السبت، 28 فبراير 2009

قراءة / هارولد برازويل



قراءة أمريكية لرواية عراقية:

" الفَتيت المبعثَر" لـ "محسن الرملي "

شؤون عائلية ..


هارولد برازويل

ترجمة: جلال نعيم

لعلّ واحدة من "التأثيرات الجانبية" للحرب الحاليّة في العراق، هو خلق "مواطَنة عالمية" مركزها الحديقة الخلفية للشرق الأوسط، مما جعل حتى الناس البسطاء يناقشون، بفاعليّة عالية، معضلات السنّة والشيعة والأكراد.. وكأنهم يشرحون الصلة التي يتوخونها من السمن المتقاطر من لحوم مختلفة على شوائهم ـ إذا جاز التعبيرـ. ولاشك بأنه ليس هنالك من خطأ في ذلك الاهتمام الكبير بالعراق، لكن المشكلة التي تكمن في النقاشات الحاليّة، هو الاعتقاد الخاطئ بأنه من الممكن إيجاد فهم مباشر وسريع لتلك المعضلات من خلال الفهم السياسي وحده.
إن الكاتب العراقي محسن الرملي يعرف جيدا محدوديّة هذا الجدال حول العراق. ففي مقال له منشور في 20 آذار/مارس/2003، في مجلّة (El cultural)الثقافية الأسبوعية الإسبانية (هاجر الرملي إلى إسبانيا عام 1995) حيث ينبه الرملي، بحماسة، إلى أن العراق قد عُرفَ عالميّاً إمّا كمنطقة فوّارة أو كتهديد دولي، فيما لم يتطرّق أحد إلى إرثه الثقافي وغناه في هذا المجال، ثم يحاول ان يملأ هذا النقص متحدّثاً عن دور الشعر في المجتمع العراقي كقوّة محقّقة للتجانس العرقي والوحدة الثقافيّة. ويبدو هذا الطرح بعيداً عن نظرة القرّاء المتشائمين الأمريكان، وخارج نطاق جاذبيتهم، خاصّة وأن الرملي قد طرح ذلك خلال الأيام الأولى للقصف الأميركي لبغداد. ولعلّ هذه مجرّد إشارة الى مدى ابتعادنا عن ملامسة الواقع العراقي.
المترجم المثابر، الشاعر، الكاتب المسرحي والروائي "محسن الرملي" خصّص نفسه لزيادة وتعميق الاختراق الثقافي أو الصلة ما بين العراق والبلد الذي تبناه (إسبانيا). وروايته "الفتيت المبعثَر" تصوّر حياة عائلة كبيرة تحت نير الدكتاتوريّة، وتضيف إضاءة على الصورة الغائمة للتعقيدات التي عاشها الشعب العراقي. وهو الآن سكرتير تحرير لمجلة (ألواح) وهي مجلة ثقافية عربية (ألواح كلمة عربية تعني tables اللوحة التي يكتب عليها القانون..!). يكتب الرملي بالعربية والإسبانية، وقد ترجم بعضا من الأعمال الأدبيّة الإسبانية الرئيسية إلى اللغة العربية، كما ترجم قصائد مهمة الى الإسبانية. "الفتيت المبعثر" ـ المنشورة في مصر عام 2000 ـ هي عمله الأول الذي أصبح ممكنا لقرّاء الإنكليزية بترجمة "ياسمين حنوش"، وهي رواية مؤثرة وذات ثيمة مكثفة، ورغم تركيزها على جزئيات محدّدة، إلا أنها يمكن أن تقدم لنا ولو خطوة أولى نحو فهم الحياة اليومية في العراق.
الراوي، في "الفتيت المبعثر"، هو منفي عراقي، حاله كحال الكاتب، ومثله يعيش في إسبانيا أيضاً، ويدعي بأنه ترك بلده بحثاً عن إبن عمته المفقود "محمود"، الذي غادر العراق قبله بفترة. علماً بأن تركيز الرواية لم ينصبّ على هذا البحث، وإنما كانت عن أفراد عائلة محمود.. هذه الشخوص: الأب، الأم والأخوة الثمانية.. هذه الشخصيات التي رُسمت بحِرفية عالية، ومُدارة بشكل يبرز غرابة أطوارها من دون السقوط في الكاريكاتوريّة، فـ"عجيل" (رب الأسرة) تتملّكه الروح (الوطنية) بقدر عال من الطرافة الخطرة، هذه الطرافة التي تتضح من خلال تحسّره على زمن أبيه عندما طعن ذلك "الابن المومس الضابط الإنكليزي"، وعادته بالإشارة الى كل ما يحبه على أنه: "nationan" بتلفظه الخاطئ للكلمة الإنكليزية "nation" (أمة)، وباحترامه للزعماء (وكان صدام حسين واحداً منهم طبعاً!) وهو ما يتضح من خلال تفاعله العنيف مع الاحتفالات الرسميّة وغرامه بمشاهدة مسلسلات رعاة البقر من خلال التلفزيون الحكومي، وفي نزعته الى تقييم الناس فقط على أساس قدرتهم على تشريف البلاد من زاوية وطنيته الأكثر تعصباً. وقد كان الابن "عبد الواحد" أشد كفراً من شوفينية الأب، والذي ينال أعلى درجات الاستحسان الأبوي بأعلى كلفة، بأن دفع حياته ثمنا في الحرب مع إيران، وهو ما لم يحدث لأبناء عجيل الآخرين، وكان عليهم ان يدفعوا ذلك من خلال غضب الأب الدائم وعدم رضاه. ومنهم "قاسم" الفنان البائس الذي تربطه بزوجته علاقة حب عنيفة، هذه العلاقة التي منحت الرواية الكثير من الشفافية واللحظات الرومانسية. أما البنت الوحيدة في العائلة "وردة"، فتبدو شديدة الاستقلاليّة وكأنها تنتمي الى عائلة أخرى، رغم أنه كان من الواضح اقترابها من "قاسم".
تتمركز الرواية حول العلاقة ما بين "قاسم" و"عجيل"، ففي لحظة بالغة الظرافة يطلب "عجيل" من "قاسم" بأن يرسم له بورتريه لـ"القائد" على جدار منزلهم، فيخيّب الأخير رجاء والده، لأنه يعي مدى خسّة ونذالة هذا القائد ورجاله، ولكي يداري خاطر أبيه يستبدل رسم صورة "الرئيس" برسم لوحة للعراق نفسه: خارطة حمراء مع نهرين أبيضين يجريان عبر قلب أخضر كبير. هذه اللوحة التي تكشف مدى حب قاسم لبلاده، وليس لحكامها، وتكشف عمق امتنانه للبلاد، وسعة تراجيديا الحياة فيها: حيث الأحمر هو دمها، وبياض دجلة والفرات هو دمعها، بينما يرمز القلب الأخضر الكبير إلى عظمة الحب المكنون لها، وإذا ما أُخذت معاً فهي ستشكّل ألوان العَلم العراقي (باستثناء الأسود الذي ستضيفه "وردة" لاحقاً بعد الاستئذان من "قاسم"). يختلط الأمر على "عجيل" حالما تسقط نظراته على اللوحة للمرّة الأولى متسائلا في سرّه عن السبب الذي جعل الأرض حمراء وليست خضراء؟ ولم ينتظر "قاسم"، أن يُصدم أباه من ذلك، فراح يبرّره بمذاق اللون الذي يمنح اللوحة إحساساً فنياً أفضل، ليثبت له بانه هو الرجل الذي أراده. لقد كان المشهد سياسيّاً ونفسيّاً مركباً، ميّزها "الرملي" بشكل متفرّد، في عرض ديناميكي جمع الأب والابن، في التقاطة جميلة، خجولة، في مشهد له مذاق عالمي.
