وقلائدها فهي تشد أسماع الناس بحكاياتها عن المدينة وقصص أخرى غير تلك الحكايات التي اعتدنا على سماعها قبل النوم من جداتنا عن السلاطين والأميرات والجن والملائكة والسحرة والحيوانات الناطقة والأفاعي الطائرة، فحكاياتها تتحدث عن أناس، بشر مثلنا وليس فيها خوارق ومعجزات ولكنها تشدنا بطبيعة تشابك علاقاتهم وسلوكياتهم، فتسهر القرية ملتفة حولها في صالون أو باحة بيت مُضَيِّفها الذي يدور باسماً على الجميع بالشاي والكيك المنزلي المعجون بالتمر والسمسم. كانت ليلى بالنسبة لنا هي العيد نفسه. وتطلب منها النساء النصح في كسب قلوب الرجال، والرجال في كسب قلوب النساء، ويتقرب منها الأطفال لأنها دائمة التقبيل والمسح على رأس القريبين منها في الجلوس. فيما بعد عرفنا سر هذا الحنان وهذه الحكايات. إنها عاقر لا تنجب فتمضي جل وقتها أمام التلفزيون فيما زوجها غائباً يجول مع بغله بين القرى، عرفنا ذلك في العام الثاني من الحرب حين أهدى (السيد الرئيس) تلفزيوناً لكل عائلة لا تملكه وذلك بعد زيارة له إلى قرية كردية، وهرب الناس منه حين حطت طائراته الهيلوكبتر في ساحة القرية، وعندما جلب له حمايته بعض الهاربين سألهم بتعجب: أنا السيد الرئيس القائد.. ألا تعرفوني؟!. فزاغت عيونهم خائفين وهازين رؤوسهم بالنفي. عندها أصدر قراره هذا كي يراه ويعرفه كل أبناء الوطن، وجاءت التلفزيونات مكتوباً على إطارها بالألمنيوم الفضي عبارة تشير إلى أن هذه هدية من السيد الرئيس القائد، واسمه وصورة صغيرة له وعلم العراق وشعار الجمهورية، ونُسخ من كراسات خطاباته بدل الكتلوغات التي تتعلق بالجهاز نفسه. ومن أجل التلفزيونات أمر بإيصال الكهرباء إلى كل القرى، بل وحتى إلى خيم البدو في الصحراء التي كنا نراها بعيدة في الأفق وراء الضفة الأخرى من النهر. ولأنهم رُحَّل فقد أهداهم مولدات كهرباء يحملونها معهم على ظهور جمالِهم هي والتلفزيونات أينما رحلوا. عندها تغير كل شيء.. كل شيء، وارتاحت شعور رؤوسنا من حرق الفوانيس لها حين نحضر واجباتنا المدرسية حولها مصارعين الحشرات والفراشات الحائمة حول نورها، وتخلصت أنوفنا من دخان فتائلها الخانق. ضوء الكهرباء أطفأ ضوء ليلى وإلى الأبد حيث اكتشفنا أن الحكايات التي كانت تُسمرنا بها لم تكن سوى الأفلام التي تراها في التلفزيون، فلم يعد لزياراتها طعم العيد، وخاصة أن الحكومة تبث لنا أجمل الأفلام والأغاني والرقصات في الأعياد، فيما تكثر في الأيام الأخرى من بث زيارات وخطابات السيد الرئيس وصور من المعركة وأفلام الحروب، جثث الأعداء ووجوه أسراهم الخائفة وأعلام الوطن ترفرف على قمم تلال في أراض مهجورة وموحشة. وراحت الحكايات القديمة تنطوي آيلة إلى النسيان ومن ثم إلى المقبرة مع العجائز. مات أبي بعد شهر من دخول التلفزيونات إلى قريتنا، وأمي تقول:" لقد قتلته الحسرة". ولا ندري ما الذي تقصده بنوع هذه الحسرة تحديداً!. أهي الحسرة على مقتل أخي وأَسر ابن عمتي؟ أم لكونه صار يشاهد صور السيد الرئيس بعد أن كان لمجرد ذكر اسمه أو سماع صوته في المذياع يشتعل بالحنق والغضب والبصاق؟.. أم لأنه هو الآخر قد فقد بريقه وأهميته بعد أن صار كل الناس يستمعون إلى الأخبار بل ويشاهدونها مصورة في بيوتهم ولم يعد يسأله أحد عنها في مقهى الصباح؟. في كل الأحوال، أمي لم تكف أبداً عن اصطحاب الراديو معها في كل زيارة إلى قبر أبي. أذكر أيضاً أن جارنا أبو حسون وبعد أن شاهد برنامجاً عن (عالم البحار) ومخلوقاتها الكثيرة العجيبة ومن ثم في الأخبار مظاهرات ضد الحرب لملايين الناس في شوارع عواصم العالم، جحظت عيناه وفغر فمه وقال: أي مزاج لك يا الله.. فما أكثر الكائنات والبشر الذين خلقتهم!! فأنا لا أحتمل أولادي بل ولا حتى نفسي أحياناً.. فكيف تحتمل كل هؤلاء؟!. ثم استغفر عما قال واعترف لله بأنه فعلاً كبير وعظيم ويستحق أن يكون الرب مادام يحتمل كل هؤلاء الأوادم وهذه المخلوقات الصاخبة. وسارع إلى تغيير الموضوع بالسؤال: مادام كل هؤلاء الناس ضد الحرب، فلماذا يتحاربون إذاً؟!، وحين انتبه إلى أهمية سؤاله حمل عكازه وعباءته وذهب إلى إمام المسجد، فأجابه الإمام: إن الحروب ليست بين الناس يا أبا حسون، إنما هي بين رؤوسهم. وحين وجد أن أبي حسون لم يفهم قصده، راح الإمام يشرح له منذ ما بعد صلاة العصر وحتى صلاة المغرب قائلاً بأن الأمراض في الرؤوس وليست في الأبدان وأن الرؤساء رؤوس أيضاً وهم الذين يشعلون الحروب وما هؤلاء الناس إلا مجرد حطب لها.
إن الذي لمع نجمه حقاً مع وصول التلفزيون هو إمام المسجد، الذي صار يناصب الجهاز العداء ويكرس كل خطب الجمعة ضده، بحيث أربكنا جميعاً في طروحاته حتى اليوم. فمرة يقول بأن هذا الصندوق هو النافذة التي تدخل منه سموم جهنم، ومرة يقول إنه الشيطان بعينه، وبأنه خراب للعقول وللعوائل وللبلاد، وأخرى يقنعنا بأنه (المسيح الدجال) والدليل أنه، كما تصفه الكتب القديمة، أعور وبعين واحدة، يغوي الناس بيسر نحو الفساد، وخاصة النساء، ومن هنا صار يسميه (المفسديون) فحتى اللغة العربية الأصيلة لغة القرآن الكريم تنزهت أن توجد له اسماً فظل يحمل اسمه الأجنبي (تلفزيون). البعض يدعي أنه (الرائي).. أي رائي هذا يا ناس! إنه المُعمِي الذي يعميكم عن رؤية بعضكم وأنفسكم والحقيقة والسراط المستقيم. كيف ترضون لأنفسكم أن يقودكم أعور وأنتم تبصرون؟!. عندها صار الجميع يطلق اسماً خاصاً على تلفزيونه الخاص أي مثلما يُوجِد اسماً لأحد أبنائه أو لكلبه أو بقرته، وذلك من أجل تجنب تسميته باسمه الأجنبي الغريب على لغتنا. وبالمقابل صار التلفزيون أيضاً يسمي أطفال القرية الجدد بأسماء لم تكن شائعة من قبل، ومن ذلك أن جليل الحداد المعروف بقوة عضلاته وعنفه مع الناس كعنفه مع الحديد ولعناده نصفه بصاحب المخ الحديدي، حين أنجبت له امرأته توأماً ذكرين أسماهما: رامبو وطرزان لشدة إعجابه بقوة هؤلاء. ولكنه حين أخذهما إلى المدينة لتسجيلهما في دائرة الأحوال المدنية، اعترض الموظف قائلاً له بأن القانون يمنع الأسماء الأجنبية وخاصة أن هذه أسماء لشخصيات من العدو الأمريكي. فغضب جليل وأصر على الاسمين وأصر الموظف على الرفض، عندها قام الحداد بتمديد طفليه على الطاولة أمام الموظف وأخرج من جيبه سكيناً وضعه على رقبة طفل قائلاً: إما أن تسجلهما بالأسماء التي أريدها أو أذبحهما هنا وأترك جثتيهما لك، فأنا أبوهما وأنا حر بتسميتهما وبأن أفعل بهما ما أشاء. فرضخ الموظف لطلبه. وهكذا صار عندنا في القرية رامبو وطرزان اللذين كانا في صباهما من أشد الأولاد مشاكسة وأبرعهم في سرقة البيض والدجاج وتين البساتين. وجليل هو نفسه الذي قال لطرزان، بعد أن قلب ذات مساء كل قنوات التلفزيون فكانت كلها تبث أفلاماً وثائقية عن الحيوانات في غابات أفريقيا: اذهب يا بني وانظر فيما لو كان الهوائي قد سقط في زريبة الدواب!.
في اليوم الأول درنا نحن الصغار حول هذه الصناديق وتحتها باحثين عن أرجل المذيعين وبقية أجسادهم، فيما كان الأهل يهددون الأصغر منا ويخيفونهم بالفرق السمفونية بكونها عصابة متجهمة الوجوه تحد سيوفها وتحمل عصيها، تصدر ضجيجاً غريباً ينخفض ويتصاعد فجأة، وإذا ما رافقها مغني أوبرا فالأمر أشد إخافَة بهذا الصراخ القوي، فيرتعبون ويطيعون؛ يبولون وينامون.
عمتي صارت تحدق بكل الوجوه التي تظهر على الشاشة ويخفق قلبها كلما رأت أحدها يشبه وجه ابنها الأسير. وكانت تعامل التلفزيون ببراءة معتبرة إياه كائناً حياً فتقدم له الطعام وتتحدث إليه، فما دام يتكلم ويتحرك فهو حتماً يسمع أيضاً. وكانت تدثره في البرد وتغسله بالماء ومسحوق الغسيل حتى تعطل.
أما زوجة الإمام المتدينة الخجولة المحتشمة فكانت إذا دخلت الصالون الذي فيه التلفزيون تغطي وجهها بالبرقع قائلة: من العيب أن أجلس مع رجال أغراب، وكل عائلة التلفزيون موجودين. تقصد المذيعين والممثلين، وكانت حتى لا تميز بين أناس التلفزيون أو الضيوف لأنها تتجنب النظر إليهم وتكتفي بالاستماع، لذا فهي ترد أحياناً على التلفزيون ظناً منها أن أحد الجالسين هو الذي خاطبها.
أما الشابات فقد كففن عن سؤال ليلى عن كيفية كسب قلوب الرجال وصرن يقلدن نساء التلفزيون في لبسهن وكلامهن ومشيتهن، وكانت الحوامل منهن يضعن كأساً من الماء فوق التلفزيون عندما يخرج مذيع أو ممثلة جميلة ثم يشربن الماء على أمل أن يكون المولود بجمال هذا الذي ظهر. بعضهن كن يقدمن باقات الزهور أمام الشاشة كلما غنى مطربهن المفضل، وأغلبهن قد خيطن من بقايا أوصال ثيابهن القديمة غطاءاً جميلاً مطرزاً ليدثرن به التلفزيون بعد إطفائه. ويعتنين به أكثر من عنايتهن بشؤون بيوتهن وأزواجهن، والفتيات يتغنجن ويتحدثن عن الحب وليس عن الزواج وصار الناس يجدون بعض الشباب في الزوايا ليلاً أو في البساتين وهم يقبلون بعضهم في الفم وهذا أمر لم يكن الناس يعرفونه من قبل أبداً، أو على الأقل في الظاهر. وهكذا تصاعدت حملة إمام المسجد ضد عدوه (المفسديون) رمز الخراب والفساد، هذا (المسيح الدجال)، الذي يغوي أولادنا ويحرفهم عن الأخلاق الحميدة، لذا أخذ يحث الآباء على التعجيل بتزويج أبنائهم وبناتهم، وازداد عدد الرجال المؤيدين له في حملته، فذهبوا إليه طائعين وقالوا: إننا نستغفر الله ونتوب إليه يا شيخ، فماذا نفعل؟.