ويأتي تجنيد "قاسم" ليشكل حلقة فاصلة، فهو لا يريد الموت في حرب لا يؤمن بها، أما بالنسبة لـ"عجيل" فيعتبر هذا مما لا يمكن غفرانه، ولهذا هدّده من انه سيتبرأ منه حتى الموت إذا لم يلتحق بالجيش، وقد أخبره "قاسم" من أنه سيكون شاهداً على إعدامه، وهو ما يصفه الكاتب بتعاطف شديد وحس إنساني قوي:
" أراد قاسم أن يوضّح لأبيه أموراً كثيرة، أو أن ينظر في نظاراته العزيزة نظرة أخيرة ويعتذر منه عن سيل أحزانه القادمة، أو يُلمح إلى انعدام الفرق بين مقتله ومقتل عبد الواحد، فالقاتل واحد والدافع واحد، ومدير الشرطة الذي منحه وسام شجاعة عبدالواحد هو ذاته الذي سيأخذ منه ثمن رصاصات إعدام قاسم ويكتب على تابوته "خائن".
يتمنى قاسم هنا، قبل إعدامه، في أن يحصل على مسامحة أبيه وغفرانه، إضافة إلى رغبته بانتقاد إيمانه الأهوج بالسياسيين. وتحتدم عاطفيّة المشهد وتأمليّته عندما يتجاهل "عجيل" الرجاء الأخير لولده، ولا يمنحه غفرانه، حتى بعد مقتله، وهو أقصى عقاب سيعيشه الأب نفسه من جراء طاعته العمياء لـ"قادته". وعند نهاية الكتاب يستنتج عجيل مستغرباً بأن كليهما، عبد الواحد وقاسم، يحملان الدم نفسه، وهو دمه هو بالذات ".. وجَعه يتكرس كلما أطال النظر إلى الصورة التي يبصر فيها وجه قاسم أحياناً.. الولد البِكر الذي بشر مقدمَه عجيلاً بسلامة رجولته، إلا أن موته الآن بهذه الفجيعة يضعه على تقاطع الحواف الحادة: بين عبدالواحد وقاسم، أيهما الذي..؟ أسئلة.. أسئلة ولا يعرف ماذا يقول.. تستعصي التعابير كعادتها في حنجرته الموخوزة.. كلاهما من صلبه، فيعاود النظر إلى الخريطة الحمراء التي أخذتهما معاً.. وإلى شكل الأخذ؟؟.. النتيجة: أنها أخذتهم، فتدمع عيناه ويسيل خيط الدم من تفاحة آدم (..) رسمَت وردة بحافة خبزة محترقة سهماً أسوداً على الخريطة اخترق منتصف القلب الأخضر وقلب الوطن الأحمر.. أنزلت السهم بعنف ولوعة، وما أن وضعت رأسه المدبب حتى سمعت خلفها هتاف والدها: "نعم.. نعم فهمتُ يا قاسم". التفتَت إليه، كان يمد إصبعه باتجاه اللوحة، يرفع رأسه كأنه يحاول النهوض، ركضت نحوه لتساعده لكنه أشار لها بتركه.. ازداد بعدها صمته ونزيف إبرته وذوبانه التدريجي يوماً بعد آخر حتى تماهى بعدها في فراشه ومات.. فكان خفيفاً أبيض، كحمامة بيضاء ميتة، حين حملوه ليستقر بجوار قبور أبنائه".
يبدو جلياً، من مختلف مفاصل الرواية، بأن كاتبها ينتقد ويفضح، بجدّية وصرامة، نظام صدام حسين وحكمه، وجاء ذلك في سياق الرواية وبشكل غير مباشر، ويبدو واضحاً من الدمار الذي لحق بعائلة محمود بكل تلك القسوة، فـ "الفتيت المبعثَر" في النهاية، هم هؤلاء المواطنون الذين سحقهم قادتهم السياسييّن. ويتضح ذلك أيضاً في المشهد الأخير من الرواية، حيث قاد حقد "وردة" على الـ "القائد" جرّاء قتل أخيها، للارتباط بـ"إسماعيل" ناسِك القرية، الذي تشاركه فقط بكرهه للديكتاتور، وهي إشارة إلى الارتباط الحاد ما بين السياسي والشخصي في بلاد يتدخل فيها التأثير السياسي حتى في غرف النوم. هكذا نرى "وردة" و"إسماعيل"، في ظهورهما الأخير في الرواية، يتخيّلان انتقامهما من "القائد" حتى وهما يمارسان الحب.
ربما يكمن الضعف الأبرز في "الفتيت المبعثر" في بحث الراوي عن ابن عمته "محمود". فلم يوضح لنا بشكل كاف أسباب بحثه عنه، ولا نعرف الدور الذي يلعبه "محمود" في قصة العائلة، وبالنتيجة، لا شيء هناك يتطلب وجوده، وليس هنالك من شخصيّة محددة له ليكمل ملامحها، أو يعرّف بغيابها او يميّزها. الراوي يصف بديله بـ"اللا شيء"، "كظل للشخصية" أو أحد ما، إلا أن "حضوره لا يمثل شيئا" حتى أن الراوي يعترف بانه "ليس هناك سبب حقيقي للبحث عنه وإيجاده في البلاد الغريبة". وكذلك فصول الرواية التي لا تمت بصلة إلى محمود. كما تبدو البداية فقيرة، وغير مرسومة بشكل جيد وهو ما أشك بأنه سيدفع بعض القراء الى تركها، وهو ما سيكون حكما متسرّعاً وغير مناسب بالتأكيد، لأن أغلب الكتاب يتناول عائلة محمود خلال الحرب العراقية الإيرانية. ولعلّ "الفتيت المبعثر" تميّز نفسها عبر شيء هو أكبر من شهادة سياسية أو من مجرد فضول ثقافي.
وبما أن أغلب الحديث عن العراق هو ذو طابع سياسي، فمن الممكن أن يُقرا هذا العمل من زاوية المؤثرات السياسية، وإدانة صدام حسين، ولا شك بأن الطبيعة المرعبة لنظام صدام حسين كانت واضحة في مفاصل الرواية. ولكن كلّ منا بات يعرف ذلك، وإذا ما كانت "الفتيت المبعثر" لم تقم بأكثر من تأكيده، فإنها لن تكون أكثر من مجرد رواية، ولحسن الحظ بأن الكاتب قد ذهب بنا لأبعد من ذلك، فهي رواية تضيف تمثيلاً متجسّداً من لحم ودم يضاف للهيكل الذي نعرفه عن الشعب العراقي. لقد رسمت لنا "الفتيت المبعثر" الدكتاتور من خلال معضلات عائلة حقيقية عانت من حكمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هارولد برازويل: كاتب أمريكي، والمقال منشور في Powells Books
------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 1938 بتاريخ 12-13/10/2004م. بغداد. وفي مواقع ثقافية أخرى.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=25372

قراءة / طاهر عبد مسلم



الوعي المأزوم في رواية (الفتيت المُبعثَر)

كاتب ينشغل بملفات سبعة أشقاء مأزومين

طاهر عبد مسلم

في قراءته للنص يذهب (بول ريكور) إلى أن بني النص ما هي إلا أطوار من المحاكاة المتصلة، محاكاة تبني أثرها في ذاكرة القارئ وهو يحيل ما يقرأ وما يشاهد إلى جذر وامتداد ما في واقع مفترض. ولذا ستؤول هذه المحاكاة إلي أطوار ما تلبث أن تلتقي عند خلاصات أرسطو في فن الشعر.
من المحاكاة انطلق في استقراء ما للوعي المأزوم استخلصه من رواية الكاتب محسن الرملي (الفتيت المبعثر)...
ومنه أشير إلى تلك الشبكة الكثيفة من العلاقات التي حشدها الرملي في نصه هذا.إذ انه يبني منظومته السردية علي قصدية في تفعيل الصور والتداعيات، وهو ينشغل تماما بالتركيز علي عزلة الكائنات الإنسانية في سياق السرد الروائي ودخول وعيها في دائرة الأزمة. فثنائية الوعي/ الأزمة هي التي تحرك الشخصيات وتحقق دافعيتها.بمثل هذا التأطير كنت أشاهد بترقب واهتمام فيلم (اسم الوردة) لأمبرتو ايكو وليس الرواية.. في الفيلم ذاك ينسحق الوعي هو الآخر في دائرة استلابية، البشر ينحشرون في بوتقة القلعة، ويتشظى وعيهم اشتاتا، ومنهم من هو ممسوخ أصلا و(محال) إلى شكل حيواني، ومنهم من تحولت (الفكرة) عنده إلى مرض اسمه وعي محتقن يكبل الذات والذاكرة. أناس طحنتهم الأزمات في قلعة مجهولة.. كأنه ماسادا غرائبية أو كأنه بيت (سايكو) المغيب المرعب.. أو كأنها مكانية الرفاق في 1984 لأرويل... كل هذه النماذج تلتقي في الوعي المأزوم وفي تحريف الذاكرة وتزييف الزمن والتاريخ وتشويه العلاقات البشرية. ففي وسط ــ اسم الوردة ــ الفيلم يكتشف الفتي المتسربل بذلك الدثار الذي يشبه دثار الشحاذين يكتشف كائنا اسمه المرأة، وكذا كان اكتشاف قاسم لحسيبة في رواية الرملي.. بالطبع أنا لست في واقع مقارنة أو إشارة إلى تناص أو تداخل لكني أقول أن الوعي المأزوم في الأشكال الإبداعية يلتقي في محاكاة دلالية متقاربة لكنها متنوعة زمانيا ومكانيا وإنسانيا.من هذا التقارب نستطلع هذا الجزء من الكون.. قرية الرملي التي يتشكل وعيها تحت محركات ثلاث: الحرب تطول / المقابر تكبر / الشرطة تقبض علي الهاربين.وفي وسط هذا (الفوبيا) الجاثمة علي الكائنات يبحث هو عن خيط يوصله لوعي ما اكثر إشراقا، وهو الراوي الباحث عن محمود.. خلاصا.. الهارب من قريته (ماسادا) المطحونة بالمحن.ووسط هذا أيضا احتشاد الأشقاء السبعة وغيرهم، هؤلاء الذين ينشغل (الروائي) بملفاتهم، ويذهب بهم أشتاتا لتقديم وعيه المأزوم: أنثوية سعدي/ شاعرية قاسم / رقة وردة / قسوة حسيبة / لهو إبراهيم... وهكذا.
وكأنه في سباق مع زمن السرد.. كأنه يريد الخروج من مأزق اسمه ذلك الوعي المختنق المأزوم ولذا فإنه يحشد حركات شخصياته ويغيب إحساسها بالتاريخ ويطمس جدلها الواقعي إلا في حدود انفعالاتها المنفلتة عن زمنها وأي قيد يحكمها ويكون نسيجا من الفولكلور والشجن العراقي والأحزان ورماد الحروب. وحتى وهو يرقب التنوير في ذات قاسم أو حسيبة فإنه ما يلبث أن يرقب شخصياته وهي تتنازل عن وعيها كما هو عجيل وهو ينسلخ من ذات إلى أخري أو كما هم جميعا وهم يشهدون قتل قاسم أو كما هي الأقوال الأقرب إلى الهلوسة والسلوكيات الحيوانية الشاذة لبعض الشخصيات (سعدي) مثلا..
كل هذا الوجود الممزق يحتشد في تلك الأرومة المتداخلة الحلقات.. لعبث في المزج بين تلاوين انطفاء الوعي وبين المستويات الرفيعة من الإحساس بالزمن والناس والتاريخ كما هي فلسفة قاسم وتجليات حسيبة ورؤى وردة..
وبسبب الوعي المثقل بالهزيمة والانكسار لا يتورع الروائي من أن يلبس شخصياته خطابا مباشرا حاميا محتشدا يردده أفراد الأزمة من الخارج، انهم هؤلاء وأولئك من البشر الذين عاشوا المحنة نفسها في شتي قري ومدن الوطن ولهذا فانه يفعل خطابا سياسيا مباشرا أحيانا وهو يلاحق شخصيات من أمثال سعدي لإدانة حالات النظام السياسي العراقي بشكل اقرب إلى المباشرة يخرج عن دوائر الوعي المأزوم إلى مقولات لا تخفي دلالاتها تتعلق بذاك الكائن الشاذ وقد اصبح ذا حظوة وسلطة.
ويكرس الروائي من جانب آخر شخصياته لتكون جوقة شاهدة على الأحداث، كالتعبير عن أفكار عجيل أو مسخ عبود او زواج وردة من رجل يستحق الاحترام.المؤكد أن النزيف العراقي الطويل يستحق جهودا روائية لا تكاد تنتهي.. وتأتي رواية الرملي شاهدة علي ذاك النزيف.. ومن المفرح أن تنال هذه الرواية جائزة من إحدى الجامعات الأمريكية.. ومن المفرح أيضا هذا الاهتمام الذي كرسته (ثقافية) الزمان لهذا المبدع الواعد بالمزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1433 --- Date 20/2/2003
*نشرت في جريدة (الزمان) --- العدد 1433 --- التاريخ 20/2/2003 لندن

الأربعاء، 25 فبراير 2009

قصيدة / عبدالكريم كاظم


سيرة مبتسرة للفتيت المبعثَر

عبدالكريم كاظم
شاعر وكاتب عراقي يقيم في ألمانيا
كيف نمحو من مخيلتنا طيف الطغاة
توطئة

عندما لم يذكر أحدٌ وردة،
آثرتُ الوقوفَ على الشراسة فيها،،
وتركُ ما للحربِ للأوغاد...
حاولتُ اختراقَ جدران الأيام،،
فسالتْ وردةُ على خديَّ دمعةً.
وعلى ألوانِ ـ عَلَم بلادي ـ دماً.
ما لهذا الفتيتُ المُبعثَر، يُبعثر ذاكرتي، يُحيلها مدخنةً؟
وأنتِ في ضيقِ أنفاسكِ، تسترجعين الموتى.
· قاسمُ، ملطخاً بألوانهِ،
· عبدالواحد، متشحاً بهزائمهِ،
· وسعدي، ملوحاً بمؤخرته،.. لمن؟؟.
ها أنا قد أرخيتُ في جوفِ الهزيمةِ ما تبقى من ستائري.
ثم نمتُ،
لا أحتاج ليقظةٍ.
* * *
الفتيت

أيّها المفَـلّشُ بالضربات
ِ.. يا وطني!
ما الذي سيجيءُ من السماء؟
موتٌ جديدٌ، مطرٌ أسودٌ.
وردة...
ها هو حزنكِ المترهل،..
لو تصبرين.. لكنتِ تحدثتِ إلى الجلمودِ وتحديتهِ.
أما أنت.. يا فتيتاً مبعثراً،
فليس هناك سوى،
ليل طويل / ملامح باردة
ووطن... يلمُ يديه كي لا تطاله...؟.
* * *
الطفولة
كنّا صغاراً نتـفيّأ نخلة بيتنا،
ونسيّجَ طفولتنا بالأحلام،
وكانت مدارسنا...
وأمهاتُنا...
ولكن لأيِّ حربٍ ستأخذنا المواسم...
* * *

نزهةٌ مع المتبقي من الفتيت

أيها الجنرال،
هذه حربٌ أم نزهة؟.
كم مرة نحاورُ الرصاصة؟.
كم ستحاورنا هي / الأزمة؟.
كم مرة سيغازلنا ـ عنوةً ـ اللونُ الكاكي؟
كم مرة سننتحبُ؟.
كم مرة تُفرقنا الوحول؟.
* * *
خاتمة
لا معنى للسؤال..
أو الذهــــــــــــــــول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات:
*الفتيت المبعثر: رواية للكاتب محسن الرملي.
*وردة، قاسم، عبدالواحد و سعدي، هم من شخصيات الرواية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 1397 بتاريخ 4/1/2003 لندن، وفي موقع (إيلاف) بتاريخ 9 سبتمبر 2004م.

مقال / عبدالقادر حميدة



"الفتيت المبعثر" للعراقي محسن الرملي

رواية تحكي قصة النفي داخل الوطن
عبدالقادر حُميدة
*نشرت في صحيفة (الشروق) العدد 164 بتاريخ 21/5/2001 الجزائر

قراءة / سلام إبراهيم


الفتيت المبعثر .. لمحسن الرملي

محاولة لرصد حياة قرية عراقية زمن الحرب

سلام إبراهيم


*نشرت في جريدة (المؤتمر) بتاريخ 11-17/10/2002 العدد 324 لندن.

مقال / وديع العبيدي



الاستهلال اللغوي في قصة التسعينيات..