طال التداول في الأمر وتعددت الاقتراحات على مدى أشهر حيث كان الجميع يعصر تفكيره لإيجاد سبل للتخلص من هذه المصيبة. البعض قال: نلقي بها إلى النهر. فأجابه البعض بأن ذلك سيفسد الماء الذي نشرب منه نحن وحيواناتنا، ويفسد أسماكه وضفادعه وحتى ثمار بساتين الشاطئ. قال آخر: نحرقها. فأجاب الإمام بأن العقوبة بالحرق هي من شأن واختصاص الله وحده وليس من حق أي كائن أو مخلوق أن يعاقب بالنار مخلوقاً أو كائناً آخر فالله وحده الذي يعاقب بالنار والجحيم، وفي هذا الصندوق كائنات تنطق وتتحرك وإن كنا لا نعرف ماهيتها ومن أية مادة مخلوقة، أي أنها أمم أخرى مثل الملائكة والجان والشياطين. قيل فلنكسرها إذاً بالعصي ونرجمها بالحجارة، لكن البعض حذر من ذلك لأن الحكومة لو علمت بالأمر فسوف تأخذنا جميعاً إلى السجن أو تعدمنا أو تقصفنا بالطائرات لأن هذه التلفزيونات مكتوب عليها اسم السيد الرئيس وفيها صورته. آخرون قالوا فلنبعها إذاً أو نهبها لأهل المدن. لكن الاعتراض كان هو أننا وفي عرفنا وأخلاقنا أن "الهدية لا تُهدى ولا تُباع"..