وديع العبيدي

يعتمد النص العراقي الحديث على جملة مقومات وخصائص رئيسية: لغوية واسلوبية ودرامية، ومن تلك الخصائص ما يدعى بالاستهلال الأدبي أو نقطة الانطلاق، تقنية الجملة الأولى في النص.الجملة كائن لغوي حيوي حساس، وأهميتها تكمن وتنبع من كون مملكة القص التسعيني ومنه نصوص محسن الرملي مملكة لغوية ، تلعب فيها اللغة والمفردة والصورة والوقع دوراً رئيسياً في إدارة فن القص وتوجيه مساراته، بدون منازع. إلى حدّ تبدو معه بعض النصوص من البداية إلى النهاية ليست سوى تلاعب حاذق باللغة والمفردة وتوظيفاتها الدلالية والنفسية. وإذا كانت علاقة كل كاتب مع النص تبتدئ من نقطة وعي لحظوي محددة وتتمحور حولها، فأن علاقة الرملي تستند إلى اللغة وتنطلق منها في بناء مملكته القصصية والشعرية. هذه الحساسية التي تكاد تقترب من حساسية صلاح نيازي تجاه المفردة اللغوية ولكن باتجاه غير أكاديمي بحت. تمنح اللغة – ككائن جمالي ودلالي- أن تجد نجسيدها الحيّ هنا. والقارئ يستمتع بجريان نفسه داخل نصوص الرملي دون أن ينتبه أو يعبأ لما يجري أو يفترض أن يجري داخل النص أو عناصر السرد التقليدية مثلاً. فالنص الرملي هو نص لغوي نفسي غني ومنغلق في نفسه وهذا هو سرّ حيويته وشبابه الدائم. أن أحد أبرز معضلات التلقي أن القارئ لا يستطيع أن يعيد قراءة قصة أو رواية مرتين. على فرض أن مثل هذا يتم في ورشة مدرسية تتطلب من الطلبة إعادة قراءة ما سبق أن قرأوه، والمقايسة بين خلاصات القراءة الأولى والقراءة التالية. القراءة الأولى تبقى كشفية استطلاعية يقودها الفضول والملل والرغبة في المعرفة، ولكن القراءة الثانية تأملية متأنية تتجاوز ذلك إلى التذوق الجمالي أو المكاشفة الفكرية والنفسية. القراءة الأولى قد تكون كشفية إلزامية ولكن القراءة الثانية تطوعية فنية. في هذه النقطة يفترق النص الحديث عن النص التقليدي في إطاره العام. ونقطة الافتراق تتمثل بشكل أساس في التقنية اللغوية. ان زمن الجملة الخبرية أو الاستفهامية/ الاسمية أو الفعلية/ ذات الاتجاه الواحد أصبح من الماضي. والتأويل سيد الحداثة.
فن اللغة أو المقدرة اللغوية للكاتب لا يعتمد على المامه الأكاديمي
التأويل في النص هنا بمثابة تطبيقات نظرية الاحتمالات في الاقتصاد الاحصائي. يمنح الظاهرة رقماً لا متناهي من الامكانات. وهذا بحد ذاته يلغي قاعدة التفسير الكلاسيكية التي تحصر قدرة النص في زاوية معينة محددة بطول وعرض وارتفاع على الطريقة القاموسية (الكلمة= معناها)!. بيد أن لعبة التأويل قد تترك النص رجراجاً بمعنى استمرار تناسل المعاني أثناء القراءة وبعدها بحيث تقود إلى حالة من الضبابية والتعمية، قريبة من حالة تغييب المعنى أو الدلالات كلها لصالح البياض. وتلك هي جزء من حالة أو معضلة تقود إلى معاودة القراءة في رحلة البحث عن خيوط المعنى. بالتأكيد يستطيع الكاتب السيطرة على دفة السيلان الدلالي من خلال توجيهه دفة اللغة وطريقة معالجة المفردة. وهنا يلعب الاستهلال النصي، أو تقنية جملة المنطلق دور مصباح ديوجينوس الذي يقود القارئ في نهارات النص. وهو أمر يتفق فيه عدد من الكتاب، مع اختلاف مذاهبهم الفنية ورؤاهم الفلسفية وطرائق معالجاتهم أو فهمهم للغة. وللوقوف على ذلك يتطلب القيام بجولة واسعة في نصوص المتقدمين والمحدثين لاشتقاق تلك القوانين والرؤى. الاصطلاحية كأفراد أو تيارات. وتلك في الحقيقة إشكالية مركبة ومعقّدة لأنها تتوالد مع ولادة الكاتب وتتغذى وتنمو وتتمشكل مع اتجاهات ومستويات وعيه وتعددية أنماط الوعي التراكمية. ان فن اللغة أو المقدرة اللغوية للكاتب لا يعتمد أو ينحصر في المامه الأكاديمي باللغة وفقهها، وإلا لكان أولئك سادة النص والأدب الحديث اليوم، كما كان طه حسين في زمانه. واقع الحال يثبت العكس، أن نصوص أولئك تبعث على الملل والرتابة. ان أكاديميي اللغة يعانون إشكالية عويصة في فهم حرية التعامل مع اللغة والانطلاق اللا محدود في اختراق آفاقها وانتهاك مقدساتها، وبالنتيجة تعاني نصوص من السطحية والمدرسية وجفاف المخيلة. الحقيقة أن عددا غير قليل من الأدباء الذين تخصصوا في اللغة والأدب، حصلوا على درجات علمية رفيعة، ولكنهم خسروا مواقعهم كأدباء في الشعر أو القصة أو مجالات الابداع مهما كانت. إشكالية هؤلاء أن مواقفهم من اللغة تحولت من كونها وسيلة للتعبير الدلالي والجمالي إلى هدف، إلى تحفة أو أيقونة مقدسة يدورون حولها ويتبركون بها ويحاسبون (بنقوداتهم) كل خارج أو متجاوز عليها مثل عسس الآداب أو البوليس الديني عند السهو في طريقة غسل المرفقين أو مسح الرأس أو القدم.

الابداع الحقيقي والحرية توأم غير قابل للانفصال
ليس من باب المبالغة أو التمادي في القول أن النصوص الحافلة بالاخطاء اللغوية والاملائية هي الأوفر حظاً بالمعيار الأدبي والفني الحديث من النصوص (المضبوطة) والمشكّلة أواخرها. وعلى العموم، فأن كبار الادباء وسادة الابداع غالباً هم القادمون من مناحي فنية وتخصصات أكادمية أخرى أو بدونها جميعاً. ومغزى ذلك أن تنوع الخبرات والاهتمامات الفكرية والفنية والتقنية يمنح النص ثراء تراكمي غير محدود يتم توظيفه -بشكل واع أو غير واعٍ- لصالحه . ان الابداع الحقيقي والحرية توأم غير قابل للانفصال، ولكن الابداع والخوف فردتا حذاء مختلفتان كما يقول المثل. والتخصص الاكادمي البحت في هذه الحال، ومن خلال التفاني في التجويد والصنعة وتقديس القواعد والشروط يسحب الكاتب من رجليه شيئاً فشيئاً خارج حلبة الابداع إلى حلقة التلقين والاملاء. ولم ينتبه أولئك، - بين أشياء كثيرة- أن تطوير اللغة وتجديدها والاضافة إليها، يقوم به العاملون في مجالات الابداع والحياة الأخرى، وليس أعضاء المجامع الكليروسية. في المرتبة الثانية تلعب الفلسفة أثرها على اللغة ودلالاتها، في ابتداع طرائق الفهم التي تحدد وتنوع أساليب المعالجة، كما تمنح اللغة حيوية متدفقة وأبعاداً منفلتة في التقصي والتهكم والاستبطان. يتردد بعض الكتاب في تنكب مدرسة محددة يقدم من خلالها خطابه النصي، باعتبار أن النزعة المدرسية غدت جزء من التراث الماضي. ان ثقافة الكاتب وصيرورته التكوينية ، فكرياً وفنياً ونفسياً، هي التي تفضي به إلى منهل أو مناهل مدرسة أو مدارس معينة، وبالتالي طرائق معالجة الحدث أو الظاهرة النصية. وفي هذا المنظور تبدو الواقعية السحرية كاكتشاف متأخر ذات هيمنة اسلوبية على كثير من النصوص المعاصرة من خلال التقليد المباشر أّو المعاينة أو المحاثثة لظروف ولادة هذا الاسلوب، المتمثلة بكثير من العوامل والقواسم والظروف المشتركة بين دول العالم الثالث، أو بلدان الجنوب عامة. لا يقدم هذا دفاعاً عن النص العربي أو العراقي قدر ما يمثل انسجاماً مع منطق الظروف الكارثية التي جرّها جنرالات الحرب النرجسيون على العراق وتغييب دور المثقف والحرية.

الكتابة بحد ذاتها افرازاً خارجياً
العامل الآخر في تقنية النص الحديث تاتي من جانب العلوم التطبيقية، ممثلة في علم النفس والتحليل النفسي وتوظيفاته الشائكة في النص الأدبي والسردي تحديداً. اهمية علم النفس الرئيسية تنبع من كون الكتابة بحد ذاتها افرازاً خارجياً لجملة تشابكات واحتراقات وتقاطعات نفسية داخل ذات المنتج للنص. كل فرد هو نتاج بيئته بالمفهوم الاجتماعي التقليدي ولكن كل فرد داخل البيئة الاجتماعية الواحدة والمتشابهة يعاني من مؤثرات وانفعالات وتجاذبات تختلف عن الآخر، بل ان تعدد مستويات وأنماط الاستجابة النفسية لدى بضعة أفراد أزاء المؤثر نفسه، تدفع إلى ردود أفعال متباينة داخل الظرف الواحد وتجاه المشكلة الواحدة كما يحدث مثلاً في مواقف الجنود واستجاباتهم المتباينة تجاه ظروف الحرب أو أزاء ظروف الاعتقال السياسي. فحالة الحرب أو السجن أو الانهيارات الأرضية تنتج نمطاً محدداً من السلوك المضادّ في الاطار العام للكارثة، (حالة السلوك الاجرائي حسب يونغ)، ولكن داخل هذا الاطار ثمة تدرجات لونية وقوس قزح نفساني ينعكس داخل الذات الكاتبة ويتكشف داخل النص. فكل كاتب، إذن، ينطلق في توجهه الكتابي، مثل السياسي والعامل والتاجر والمعلم، من دواقع نفسية تربوية وتكوينية واعية أو غير واعية، في توجيه سلوكه وفكره تجاه نفسه والمجتمع والعالم. على المستوى الآخر، وهو أكثر ما يعنينا هنا في النص الحديث، هو منهج التحليل النفسي الذي يستخدمه الكاتب في رسم الشخصية أو استبطان الظاهر والحدث في خطابه الأدبي. وهو الجانب الذي بقي مهملاً لدى طائفة كبيرة من الكتاب العرب، قبل الوقوع عليه لدى الاجيال المحدثة، نتيجة التأثر والمعايشة المباشرة والاتصال بالسردية الغربية. وقد شكّل هذا أحد مقومات وأسباب التعدد الدلالي والبناء المركب للنص.
----------------------------
*نشرت في صحيفة (الصباح الجديد) بتاريخ 10/1/2009م بغداد.

حوار 2003 / خالد كاكي


حوار مع الكاتب العراقي محسن الرملي

بمناسبة نيل الترجمة الإنكليزية لروايته (الفتيت المبعثر )
على جائزة ( أركنسا الأمريكية) للكتاب العربي

حاوره في مدريد / خـالد كاكي

س/ هل يحن محسن الرملي إلى عراقٍ ما.. ليكتب بلغة أخرى؟.
ـ حنيني إلى العراق يكاد يشكل في روحي حالة مرَضية، فقد كنت أحن إلى (عراق ما) حتى وأنا داخل العراق نفسه.. ويبدو أنني سأبقى مصاباً بهذا الحنين حتى موتي، سواء بقيت بعيداً عنه أو عدت إليه. أما عن اللغة فإنني أحاول بوعي أن أجعل لكل نص أكتبه لغته الخاصة به، أسعى إلى عدم تكرار نفسي أو لغتي ذاتها في كل نصوصي وإلا فما فرق نص جديد عن آخر سابق له إذا لم تكن اللغة مختلفة؟ ذلك أن النص القصصي ليس مجرد حكاية.. أدرك بأن مسعاي نحو الاختلاف عن نفسي في كل نص جديد هو نوع من المغامرة.. أي تجريب أسلوب آخر غير الذي نجحت فيه.. ولكنني على استعداد لتقبل الاخفاقات أيضاً بدل الركون إلى أسلوب واحد.
س/ ظهر مصطلح (نص) إلى سطح الشعر منذ وقت غير قصير، فقيل (نثر شعري ) و(شعر منثور).. هل لقصتك (نص) ها أيضاً، بعيداً عن قوالب الرَوي المعروفة؟.
ـ إن مصطلح ( نص) قد جاء بالنسبة لنا (رحـمة) إذا جاز التعبير، لأنه يزيح عن كاهلنا إشكاليات التسميات التقليدية، ويتيح للكاتب العمل بحرية وصدق دون التفكير بالخضوع إلى قوالب مدرسية سالفة ويفتح آفاق التجريب، وفيما يتعلق بالقصة رافق هذا المصطلح تسمية (قص) أيضاً، وهو أكثر اتساعاً من القصة ذلك إن كل شيء هو (قص) بالنسبة لي، الحديث اليومي والمكالمة الهاتفية وعلاقات الكلمات ببعضها وحتى علاقات الأشياء ببعضها البعض. إننا طوال اليوم نروي عشرات القصص وأرى كل إنسان بـمثابة مجموعة قصصية تمشي على قدمين.. دائماً ثمة بؤرة حكائية في كل ما نقول وما نسلك وما نكتب بما في ذلك الشعر، فإننا نجد في كل قصيدة بذرة حكائية وأحياناً نجدها حتى في الجملة الواحدة.. وهكذا فمع كل ما يتيحه مصطلح (نص) أو (قص) فإننا دائماً بانتظار مصطلح آخر أكثر منه سعة وانفتاحاً، وسيظهر حتماً.. لنقوم بانتظار غيره وهكذا ، لأن طبيعة الإبداع تتطلب ذلك.. التطلع للجديد والتوسع والابتداع والتجاوز.. كل هذا جزء من روحيته.
س/ بحكم إقامتك ما يقرب من عشرة أعوام تقريباً في أوربا (أسبانيا)، هل رأيت الأدب العربي يتصدر واجهات المكتبات.. أو قوائم (الأكثر مبيعاً )؟.
ـ لا للأسف، فالكتاب العربي يكاد يكون غائباً تماماً عن واجهات المكتبات الغربية.. بل وحتى غائباً عن رفوفها الخلفية. فالكتب التي تتناول قضايانا الأدبية والإسلامية، هي ما يكتبونه هم أنفسهم عنّا. وعلى صعيد الأدب فحتى نجيب محفوظ لم يستطع – بعد جائزة نوبل- احتلال واجهات المكتبات.. إنهم في الغرب يرون ما يريدون، لذا فإن الناجح من الأدب العربي بينهم هو ذلك الذي يأتي وفق رؤيتهم أو يأتي عن طريق قنواتهم وجوائزهم ومثال ذلك أمين معلوف والطاهر بن جلون اللذان يجيدان مخاطبة القارئ الغربي ويعرفان كيف يـمسان ذهنيته وذائقته.
س/ إذن تعتقد أن الكتابة بالأسبانية مثلاً كانت ستفتح لك أفقاً أو كوّة لتعرّف القارئ الأسباني بثقافتك العراقية والإنسانية بشكل عام؟.
ـ كما تعلم فإن أسبانيا جزء من الغرب الذي تؤثر فيه وسائل الإعلام والأحداث التي تبرز في الأخبار، مثال ذلك إنهم راحوا يبحثون عن أي كتاب أفغاني لكي ينشروه أيام الحرب على أفغانستان. إن الكتاب هنا خاضع لحركة السوق اليومية المتسارعة وهذا شيء مؤسف. إنهم لا يتذكرون ولا يتساءلون عن الأدب العراقي مثلاً، إلا عندما يصبح العراق محط أنظار العالم لتوقع حرب ضده.. هذا ما يحدث فعلاً للأسف فعلى الرغم من أنني أعيش في أسبانيا منذ عشر سنوات والعراق يعاني خلالها حصاراً وقحاً إلا أنهم لم يترجموا عن أدبه شيئاً، فيما تتصل بي الآن أكثر من دار نشر لطبع نصوصي. إذاً فكما ترى لم يكن المعيار ثقافياً أدبياً بحتاً وإنما هو السوق، الأمر الذي لا يجعلني أثق بتقييم من هذا النوع وإنما أسعى إلى مدخل آخر لطرح أعمالي بالأسبانية يرتكز بالأساس على خصوصيتي الثقافية كعراقي وعلى خصوصية كتابتي كأديب يعالج قضايا إنسانية. الإبداع الحقيقي سيفرض نفسه في نـهاية الأمر مهما كانت اللغة التي يكتب بها، ومسألة الصدق جوهرية جداً عند القيام بأي عمل لأنها المدخل الحقيقي للوصول إلى الآخر وكسب ثقته.. لذا لا أتفق مع أولئك الذين يقومون بالافتعال في محاولاتهم للتكيف وفق رؤية الآخر عنا، أي يكتبون ما يريده الآخر وما يعزز رؤيته السابقة عنا، وإنما أرى بأن نواصل اقترابنا من أنفسنا أولاً ونتعامل مع قضايانا ومناخاتنا وثقافتنا بصدق حقيقي وأن نكتب ونصف همومنا وأحلامنا دون التفكير مسبقاً بأن قارئاً أجنبياً سيقرأنا.. وهذا الأمر ـ كما هو معروف ـ هو ما نسميه بالمحلية التي تقود إلى العالمية، فماركيز مثلاً لم يكن يفكر بالقارئ الفرنسي أو الأمريكي عندما كتب مائة عام من العزلة وطاغور كان يتنفس الهواء الهندي في كتاباته.. وهكذا فإن صدقنا مع أنفسنا وكتابتنا عما نعرف هو المهم وهو الذي سيرسم هويتنا الخاصة وبالتالي يمنحنا قيمتنا وثقلنا الحقيقي.. أي أن نقدم للآخر رؤية مختلفة للأشياء، وإلا فماذا يعني أن تكتب رواية تدور أحداثها في مدريد وبطلها أسباني له همومه الأسبانية؟. وحتى لو حاولت ذلك.. فما الجديد الذي ستقدمه؟ مهما حاولت فإنك لن تكتب عن الأسباني كما يكتب الأسباني عن نفسه.
س/ كيف الدخول إلى قلب وعقل الفرد الغربي من خلال الكتابة بالعربية؟.