استمرت الحيرة والجدل إلى أن تم التوصل إلى الاتفاق بتفويض الأمر إلى الإمام كي يناجي ربه ويصلي صلاة استخارة عل الله يهديه إلى الحل الصحيح.
وتأخر الإمام أيضاً في إبلاغنا بالحل وهو يجيب سائليه على أنه مازال يدعو الله، يُكثِر من الاعتكاف والصلاة وقراءة كتب الدين ويطيل النوم أيضاً فالحلول التي يلهمها الله لمستخيريه إما أن تأتي في المنام أو تحل فجأة في العقل والرأي بوضوح تام.
ثم جاء يوم الفتوى حيث جمع الإمام الناس في المسجد وقال لهم: لقد جاءني الإلهام ليلة أمس والحمد لله، فكما سبق وأن أخبرتكم إن هذا هو (المسيح الدجال) الذي سيجعل الفساد يعم في الأرض كلها، ومن بعد عهده سيبعث الله (المُخَلِّص) الذي سيحاربه وينتصر عليه ويجعل الخير يعم في الدنيا كلها وإلى يوم قيام الساعة. إنها إرادة الله إذاً ومن علاماته، لذا فليس لنا إرادة أو خيار أمام الإرادة الإلهية وخيارها إلا أن نستسلم لها، لذا ابقوا على (مفسديوناتكم) كي يعجل الله بقرب مجيء المخلص وتتحقق إرادة الرب. المؤمن مُبتَلى وهذا امتحان للمؤمنين، ولو شاء الله لما مَكَّن عقل الإنسان من اختراع هذا الشيء. له في ذلك حكمة. ثم ختم خطبته بإحدى عبارات السجع التي عودنا عليها:" لكَ بها إرادة يا خالق الجرادة".
وهكذا دخل صخب الدنيا إلى عزلة بيوتنا وصار التلفزيون رفيقنا الدائم إلى اليوم، نحدق فيه ليل نهار، بل أن البعض قد وضع أكثر من جهاز؛ في كل غرفة وفي المطبخ والحمام كي لا ينقطع البث أو لا تفوته لقطة، وكي يُعَجِل بظهور (المُخَلِّص). وبفعل كثرة المشاهدة والاستماع وقلة الحديث تغيرت علاقاتنا ببعضنا وبأنفسنا وبحيواناتنا وأشجارنا ونهرنا، وصارت عيون الناس جاحظة بنظرات بلهاء وخارجة من محاجرها مثل مصابيح التراكتورات، وآذانهم تطول كآذان الحمير وألسنتهم تقصر كألسنة العصافير ومؤخراتهم تتربع لكثرة الجلوس. وإن كانت زوجة الإمام الأولى، والتي كانت تخجل من التلفزيون في البداية، قد سربت ـ فيما بعد ـ سراً بين النساء تسرب بدوره إلى الرجال في أسرة النوم، وبالطبع أداروا رؤوسهم وناموا قائلين إنها تفتري على الإمام، هذه مجرد غيرة نساء. وهي تقسم على صدق قولها وإن كانت لا تنكر دافعها للانتقام من زوجها الذي تزوج عليها بثانية منذ دخول التلفزيون فسامحته، وتزوج بثالثة فسامحته لأنهما أقل منها عقلاً وجمالاً، كما تقول، ولكنها الآن وبعد أن تزوج برابعة صارت الأولى مهمشة كون الأخيرة هي الأصغر والأجمل وتشبه نساء التلفزيون وتستأثر به وبلياليه بينما هي لا تجد لها أنيساً سوى التلفزيون في لياليها. قالت لجارتها: اسمعي يا أختي هو لم يحلم بشيء ولا بطيخ، ففي الليلة التي ادعى بأنه قد حلم بالإلهام لم ننم فيها أصلاً، لأننا بقينا أنا وهو ساهرين أمام المفسديون وشاهدنا أشياء أخجل من وصفها، أنت تعرفينها، وإثر الذي شاهدناه عشنا ليلة مجنونة. ليلة لم نذق مثل حلاوة عشقها ولا حتى في أيام شهر العسل، ولا أظن بأننا سنتذوق مثلها ما بقي لنا من حياة.. وبعدها أصابه هوس الزيجات. لقد أخذه التلفزيون مني فأخذتُ التلفزيون منه.

-----------------------------------

*كتبت ونشرت أولاً باللغة الإسبانية في مجلة (إنيه) المختصة بالقصة.
*وبالعربية نشرت في صحيفة (الأديب) العدد 148 بتاريخ 1/8/2007م بغداد.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

قصة / محسن الرملي

قصة
الشاعر الشَجَرة
محسن الرملي

الاستمتاع بإغاضة الآخر؛ من صفات الصغار.. كنا صغاراً إذن، نتراهن على من يستطيع القفز بارتفاع قامة كريم ووضع حصاة في جيبه أو التمكن من قطف شعرة من صدره مفتوح القميص في حر المناخ العراقي. وكلما كان الاستفزاز أكثر إزعاجاً، ازدادت المتعة. ولم تكن تقافزاتنا هذه لتغضبه بقدر ما تفعل مناداتنا إياه بـ (شجرة). حَسّان كان يغني من خلف سياج المدرسة. "الطول طول النخلة ... والعقل عقل السَخلة" وما أن يلتفت إليه كريم حتى يختفي الرأس وراء الحائط وتتعالى القهقهة.
تبقى هذه الصفة الصبيانية ترافق بعض الناس مدى الحياة، ويظلون يستمتعون بإيجاد الطرق لاستفزاز الآخرين، والغالبية تتجاوزها وتخجل منها ثم تنساها. أما كريم فلم يكن من هذا البعض ولا مثل هذه الغالبية.. ربما لأنه كان ضحية لهذا السلوك. فكل ما يبدو ليس عادياً، ولو بقليل، يصبح هدفاً لهذا الشغب المراهق. ومن قدره أنه طويل القامة بشكل غير عادي، الأمر الذي جعلنا نناديه دائماً (يا شجرة) حتى كاد الجميع ينسى اسمه الحقيقي، لكن الذي ليس عادياً فيه أيضاً هو هذه الطِيبة اللامتناهية والهدوء وندرة الكلام. ربما لم يكن يكثر الحكي من باب التهذيب كي لا يضطر الآخرين إلى طي رقابهم إلى الخلف والتطلع باتجاه وجهه السابح في الغيم، ربما لأنه يعيش متوحداً هناك في الأعالي وثمة كائنات عليا يراها هو ولا نراها نحن ولهم لغة تخاطب تخصهم ولا نسمعها. ربما أن نظراته كانت حزينة.. لسنا على يقين من ذلك، لأننا لم نحدق في عينيه مباشرة بحكم بعدهما عن أفق نظرنا. كان باستطاعته أن يأخذ القافز منا، إلى جيبه أو صدره، بيده العملاقة، يحمله ويلقيه مثل خرقة تافهة وراء سياج المدرسة، ومع ذلك لم يفعل، مكتفياً بنفضنا عنه بكفه الواسعة كمن يطرد ذباباً مزعجاً، ويواصل قراءته في الظل مستنداً بظهره على برودة الجدار الحجري. لكن الخلاص غير المتوقع الذي أنقذه من كل ذلك وسحب البساط من تحت دوافع استمتاعنا باستفزازه هو قراره بتقبل أن يُسمى (شجرة)، بل ويصر على تقديم نفسه هكذا وينتشي لمناداة الآخرين له به. حدث ذلك فجأة بعد أحد دروس الإنشاء الذي صادف في يوم عيد الشجرة وخصصه معلمنا الشاعر للحديث عن الشجرة فقط؛ معانيها، وصفاتها، وجمالياتها، وطيبتها، ورموزها، وكرمها وهي تأكل الضوء وتهدي الأوكسجين، ومنحها الثمر لمن يرميها بحجر، وتحوّلها إلى سقف أو عمود يحمل سقفاً يأوي عائلة فقيرة، وتحولها إلى زوارق وكراس وورق وأسِرَّة وأقلام وحطب لنار الخبز والتدفئة، وصبرها وكرامتها واقفة حتى الموت بتعال، رأسها في السماء وجذورها في الأرض كأنها مسمار يربط بينهما... والشجرة يا أبنائي الأعزاء كلها خير وجمال ومنفعة. يصعب قول شيء ضدها أو قول كل شيء عنها في درس واحد، فليزرع كل منكم ولو شجرة واحدة في حياته، واليوم هو عيد الشجرة فصفقوا لها بقوة. صفقنا، وصفقنا على إيقاع قوافي الأبيات الشعرية المتغنية بالشجر التي يحفظها المعلم... حتى ختم كلامه قبل انتهاء الدرس بتذكيرنا أن نكون أعزاء النفوس والكرامة كالأشجار ولا نموت إلا بشجاعة (فالأشجار تموت واقفة).. حينها تمنينا كلنا لو نصبح أشجاراً.. إلا أن كريم هو الوحيد الذي كان مؤهلاً لذلك.. وهكذا كان.
صادف عيد الشجرة ذاك كآخر درس ليوم خميس، وفي الدرس التالي بعد عطلة نهاية الأسبوع، التي لم نر فيها كريم في ملاعبنا، كالعادة، باعتباره أفضل مراقب للخطوط أو لأعلى شبكة كرة اليد من مس اللاعبين. قال كريم للمعلم أنه قد كتب، هذه المرة، قصيدة لدرس الإنشاء، فسُرَّ المعلم وطلب منه أن يقف أمام الفصل ويقرأها. كانت المفاجأة أن عنوانها "أنا شجرة" فقهقهنا بخبث مُخبأ وزجرنا المعلم. أعلن كريم في قصيدته عن اعتزازه بطول قامته كالأشجار وأنه قد قرر اتخاذ اسم (شجرة) لنفسه وعلى الجميع أن يناديه بهذا الاسم، وأنه يغير الاحتفال بعيد ميلاده ليكون في يوم عيد الشجرة وعلى من يحبه أن يقدم له الهدايا في هذا اليوم فقط، لأنه لن يقبلها في غيره. فكان الأمر عَجباً لنا جميعاً وصفق المعلم لأول مرة آمراً إيانا بالتصفيق. أثنى على القصيدة وموضوعها مانحاً لكريم عشر درجات في الإنشاء، ومن يومها لم يكف عن كتابة الشعر، فيما خسرنا نحن لعبتنا بالتحرش به لأنه صار يفرح بدلا من أن ينزعج حين نناديه: شجرة، وأخذ يكثر من لبس القمصان الخضراء والمُشجرة. وبدل أن يستند إلى برودة حجر جدار المدرسة حين يقرأ، راح يلجأ إلى ظلال أشجار الحديقة مسنداً ظهره إلى جذوعها. شَعرنا بأن الحزن، الذي كنا نظنه قابعاً في نظراته، قد تحول إلى ضوء بهيج، ربما كنا نخمن طبيعة نظراته من خلال طريقته اللقلقية في المشي لا أكثر. ولأن اسمه الجديد الذي أصبح يُرفق بكلمة (الشاعر) أخذ يسطع في المدرسة والحيّ، وخاصة بعد نشر عددا من قصائده وصورا له في صفحات القراء في بعض الجرائد والمجلات، ولأن البنات لم يعدن يرين قامته وإنما شِعره وحسب. شرع أكثرنا بالتودد إليه محاولين كسب صداقته. كنا نكبر ويكبر معنا الحرص على تسميته (شجرة) وإرسال البطاقات والهدايا إليه في عيد الشجرة. لكنه ظل كما هو طيباً، قليل الكلام.. ويزداد انطواءً على نفسه وعلى الكتب والأشجار.. إلى أن قرر، ذات يوم، أن يغادر البلد لأن الصحف أقرّت الامتناع عن نشر أية قصيدة لا تمدح (القائد!) وحروبه، ولأنه لم يعد يحتمل أن يسرق الجنود لون الأشجار ومساحاتها بشكل متزايد كلما امتدت أعوام الحرب، وأن تُحوّل الحكومة الحقول الخضراء والغابات إلى معسكرات ومخازن للجيش، وأن تقطع أشجار الشواطيء في المدن وفي الجزرات الوسطية في الشوارع لتنصب مكانها تماثيلاً سوداء برونزية متشابهة للقائد ببدلته العسكرية، على حصان أو دونه، رافعاً ذراعه كالسيف فوق الرؤوس بحجة التحية. وكان ثمة تماثيل أخرى تشبهها، ولكنها أصغر قليلاً، لضباط وجنود قتلوا في الحرب. ويعلق كريم: إنهم يقطعون ما هو حي وينصبون ما هو ميت. إلا أن الذي أوصله إلى اتخاذ هذا القرار بشكل نهائي هو رؤيته لمشهد قاس جرح قلبه، في التلفاز والصحف. أحزنه حد البكاء: آلاف وآلاف من أشجار النخيل الجنوبية وقد بُتر سعفها أو احترق بفعل كثافة القصف والنيران المتبادلة بحيث تحولت إلى غابات موحشة لا نهاية لها من الجذوع السوداء فقط، كأنها أعمدة كهربائية عتيقة أو مسامير أسطورية أو متاهة في الدرب إلى كوخ ساحرة شريرة في حكايات الأطفال. مسح دمعه بكم قميصه الأخصر وردد:"الأشجار تموت واقفة".. ثم انطلق متسللاً مع المهربين إلى تركيا، ومنها عبر سُبل مغامِرة سَلَّله مهربون آخرون إلى ألمانيا، وكان على امتداد درب الفرار يعزز شجاعته بتكرار "الأشجار تموت واقفة.. الأشجار واقفة.. الأشجار.. جار..". ويقول في إحدى قصائده: "سأمشي في الطريق الأخضر نحو البلاد الخضراء. سأمشي أخضر القلب والقميص، ولن أموت إلا واقفا"ً. وهناك ادعى أنه بلا وثائق، كأغلب الهاربين طلباً للجوء وبحثاً عن الحرية، وهكذا تمكن من أن يجعل اسمه في وثائقه الرسمية "شجرة" كما أراد، واشتغل في مشتل لنباتات الزينة والورد وفي حراسة الحدائق أو ري المتنزهات وتنظيف عشبها من نفايات المتنزهين، مؤمناً بكون النباتات وحدها التي لا تُشعرك بأنك أجنبي ولا تستشعر منها أية عنصرية. لكنه ظل حزيناً طوال أعوام منفاه، يعلق في صالونه صورة كبيرة للوحة جواد سليم (الشجرة القتيلة) ويسكر حد البكاء كلما تذكر مشهد النخيل العراقية مقطوعة الرؤوس.. ويغني أحياناً "نخل السماوة يقول طرتني سمرا.." حالماً بان ينتهي زمن الدكتاتور ليعود ويفعل كل ما بوسعه لزرع الأشجار أكثر من كتابة القصائد، قائلاً: ستكون قصائدي للوطن أشجاراً وتكون مواطنتي خضراء شِعرية.. خضراء.. خضراء..".