ـ الغالبية من القراء الأسبان هم من النساء وهن عادة ما يتأثرن بالإعلانات وبالموضة ويبحثن عن الأعمال غير العميقة أي تلك التي يمكن قراءتـها في المترو وفي الباص وعلى ساحل البحر في العطلة، لذا تجد أكثر الروايات مبيعاً هنا هي التي تتناول قضايا الحب والتفاصيل الحياتية اليومية.. وما تكتبه النساء أكثر مبيعاً من كتابات الرجال. وفيما يتعلق بقراءة الأدب العربي فهي تكاد تكون معدومة باستثناء روايات الـ(بيست سيلر) لأسماء غير معروفة تتناول عالم الحريم والنساء المضطهدات والمغتصبات في الشرق.. وهي أعمال ليس لها قيمة أدبية حقيقية، وعندما تُحدث الأسباني عن الأدب العربي سيذكر لك (ألف ليلة وليلة) ولكنهم لم يقرأوها ولا يعرفونها حقاً باستثناء ما كونوه عنها من أفكار عبر الحكايات الشعبية وأفلام سينما الستينات. إنه أمر مؤسف يا أخي فلا بد من تحرك ما، أو البحث عن صيغة نضع من خلالها أدبنا في متناول القارئ الغربي.. وهنا أعني مسألة الإنتاج والتوزيع والترجمة والإعلام.. أكثر مما أعني النص الأدبي كإبداع، فلدينا أعمال مهمة جداً ورائعة في ثقافتنا العربية.
س/ علمت إنك تعد رسالة دكتوراه عن أدب (ثيرفانتس) في جامعة مدريد المستقلة، وبالتحديد (التأثيرات الإسلامية في رواية دون كيخوته).. ما هي حقيقة الأصول أو (المسودة) العربية لهذه الرواية؟.
ـ كل الدراسات (الثربانتية) تتفق على أن مسألة المخطوطة العربية لـ(سيدي حامد) التي أشار إليها (ثيربانتس) في روايته إنما هي مجرد تقنية أدبية أعتمدها في بناء عمله وهي تقنية كانت سائدة في آداب القرون الوسطى، وحتى الآن لم تظهر أية دراسة تؤكد عكس ذلك. ثم أن (ثيربانتس) سجل في روايته الكثير من حياته الشخصية هو. عدا هذه المسألة فقد توصلت في بحثي إلى نقاط تأثير كثيرة للثقافة الإسلامية والعربية في (الدون كيشوته) سأطبعها لاحقاً في كتاب.
س/ هل حلمت ببغداد هارون الرشيد والمأمون؟ وهل ترى إن الكاتب آنئذ كان يكتب بحرية؟.
ـ ما أحلمه دائماً لبغداد هو السلام لتكون داراً للسلام حقاً وليس بالاسم فقط، وأحلم أن نقيم في بغداد ، على شاطئ دجلة مدينة متكاملة فيها مبان وأجواء ألف ليلة وليلة.. شيء ما شبيه بمدن (والت دزني) يدخلها الزوار بالملابس العراقية القديمة ويتعاملون فيها بعملة خاصة وفيها سوق للوراقين ومسارح ومكتبات بحيث أن من يدخلها وكأنه يلج زمناً آخر.. صدقني ستكون قبلة للسياحة من كل أنحاء العالم. أما عني ككاتب فلم أحلم بأن أكون من ذلك العصر لأنني راض بكوني أبن عصري هذا، على عِلاته، ولا أعتقد بأن الحرية قد كانت مطلقة آنذاك لأنها لم ولن تكون كذلك في أي مكان من العالم.. دائماً ثمة ممنوعات سواء سياسية أو دينية أو اجتماعية أو ثقافية.. فكم قمعوا من الثورات آنئذ وقتلوا شعراء وأإمة.. الحرية المطلقة لا وجود لها حتى في أمريكا اليوم.
س/ في روايتك (الفتيت المبعثر) والتي هي مأساة عائلة العراق الكبيرة، لازمت شخصية (الإنكليزي) صفة (ابن الكلب) لأنه غازٍ ومحتل .. هل (الإنكليزي) بالنسبة لك (منقب آثار بلا شارب) أو (ابن كلب) دائماً؟.
ـ هذه التسمية جاءت في روايتي على لسان الأب فقط، وهذا الأب فيه الكثير من أبي الذي حارب الاستعمار الإنكليزي، وظل يردد حتى مماته:" كل مشاكل العالم من تحت راس الإنكليز..". والأب هنا هو عيّنة تمثل شريحة وجيلاً كاملاً في بلداننا.. أما نحن الآن فندرك هذه العلاقة ونفهمها بشكل آخر ونشخص معاناة أهلنا حتى اليوم بسب الضغط الغربي علينا واستخدامه للمعايير المزدوجة. إننا نعرف الغربي أكثر مما كان يعرفه آباؤنا لذا فنحن نتعامل معه بشكل مختلف لا يتوقف على شتمه فقط، ولا ننكر بأننا قد تعلمنا الكثير وما نزال من الثقافة الغربية.. ولكننا في الوقت نفسه لسنا بغافلين عما يفعله بنا.. ونسعى إلى تعريفه بخصوصيتنا الثقافية وإلزامه باحترامها.
س/ في خضم السوء الفهم الكبير الذي يلف العالم تجاه العرب والمسلمين.. هل تعتقد أن شخصية المسلم الأصولي تنفع شخصية محورية في رواية؟.
ـ أعتقد أن كل إنسان وكل كائن يصلح لأن يكون محور رواية. وشخصية المسلم الأصولي ستكون حتماً ثرية جداً بسلوكياتها وأفكارها وصراعاتها الداخلية ومع المحيط. أستغرب يا أخي أننا لم نجد في أدبنا المعاصر كاتباً يتناولها بعمق وعن قرب ومن الداخل على الرغم من أننا نعيش معها وهي جزء منا. لماذا لم نجد كاتباً يلتفت إليها كما فعل (نيقوس كازانتزاكي) في تناوله لمواطنيه المتدينين؟ إنه قدمهم بقوة وثقة وإنسانية.. لماذا نشيح بوجهنا عن تفحص هذه العينة من واقعنا؟.. إنني أستغرب بأن مثقفينا يترفعون عن تناول شخصيات كهذه وإذا أشاروا إليها يصورونها سلبية ومتخلفة وساذجة.. فيما أن في الواقع ما يدل على العكس من هذا القالب الذي نفرضه على شخصياتنا المتدينة في رواياتنا. لماذا يتناولها الكاتب الغربي بموضوعية وانفتاح واحترام، فيما نشعر نحن تجاهها بحساسية غريبة تصل بنا إلى حد إنكار وجودها؟.. أتمنى أن أكتب عن شخصية من هذا النوع وطبيعة تعاملها مع عصرنا الراهن.. شخصية شبيه بتلك التي رسمها (كازانتزاكي ) وآمل أن أتمكن من ذلك مستقبلاً.
س/ حدّثنا عن مجموعتك القصصية الجديدة التي تتمحور حول مفردة (القصف).. وهل ستنتظر قليلاً لنرى ما يعده الأمريكان للعراق فتكمل المجموعة؟.
ـ لا يحتاج هذا الأمر للانتظار كي نشهد عليه، فالقصف بمختلف أشكاله قد رافق البشرية منذ البداية وسوف يستمر حتى نهايتها.. وربما تكون النهاية تحت القصف. أما العراق فلم يعش عبر تأريخه الطويل عشر سنوات متواصلة في سلام.. لقد جاءت فكرة هذا الكتاب كمحاولة لفهم العالم وفق النظر عبر مفردة واحدة من مفرداته، لذا أجرب فيه خلط ما هو تأريخي بما هو معاصر وما هو خيالي بما هو واقع. أتبع فيه أحياناً (الكولاج السردي) واللغة الصحفية والأرقام والمصادر.. إنها تجربة تحاول أن تكون مختلفة عن السائد في صيغة المجاميع القصصية التي نعرفها و أحاول فيها استثمار أوسع ما يتيحه لنا فن القص من إمكانيات في التجريب.. لذا، فلهذا الكتاب خصوصيته التي آمل أن تكون جديدة نوعاً ما وأن تحظى باهتمام القارئ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في موقع (ألف ياء) التابع لصحيفة الزمان بتاريخ 23/1/2003 لندن. وفي موقع (كتابات) بتاريخ 25/1/2003م. وفي صحيفة (الاتجاه الآخر) العدد 102 بتاريخ 1/2/2003 العراق.