------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الأديب) العدد 173 بتاريخ 13/8/2008م بغداد.
http://www.al-adib.com/DisplayPDF.aspx?file_path=c:\domains\al-adib.com\wwwroot\Issues\issue_173_13_8_2008\P10.PDF

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2009

رأي / لمن نكتب ؟!


سؤال المبدع دائما.. لمن نكتب: لذواتنا.. أم للمتلقي؟

استطلاع: خلود الفلاح

تاريخ الأدب هو رؤية للتاريخ كتطور فى شكله الايجابي والسلبي وما يتضمنه هذا التطور من آراء تثير الفضول وتحفز للمزيد من البحث فيما وراءها، أي تلزم بعدم أخذها كأحكام مطلقة. وأمبرتوايكو حين قال: الكتابة هى دائما فعل حب وفى الحب هناك دائما شريك وألا فليس هناك حب وهو بذلك يشير إلى من يدعى انه يكتب لنفسه ولا وجود لما يمكننا تسميته قارئا أومستقبلا للرسالة الإعلامية. بحثنا عن آخرين قد يتفقون مع ايكو وقد يختلفون مع.. ليس هذا ما نسعى إليه، أننا فقط نبحث عن أشياء تضيف لتاريخ الأدب. وتقدم رؤياها الخاصة.

*الكاتب والأكاديمى العراقي محسن الرملي:

ثمة مَن يكتُب لأسباب وجوديّة
ـ
بالنسبة لي شخصياً، ومنذ عرفت الكتابة، وقبل أن أعرف أُمبرتو إيكو، فإنني لم أزعم أبداً بأنني أكتب لنفسي، وقد أوضحت ذلك فى مناسبات أخرى، حيث أنني لا أحتاج الكتابة لنفسي ما دمت أعرف ما في رأسي وما الذي أريد قوله. لكنني فى الوقت نفسه لا أملك ثقة وجرأة إيكو لاتهام غيري بالكذب حين قال ذلك، وربما لا أتفق معه فى إطلاقيته لهذا الحكم ـ هذا إذا كان قد أطلقه فعلاً ـ فبمجرد أن نحيد قليلاً عن المعنى السطحي والمباشر لهذا القول سنجد أكثر من تبرير له.
فالكتابة بالأصل هى عمل فردي ذاتي وأول وأكبر تأثير لها يكون على الذات الكاتبة أولاً، وهناك من يكتب لنفسه فعلاً مثلما أن هناك أناسا يقرأون لأنفسهم ولمجرد متعة فعل القراءة بحد ذاته. ثمة من يكتب لنفسه لأسباب نفسية بتوصية من طبيبه النفسي، وثمة من يكتب من أجل المال فقط ـ وبالطبع المال لنفسه هو ـ وثمة من يكتب لنفسه كى يعرفها أكثر أو لصالح نفسه اجتماعياً، أو كما يقول غارثيا ماركيز: "أكتب لكى يحبنى أصدقائى أكثر". وثمة من يكتب لنفسه لأسباب وجودية تتعلق بطبيعة فهمه ورؤيته لمعنى الوجود ووجوده الفردي ذاته الذى قد لا يجد له معنى آخر سوى فى الكتابة.
حسن مطلك مثلاً يقول: "أنا والكتابة شيء واحد". إن الإنسان بطبعه كائن تعبيري وحاجته للتعبير عن نفسه أساسية لذا فهو يعبر عنها بمختلف الوسائل والسبل والأساليب بما فى ذلك العمارات والصناعات والألبسة والرقص والكلام وغيرها، والكتابة أحد أساليبه الرائعة للتعبير، وفى كل الأحوال يبقى فعل الكتابة بحد ذاته أمرا عظيما ومهما وضروريا وصحيا وإيجابيا سواء أكان للشخص نفسه أو لآخر قريب أو لآخرين لا نعرفهم، وبالطبع ستكون المنفعة أكبر كلما اتسعت دائرة التلقي. وهكذا فالكتابة يمكنها أن تكون للذات وللآخرين، وكل له دوافعه وأسبابه وحق اختيار هدف كتابته، وليس من حقنا أن نتهمه بالكذب جزافاً.. هل شَقَقت عن قلبه؟!..
----------------------------------------
*نشر في صحيفة (العرب) بتاريخ 4/4/2007م لندن.