قراءة / د.صبري حافظ



تجليات المأساة العراقية

بين "الفتيت المبعثر" و"إعجام"

د.صبري حافظ

*نشرت في صحيفة (العرب) بتاريخ17/4/2005 لندن.

قراءة / أحمد فضل شبلول



محسن الرملي والفتيت المبعثر

أحمد فضل شبلول

تنتمي الرواية القصيرة "الفتيت المبعثر" للكاتب العراقي محسن الرملي، إلى ما يمكن أن نسميه أدب القهر (القهر الاجتماعي، والسياسي، والعسكري، والثقافي) أو القهر الإنساني بشكل عام.
وعلى الرغم من تعدد شخصيات الرواية، إلا أن أهم شخصياتها هو الرسام قاسم الذي ابتكر الخط القاسمي، والذي رفض رسم صورة القائد في أكثر من مكان، فتعرض للتعذيب أكثر من مرة، وفي كل مرة يزداد إصرارا على عدم رسمه، وعندما غضب أبوه (عجيل) منه لرفضه رسم صورة القائد لتزين الحفل الذي أقامه أهل القرية لنجاح أخيه أحمد في الامتحان، فكَّر قاسم كثيرا، ثم رسم صورة الوطن كما يراه (صورة حمراء يتوسطها قلب أخضر، وباللون الأبيض رسم خطين هما: دجلة والفرات). ولكن لم يفهم الأب معنى الصورة، وبعد أن أُطلق النار على ابنه تنفيذا لأوامر القائد، بإعدام كل من يهرب من الخدمة العسكرية، فهم الأب معنى صورة الوطن التي رسمها الفنان.
اثنان فقط لا يعرف قاسم رسمهما، بل لم يفكر في رسمهما: شقيقه محمود والقائد. وقد عرفنا لماذا لم يعرف أو لم يستطع رسم القائد، والسؤال المطروح هو: لماذا لم يعرف رسم صورة أخيه محمود"؟ هل لأن محمود ترك العراق ورحل، فنسيه الجميع؟ هل برحيله سقط من نظر أخيه، فتلاشت صورته، ولم يعرف كيف يرسمها؟ لقد رسم قاسم كل شيء قابله في حياته سواء من الطبيعة أو الأشخاص، ولكن عند القائد وأخيه محمود تتوقف الريشة ويتوقف الإبداع، ويعجز قاسم عن الرسم، وعن تذكر الملامح.
لقد دفع قاسم حياته ثمنا لمواقفه الرافضة لرسم صورة القائد، فهل رحيل محمود يعد خيانةً وهروبًا من ساحة المعركة الحقيقية بين القائد والمواطنين الرافضين له؟
هل لم يصبح محمود رجلا يستحق الاحترام، فرفض قاسم مجرد رسمه؟
واحدة فقط كانت تتذكر محمود، هي أمه التي يصفها السارد بالمكرودة (عمة السارد).
ويعلق السارد على هذا قائلا: "ربما لم تكن تتذكره لولا أنه قد كلفها آلام حمل وولادة ومسح لمؤخرته بأطراف قماش المهد حين كان طفلا، وحتى تلك الذكريات عنه تضيع على عمتي بحكم تشابهها مع ذكرياتها عن طفولة سبعة أولاد أوجعوها ثم اختفوا".
***

الرواية مليئة بالشخصيات الريفية العراقية البسيطة والمركبة (معظمهم من أولاد عمته السبعة الذين اختفوا من حياتها، إما بالقتل أو الهجرة أو العمل مع القائد)، منهم (سعدي) الشاذ جنسيا الذي استطاع أن يكون من رجال القائد، وتظهر صورته في التلفاز بجواره، أو خلفه. لقد أصبح من أضلاع القيادة، ومنهم المعتوه (عبود)، ومنهم السيدات اللواتي أشد رجولة من الرجال أنفسهم مثل وردة وحسيبة اللتين تبحثان عن صفة الاحترام في رجليهما. والاحترام هنا يعني الوقوف في وجه القائد وأعوانه الذين أضاعوا البلد.
يقول السارد في مطلع الرواية: "غادرت بلدي متبعا خطوات محمود، باحثا عنه، حالما بان نفعل شيئا ما، ونصبح رجالا يستحقون الاحترام كي تبحث عنا ـ من بعد ـ نساء مثل ابنة عمتي وردة.."
ومنهم عمة السارد وزوجة عجيل، حيث تنصب معظم فصول الرواية على هذه الأسرة المنكوبة التي أصبحت فتيتا مبعثرا، بعد أن دخل القائد حياتهم عنوة، بصوره وخطبه وأفعاله، وتحكَّم في وقائع الحياة اليومية والمحادثات الأسرية لدى أسرة عجيل التي ترمز لكل أسرة عراقية وعربية في بلدها حاكم من أمثال "القائد".
وتبدو الرواية جزءا من السيرة الحياتية لمؤلفها محسن الرملي. فبالإضافة إلى إهداء المؤلف روايته إلى شقيقه حسن مطلك لأنه بعضٌ من هذا الفتيت المبعثر. فقد ورد اسم الرملي أكثر من مرة صراحة في الرواية. بل إنه يعلق على لوحات قاسم وما أسماه بالخط القاسمي في قوله: "أشهد بأنه قد أدهشني باللوحات". بل إنه أحيانا يلجأ إلى بعض التعبيرات أو المصطلحات النقدية التي تدل على أن كاتب الرواية أديبا، وأن له رأيه الأدبي والنقدي فيما يحدث، وفيما يقتحم الرواية من مواقف للآخرين، فهو ـ أي المؤلف ـ ليس مجرد سارد له تجربة.
وعلى سبيل المثال عندما يقدم لنا شخصية سعدي يقول عنه: "هو كعادته حين يطلب رأيه حول أي شيء كان، ابتداء بطعم الشاي وبلا انتهاء عند الحرب أو الدين، فهو أما أن يقول: "هذا شيء حلو" أو "غير حلو" وكنتُ (والضمير عائد على السارد أو المؤلف) أسمي طريقته ـ في إبداء الرأي ـ هذه التي يشترك معه فيها ملايين الناس، بأنها "نقد نسائي" وأحيانا "نقد حريمي" أو حين أتحذلق وأقول "المصطلح النقدي الوحيد في قاموس معيارية النقد (النسواني) حلو أو غير حلو، يعجبني أو لا يعجبني".
تأتي الرواية إذن بصيغة الراوي العليم، أو السارد الشاهد على الأحداث، والراوي لها من على بُعد، من مكان غربته واحتراقه بلظى العودة إلى الوطن، ولكن بعد أن يزول حكم القائد الذي أجبر معظم المخلصين والوطنيين الحقيقيين على الفرار من الوطن، وإلا فالقتل والاعتقال والتعذيب هو الثمن لقول "لا" كما حدث مع قاسم، وكما حدث مع أحد نواب الشعب عندما أعلن القائد قرار الحرب ارتجالا أمام مجلس برلمانه، ولكن عندما اعترض نائب قروي لا يحسن القراءة والكتابة، كانت دهشة القائد تعادل دهشة العالم كله حين رأى كفا ترتفع للاعتراض. قال النائب القروي ـ على مسمع الحرس والنواب وليس التلفزيون ـ إن خلافا حدوديا مع الجيران لا يعني بالضرورة حربا. ثم يذكر السارد أنه قيل إن القائد رحَّب بالرأي وكان ديمقراطيا، فدعا النائب القروي للتشاور برأيه جانبا وأخذه إلى غرفة جانبية في قاعة المؤتمر ـ ربما كانت غرفة الحمام ـ حيث سمع السادة النواب خلف بابها اختناق إطلاقة مسدس. خرج على أثرها القائد يسأل عن آراء مخالفة أخرى، فلم يجد، فأعلن الحرب باسم الشعب ونوابه.
وتمشيا مع أحداث الرواية على هذا النحو يفتتح المؤلف روايته بكلمات للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فيها:
"يريدون إقناع الشعب
كم هو على خطأ
وأن نظرة القائد هي المصيبة
إنها مصيبة .. حقًّا".
المصيبة أيضا تكمن في اختلاف المعايير والأحكام، على مبدأ الوطنية أو الولاء للوطن، فمن يحب الوطن أكثر؟، الذي يحب الحاكم أو القائد، أم الذي يحب التراب أكثر؟.
هنا ينشأ الجدل بين قاسم وأبيه فكلاهما يحب الوطن، ولكن الأب يحب الوطن في صورة القائد، والابن يحب الوطن في ترابه ونخله وناسه.
يقول عجيل لزوجته على مسمع من ابنه قاسم الذي رفض رسم صورة الوطن:
ـ ابنك يا أم قاسم يكره الوطن!
هبط قاسم إلى كف أبيه يقبلها:
ـ لا يا أبي.. لا تظلمني، أقسم لك.. إنني أحب بلدي مثل حبك له ومثل حب جدي.. لكنني أكره هذا الرجل.
ـ تساءلت عمتي: أي رجل؟
فأجابها زوجها: أسمعت؟ يقصد القائد.. وما الفرق؟ القائد هو الوطن، والوطن هو القائد.
ـ لا يا أبي هذا كلام التلفزيون، أما بالنسبة لي فإنني أرى العكس، لقد خرَّب القائد البلد.
ـ يا جبان.. أتسمى هذه الانتصارات العظيمة خرابا .. أنت لست رجلا ولذلك تركت أخوتك في جبهات القتال وفررت إلى حضن حسيبة.
ـ صدقني لم أهرب جبنا، ولكن..
ـ ولكن أنت ابن كلب، ولا تريد أن يكون القائد من أبناء الشعب، وإنما تريده فنانا وإنجليزيا ابن كلب مثلك، أو مثل أخيك العار سعدي.
هذا الحوار هو مغزى الرواية وخلاصتها، وسر كتابتها، فالأب وطني لاشك، وليس من أتباع القائد، ولكنه واقع تحت تأثير الآلة الإعلامية الجهنمية التي يوظفها رجال القائد، والابن وطني أيضا. بل إن الأب، من نسل الجد الذي قتل في يوم ما عسكريا إنجليزيا أيام الاحتلال، فأصبح وطنيا، وأصبح يُطلق ـ عليه في القرية ـ (نشِنن) وهي الكلمة الإنجليزية National ولكن بلكنتها البدوية. ومن ثم أصبح كل وطني في نظر الأب (نشِنن). وعندما رفض قاسم رسم صورة القائد، لم يصبح عند أبيه ولدا نشنن.
ولعل الحوار التالي بين قاسم ووردة يوضح ذلك، ويحمل رأي المؤلف في هذه القضية الوطنية الخالصة:
ـ قاسم: الأمر ببساطة هو: أن أبي يصدق التلفزيون ويعتقد أن القائد يبني الوطن، فيما أرى أنا عكس ذلك.
ـ وردة: كيف؟
ـ يا وردة..! (وكأنه يريد أن يكون الكلام تلميحا فحسب).
ـ كيف ؟؟ (ويلاحظ وجود علامتين للاستفهام، وفي المرة السابقة كانت هناك علامة واحدة فقط، وهو أمر له دلالته، في الإصرار على الفهم، وعلى كشف الأمر صراحة وليس تلميحا) وأمام هذا الإلحاح، لا يجد قاسم بُدًّا من الإفصاح.
ـ أبي يعتقد أن المكان أغلى من الإنسان، وأنا أعتقد العكس، والقائد يستغل هذا الاختلاف ليضربنا ببعضنا دون أن تهمه أرض أو إنسان، فلا شيء في هذا العالم أهم من الكرسي عنده.
ـ ولكن هو لا يعرفكما. دعوه في كرسيه وتصالح أنت وأبي. لقد أقلقني منذ تلك الليلة هذا الحضور الطاغي لذلك الغريب البعيد الذي لم أكن انتبه لوجوده. من هو يا قاسم؟.
ـ إنه كائن دموي يا وردة. يعني حنفيش، سيهلكنا إن لم ينقذنا منه رجل آخر.
ـ من ذلك الآخر يا قاسم؟
ـ لا أدري ولكنه حتما .. سيكون رجلا يستحق الاحترام.
هنا تدرك وردة، الفتاة الريفية الجميلة، أن الذي ترى صوره في كل الأماكن ـ دون أن تكترث بوجوده ـ بإمكانه أن يصبح مثار فتنة بين أبيها وأخيها. (بل قد حدثت الفتنة بالفعل).
***