السبت، 12 سبتمبر 2009

عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان


عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان

محسن الرملي
Muhsin Al-Ramli
الرباط 2002

أولاً أود أن أشكر معهد إبالمو IPALMO وكل المشرفين على تنظيم هذه اللقاء، حيث أبدو جودة عالية في التنظيم وجدية في التعامل، ثم أشكر الأخوة المغاربة على حُسن الضيافة.. والشكر أيضاً لكل السادة الحضور من مختلف البلدان.
أنا لست متوسطي الأصل لأنني عراقي، ولكنني كصحفي وكمواطن فأنا أعيش وأعمل ضمن نطاق المتوسط، في إسبانيا. وفي هذا الوقت يجبرني قلقي وخوفي على أهلي وبلدي الأصلي أن أتحدث ـ ضمن إطار لقاءنا هذا والمتمحور حول الصحافة وحقوق الإنسان ـ عن دورنا كصحفيين تجاه ما يبدو أنه قد أصبح قراراً محسوماً، ألا وهو شن الحرب على العراق..
وكمدخل لربط ذلك بالمتوسط، أقول بأن الطائرات التي ستقوم بضرب بلدي ستنطلق من قواعد أمريكية في أراضي بلدان المتوسط أو ستطير في أجوائه لتعبر إلى هناك، والبارجات الحربية ستمر عبر مياه المتوسط كي تلوث مياه دجلة والفرات.. وعلية أرجو منكم جميعاً الحرص على مواصلة التمسك بأحد أدوار الصحافة وهو أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم.. أرجو أن ترفعوا أصواتكم مع صوتي كي نصرخ جميعاً بما لا يستطيع الشعب العراقي أن يصرخ به.. فأنا معكم أشعر بالقوة وبدونكم أشعر بالوحدة والحزن.. فشكراً لأنكم أنتم عائلتي الآن.. وأصواتكم هي بديل عن أصوات أصدقائي الصحفيين الذين خنقتها الدكتاتورية، لذا، إذا ما وقعت الحرب، آمل الانتباه إلى دورنا جيداً كي لا نتحول كصحفيين إلى مجرد قناة تردد الخبر نفسه، تطلقه دون تفحص لأهداف مصدره، وأن يسعى كل صحفي إلى وضع لغته الخاصة ومفرداته في طبيعة نقل الخبر كي لا نتحول إلى مجرد أبواق نردد ما يمليه علينا البيت الأبيض عبر الوكالات المشتراة. وهنا وبمناسبة هذا اللقاء.. أطرح وأسألكم، في الوقت نفسه، عن إمكانية وكيفية وشرعية تحويل أو إعادة صياغة لغة الخبر (ولا أقول مضمونه) وإنما لغته، إذا كان ذلك الأمر لصالح الجانب الإنساني؟.. كي لا نقع في ارتكاب خطأ أن نسمي الجلاد ضحية والضحية جلاداً، ولكي لا نضفي قدسية وشرعية على القرارات والقوانين المفتعلة التي نعرف جميعاً دوافعها ومصالحها.
وعن هذا الأمر.. أي الانتباه إلى الخبر وتغيير لغته قبل إعادة بثه، والحرص على تنوع أساليب نقله، وتعدد مصادره.. أضرب لكم مثلاً في العراق، بعد حرب الخليج 1991 وحيث كل وسائل الإعلام هناك في قبضة السلطة.. فكانت تكرر علينا ليل نهار ما يمليه عليها النظام، بأننا قد انتصرنا على دول التحالف وأننا هزمنا 33 دولة، فيما كان الناس البسطاء يرون حولهم الخراب والحرائق والدخان والجثث وبطونهم خاوية.. حتى قيل أن امرأة بسيطة وكبيرة بالسن اقتربت من من صحفي وسألته بصدق وببساطة، باعتباره صحفي يعرف أكثر مما تعرفه هي، وقالت متأثرة: يا بني، أنا حزينة على الأمريكان. فقال لها: لماذا؟. فقالت: إذا كنا نحن المنتصرون في هذه الحرب قد حدث كل هذا الدمار بنا.. فكيف حالهم الآن وهم الخاسرين.. يا للمساكين!.
أعني من هذا أن أمر التكرار الواحد دون تمحيص للخبر ومصدره قد يُحدث رد فعل مغاير.. وابتعاد عن الحقيقة.. بل وأرى فيه نوعاً من المشاركة في الجِناية.. هنا أيضاً وضمن هذا السياق أود تنبيه الذين يكررون الآن ليل نهار ويرددون اسطوانات البيت الأبيض متحدثين عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية التي تعد بها أمريكا الشعب العراقي.. فقد يصاب العراقيون بالخيبة من هذه الوعود التي ينتظرونها حين ينظرون من حولهم مرة أخرى فيرون الحرائق والخراب والجثث فيقولون: أهذه هي الحرية والديمقراطية؟.. لقد كانت الدكتاتورية أكثر رحمة!.
إنها مسألة مهمة أيها الأخوة آمل الانتباه إليها كنموذج حدث وقد يحدث لما قد يسببه الصحفي الببغاوي الذي يكتفي بمجرد النقل، وهمه الانتهاء من أداء وظيفته وقبض راتبه كيفما كان الأمر.. دون أن يدرك بأن ثمن ذلك سيكون باهظاً جداً لأناس آخرين.
إن الصحفي يساهم في خلق الضمير الإنساني والتاريخي العام.. ومثال ذلك أنني شخصياً ـ وأعتقد بأن هناك الآلاف مثلي ـ أشعر بجرح دائم في إنسانيتي بسبب الحربين العالميتين وبسبب القنبلتين النوويتين على اليابان. على الرغم من أن ذلك قد حدث قبل أن أُولد أنا أصلاً.. فيما أشعر بالفرح والفخر بالأمريكان الذين خرجوا رافعين الأصوات ضد استمرار الحرب في فيتنام.. فأرجو من كل الزملاء الصحفيين أن يحرصوا على ألا تصاب إنسانيتنا بجرح آخر.. وأن نحاول أن نترك إرثاً لأولادنا وأحفادنا، إرثاً من الفخر ونموذجاً من الاحتجاج يفرحون به ويواصلونه.. وألا نترك لهم في الإرث مزيداً من الجراح في إنسانيتهم.
أقول.. إننا نحن الصحفيون مَن بيدنا قناة الكلمة.. ومثلما (في البدء قد كانت الكلمة) فبعد موتنا الفيزيائي ستبقى كلماتنا فقط.. بل أرى أن هوية أحدنا الشخصية، وشهادته الإنسانية هي كلماته.. وهكذا ففي نهاية الأمر أن صورة حياته هي الكلمات.. وفي الأدب يُقال: بأن الإنسان هو الأسلوب.. وبالتالي فهو الكلمة.. أي اللغة، نوعية وطبيعة كلماتنا.. هذا ونحن لا نملك غير هذا السلاح كوسيلة للدفاع.. فأرجو الانتباه إلى نوعية ما نسمع وما نقول.. لذا فلنقم بنقل الخبر، بنقل الكلمات بعد تمريرها من خلال ضمائرنا الإنسانية.. من خلال مرورها بالوعي والقلب أيضاً.
ضمن لقائنا هذا تم الحديث أيضاً عن ضرورة وجود دولة قانون من أجل إيجاد حرية صحافة.. لذا تخيلوا كيف هو حال زملائنا في الصحافة العراقية.. إنهم ليسوا متوسطيون، لكن يُفترض أن نذكرهم عندما نتحدث عن الصحافة وحقوق الإنسان، لأنهم صحفيون وأناس، إنهم ليسوا متوسطيون لكن حضاراتهم بابل وسومر وأكد ونينوى وأور وآشور .. قد كانت أماً مؤسسة للكثير من حضارات المتوسط.. واليوم هناك أكثر من نصف مليون عراقي لاجئون يعيشون في دول المتوسط، فاسمحوا لي أن أنقل لكم شكوى إخوانكم في الإنسانية وفي المهنة.. صديقي الكاتب حاكم حسين تم إعدامه بحجة تغيبه عن أداء الخدمة العسكرية، أخي الكاتب حسن مطلك أُعدم شنقاً سنة 1990، صديقي ضرغام هاشم رئيس تحرير مجلة، تم إعدامه سنة 1991 ويقال بسبب جملة واحدة وردت ضمن إحدى مقالاته، لي صديق آخر هو حميد المختار يعيل أسرة كبيرة ولديه أربعة كتب مطبوعة تم سجنه 8 سنوات وقيل لأنه كان قد وزّع استنساخ (فوتوكوبيا) كتاب ممنوع على أصدقائه.. والقائمة تطول.. هنا في الرباط لي صديق كاتب وصحفي هو ضحية أخرى لأنه رفض الانتماء للحزب الحاكم إنه علاء الدين محسن.. هل أناديه أمامكم كي تروا ما حل به منذ هروبه من العراق عندما كان عمره أقل من عشرين عاماً؟.
هناك الأخبار تأتي من رئاسة ديوان الجمهورية، وحتى خطب الجمعة تذهب إلى المساجد مكتوبة، ومن قال كلمة أخرى مضافة عليها أو خارجة عنها فسوف يتم إخراجه من الحياة بسبب خروجه عن النص.
نقطة أخرى.. أرى، أن على الصحافة أن تعمل يد بيد وتتعاون مع منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن المهاجرين.. أن نزيد ونوسع من التعريف بهؤلاء العاملين في مجال حقوق الإنسان وننقل أصواتهم وتغطية نشاطاتهم ونشر أخبارهم. وما نبهني إلى هذه النقطة هو هذا اللقاء، حيث عرفت هنا سيدة جامعية مغربية تعمل في هذا المجال وأنها وزملائها قد قدموا الكثير من الاحتجاجات من هنا إلى الحكومة العراقية وجمعوا آلاف التواقيع وبذلوا كل الجهود مطالبين بمعرفة مصير أحد مثقفينا الذي اختفى منذ عشرة أعوام تقريباً.. وهو الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم.. فلماذا لم أقرأ عن ذلك خبراً كهذا في الصحافة؟.. لذا علينا أن نفرد مساحة أوسع لهؤلاء المتطوعين الإنسانيين، لكي يكون ذلك اعترافاً بجهودهم ودعماً لمساعيهم.
كذلك علينا أن نُفرد مساحة أكبر للمهاجرين وقضاياهم من حيث الوجه الإنساني، وننتبه إلى طبيعة مفرداتنا اللغوية في ذلك، وعدم الوقوع في خطأ تكرار الحديث عنهم كأرقام وكقضية اقتصادية وكموضوع تستخدمه الأحزاب في الإنتخابات.. ولنتذكر بأن من حقوق الإنسان احترام العرق والمعتقد الآخر. في إسبانيا عندما تحدث جريمة سرقة أو قتل وما إلى ذلك يقوم بها شاب من أصل أجنبي يشار إلى أصله، وإن لم يكن مسيحياً يشار إلى دينه أيضاً، بينما لو كان مرتكب الحادث إسبانياً يقال فقط: شاب عمره كذا ومن سكان منطقة كذا.. ثم يتم اللقاء بجيرانه ليقولوا بأنه قد كان ملاكاً في سلوكه، بينما يقول جيران الأجنبي إنهم كانوا يروه غريباً في تصرفاته وغير مُريح!!.. لذا علينا التفكير أيضاً بإعداد صحفيين من داخل المهاجرين أنفسهم لأنهم سيكونون أكثر تفهماً لقضاياهم وثقافاتهم، وأكثر دقة في التعبير عنهم.
هذا وضمن إطار المهاجرين، علينا الانتباه أيضاً إلى المنفيين كجزء له خصوصيته من بين المهاجرين.. المنفيون لهم هموم ومشاكل مختلفة عما للمهاجر الباحث عن وضع اقتصادي أفضل.. لأنهم أصحاب قضايا تدخل في صلب حقوق الإنسان ويحتاجون إلى التفهم الخاص لقضاياهم ودعمهم في سعيهم لتحقيق أهدافهم.
ومن هؤلاء تكون الغالبية من المثقفين أو العاملين في حقل العلوم والنظريات الاجتماعية والسياسية والتقدمية ومنظمات حقوق الإنسان.. بينهم أيضاً العاملين في حقل الأدب.. الأمر الذي يستدعي ترجمة أصواتهم وأعمالهم في البلدان التي يقطنون فيها والتعريف بهم عبر الصحافة بشكل جيد.
لا أريد أن أطيل، فقد كانت لدي نقاط أخرى كثيرة تتعلق بتناول المهاجرين في الصحافة وبتجارب صحف المغتربين ومعاناتها، وعن تجربة مجلتنا وأمور غيرها.. لكن العراق الآن يؤلمني كأنه عضو من أعضاء جسدي.. كأنه القلب.. فاعذروني وشكراً لكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مداخلة في ندوة (الصحافة وحقوق الإنسان) التي عقدت في الرباط/المغرب في 18 ك1/ديسمبر إلى 23 سنة 2002، ونظمها معهد إبالمو الإيطالي.
http://www.ipalmo.com/eng/index.htm

الجمعة، 11 سبتمبر 2009

قراءة / سلمان زين الدين


الروائي محسن الرملي ينتصر للتسامح في العراق

سلمان زين الدين

« ما كنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي...». بهذه الكلمات تبدأ رواية «تمر الأصابع» الثانية بعد أولى هي «الفتيت المبعثر» للكاتب العراقي محسن الرملي (الدار العربية للعلــوم ناشـرون ومنشــورات الاختلاف).
وهو بهذه البداية التي يضعها على لسان السارد يعطف الفضيحة على الكتابة في نوعٍ من المعادلة الضمنية بينهما وفي ظل تحرّر من السلطة الأبوية بما هي معادل للقيم القمعية في المجتمع على أنواعها، وكأنّ الكاتب أراد أن يقول إن الكتابة لا تتحقق إلا في مناخٍ من الحرية تغدو معه نوعاً من الفضح والتعرية «والحفر» تحت طبقات الممنوع التي تتراكم عبر السنين، فهل يحقّق الكاتب في روايته تلك المعادلة الاستهلالية؟
قصة الأهل التي يتصدّى السارد لكتابتها تتناول حكاية أسرة عراقية على مدى ثلاثة من أجيالها، في علاقتها الملتبسة بالسلطة السابقة. وهي تمتد زمنياً من الجد الى الحفيد/ السارد، وتتوزع مكانياً بين العراق واسبانيا، ويتواكب هذين الامتداد والتوزع تطوّرات درامية للأحداث وتحولات في الشخصيات، وانقلابات مفاجئة في سلّم القيم، يصوغها الرملي بِحرفيّة واضحة وبكفاءة روائية ملحوظة.
تشكّل حادثة تحرّش ابن أحد المسؤولين ببنت إحدى الأسر بصفعها على مؤخرتها الشرارة الأولى للاصطدام بين قيم الأسرة/ العشيرة المحافظة وقيم السلطة المستهترة، المستبدة. ويتخذ هذا الاصطدام تمظهرات كثيرة في الرواية تدفع فيها الأسرة أثماناً غالية في ظل عدم تكافؤ القوى بين الطرفين، ويكون على الأسرة أن تتخلى عن بعض قيمها في نهاية المطاف خصوصاً قيمتي الثأر والانتقام، الأمر الذي يمكن رصده بتلمّس الاختلافات بين شخصيات الجد والأب والحفيد الذي يقوم بعملية السرد في الرواية متنقلاً بين زمن العراق أو زمن الجد/ الأب بما فيه من ذكريات وزمن اسبانيا أو زمن الأب/ الحفيد بما فيه من وقائع.
من خلال هذه العملية، يتبيّن أن الجد مطلق هو شخصية قوية، ذكورية، متديّنة. صاحب القول الفصل في شؤون الأسرة، أمره مطاع، وكلمته نافذة، يحيطه أفراد الأسرة بهالة من القداسة، فلا يجرؤ أحد على النظر في عينيه أو مناقشته، متطلّب في تربية أولاده، يتعالى عن الواقع ويدفع ثمن تطرّفه. ولذلك، عمد الى قطع سبابة زوجته الأولى حين شهرتها في وجهه، ورفض دفن جثث الأسرة قبل الثأر لها، وألزم ابنه القسم على الانتقام والثأر.
إزاء هذه الحدود القصوى في شخصية الجد، تتموضع شخصية الأب نوح في منطقة وسطى بين الجد والحفيد، الابن. فهي شخصية ازدواجية تعيش صراعاً داخلياً بين قيم الجد المتطرّفة بما فيها من صرامة وتزمّت وبين قيم الإنسان العادي بما فيها من ميل الى البساطة والواقعية: فالأب خلافاً للجد الذي كان موضع تأليه وتقديس من أسرته الكبيرة يبدو محايداً وبشرياً وصديقاً لأولاده. لذلك، يصارح ابنه بوسطيته وازدواجيته: «فقد كنت وما زلت يا سليم منقسماً الى اثنين في داخلي... واحد مقتنع مطيع مؤمن بالمقدس الذي يمثله أبي ومرتبط بالعمل للآخرة، وآخر مرتاب متمرد شكاك بشري ومرتبط بالدنيا، يحب الضحك والنساء والغناء والشعر والتمرد والخطيئة...» (ص 117)
هذا الاعتراف المتأخر أسهم في تبديد حيرة الابن/ السارد التي شكلت مادة أساسية في الرواية حيث شغلته تحوّلات الاب وراح يبحث عن تفسير لها. فالابن لم يعرف من شخصية أبيه في العراق سوى الجانب الأول المنتمي الى الجد، ولــذلك، شغــله أن يكتشف في أبيه في اسبــانيا جانباً آخر ينــتمي اليه هو.
وحين علم أن الأب موجود في اسبانيا للبرّ بقسمه والثأر من ذلك الصبي الذي أصبح ديبلوماسياً هاله الأمر وراح يعمل ليحرّر الأب من انتمائه للجد المتطرف والتزامه ازاءه ويدخله في الحقل المنتمي اليه هو يزاول حياته الطبيعية بعيداً من قيم الثأر والانتقام، فيقرر السفر مع صديقته الألمانية دوسا الى بلدها للزواج والإقامة فيه غير أن القدر يكون بالمرصاد فيتم نقل الديبلوماسي من مدريد الى برلين، فهل يفسد القدر ما أصلح الإنسان؟ الرواية تنتهي هنا ولات جواب.
هذه الحكاية كتبها محسن الرملي بلغة روائية سلسلة، طليّة، يطغى عليها السرد ويقطعها الوصف احياناً. ومارس فنّية واضحة في خطابه، فكسر خطية الزمن، وأطاح بالتدرج والتسلسل بين الأحداث، وراح ينتقل بسهولة ويسر بين الواقع والذكريات ولم يكن ليستنفد الواقعة أو الذكرى حين يأتي عليها بل يتناولها في غير مكان من النص على أن انتقاله لم يكن مجانياً ومن دون مبرر بغضّ النظر عن قوة المبرر، وبالتالي، هو انتقال تلقائي طبيعي على شكل تداعيات يأخذ بعضها برقاب بعض.
محسن الرملي ينثر خيوط الحكاية ببراعة واضحة ويترك لك تلمسها ونسج الشبكة الروائية. و(تمر الأصابع) نص روائي يمكنك أن تأكل «تمره» وأن تلحس «أصابعك» بعد الأكل/ القراءة.
------------------------------
*نشرت في صحيفة (الحياة) بتاريخ: الاربعاء، 02 سبتمبر 2009م لندن.