إن الحكايات الحزينة صارت مملة في العراق لكثرتها، فلكل إنسان هناك مصيبته التي كف عن رويها لأن للسامع مصيبته أيضا. ولكن عندما تأتي هذه المصيبة في صورة فنية، أي في صورة رواية قصيرة تتوافر فيها الشروط الفنية للرواية الخطية التقليدية، فإن استقبالها يكون أفضل، ويكون تأثيرها أقوى. فللفن سطوته على النفوس، والعقول.
وهكذا خرجت رواية "الفتيت المبعثر" التي جاءت مرآة ليس لما يحدث في العراق فحسب، ولكنها مرآة صادقة وعاكسة لأوضاع عدة في أوطاننا وبلادنا متى اعتلى عرشها شخصية مثل القائد في الرواية، أو شخصية مثل الأخ الأكبر في رواية جورج أورويل "1984"، على سبيل المثال.
إن كلا الروايتين يذكراني بنكتة (أو حكاية) مضحكة مبكية معًا أسمعها هذه الأيام، جاء فيها: إن رجلا أراد أن يجامع زوجته، وكانا يتفرجان على التلفاز فظهرت لهما صورة القائد، فقال الرجل: هذه الصورة أمامنا حتى في هذه اللحظات الحلوة، وبصق عليها وأغلق التلفاز، وبدأ يمارس عملية الجماع. وبعد أن انتهى، دخل الحمام، وبعد خروجه، وجد حرس القائد في انتظاره للقبض عليه، فقد عرفوا أنه بصق على صورة القائد، وبعد أن اقتادوه معهم، توجهوا بالشكر إلى زوجته".
أيًّا كانت النكتة أو الحكاية، فهي تعبر بالفعل عن مدى الشك الذي وصل إلى البيوت، وإلى حجرات النوم، وعن المستوى الذي وصلت إليها حالات الخوف والهلع الإنساني، وقد تكون الزوجة فكرت أن زوجها من الممكن أن يبلغ عنها هي، فبادرت هي بالإبلاغ عن فعلته، قبل أن يسبقها.
إن أقسى لحظات الرواية، وأكثرها فنيا وتأثيرا، لحظة أن رفض الوالد الاستجابة لطلب ابنه قبيل لحظة تنفيذ حكم الإعدام، في أن يراه.
رجع الشرطي وقال: "إنه يرفض". فاعتصر الألم قاسم مكثفا في لحظة موجعة. أشد إيلاما من آلام مضت أو ستأتي فاقترب منه الضابط وامتدت الآذان لتسمع: "إذن لا تضيع وقتا، اطلب أي شيء آخر بسرعة".. وهنا تغيم الدنيا في عين قاسم، وبعد فقرة وصفية عميقة بها نوع من تيار الوعي المصاحب لذكريات الطفولة، يهز قاسم رأسه قائلا: "لاشيء".
ويظل البكاء والعويل سيد الموقف، وتمتد الرواية قليلا بعد إعدام قاسم، مبشرة بجيل جديد يستطيع أن يحقق رؤى قاسم وأحلامه، وأحلام الوطنيين من أمثاله: "تزوجت وردة إسماعيل ووعدته أن لا تنجب له إلا أولادا ووعدها أن يسميهم كلهم "قاسم".
وتبقى كلمة أخيرة للمؤلف تحت عنوان "صفر اليدين" يقول فيها بجرأة تحسب له ـ كما عودنا فنيا طوال الرواية ـ:
"هنا في الأصقاع القريبة من غرناطة نتقاسم مع الفلسطينيين النحيب.. نبكي كالنساء على أوطان لم نعرف المحافظة عليها كالرجال (كما قالت أم عبد الله الأحمر ـ آخر ملوك غرناطة في الأندلس)، وكم بصقنا على شواربنا في مرايا الغرب "تـفـو" ثم انتهينا إلى حلاقتها جميعا. لا نجيد غير تسويد الصفحات بصرخات حزينة، فيراودني الشك بأن مصانع تكرير الورق ستكفي لفيض آبار الحكايات في وطني".
حقا إنها رواية القهر في دول العالم الثالث المحكومة بالحديد والنار، وقد صدرت عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة 2000م.
--------------------------------------------
*نشرت في موقع ( ww.middle-east-online.com ) حزيران 2003م القاهرة.
*ونشر أيضاً ضمن: ہ ملخص البحث الذي شارك به الشاعر والناقد المصري أحمد فضل شبلول في مؤتمر غرب ووسط الدلتا الثقافي بدمنهور خلال الفترة من 5/31 إلى 2/6/2003م.
*نشرت في صحيفة (العرب) بتاريخ 1/6/2003م ـ لندن.
*نشر أيضاً ضمن كتاب: (أبحاث المؤتمر الرابع لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، دمنهور 2003).

من مقال / عبده خال



صورة الرئيس المخلوع في

"الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي
عبده خال

ونجد التجسيد الحقيقي لأثر الطاغية على الناس من خلال رواية اتخذت من الريف العراقي فضاء لأحداثها وجعلت من صراع السلطة والمثقف محوراً لأحداثها... نجد ذلك يتجسد من خلال رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي فالمثقف هنا يقاوم الطاغية من خلال رفض رسم صورته في المحافل التي تقيمها القرية وعندما لا يقدر على المقاومة يقوم برسم لوحة للوطن يخترقها نهرا دجلة والفرات ولأن هذا الفنان المارق رفض الرضوخ ومسايرة النظام يمسك به كخائن ليطلق عليه أبوه النار تنفيذاً لأوامر القائد بحجة التهرب من الخدمة العسكرية ويفهم الأب معنى رسم ابنه بعد تنفيذ أوامر القائد، يفهم ذلك حين يرى الشاذين والمنحرفين هم دعامة النظام ورجالات الزعيم!.
--------------------------
*من مقال طويل بعنوان (روائيون عراقيون وسعوديون وكويتيون ومصريونصّوروا الرئيس المخلوع) نشرت في جريدة (الحياة) بتاريخ 25/6/2003 لندن- بيروت.

لقاء 2001 / عبدالغفار سويريجي


الكاتب العراقي محسن الرملي:

نحن الكتاب العراقيون تشغلنا هموم الوطن أكثر من نرجسياتنا الذاتية

التقاه في مدريد: عبد الغفار سويريجي


يقيم الكاتب العراقي محسن الرملي في مدريد منذ موسم الهجرة الجديد. أرغمته متطلبات الحياة على أن يشتغل عاملاً كي يستطيع العيش والكتابة في مجتمع ولغة جديدين.. يقرأ ويكتب وسط ضجيج الهنود والبنغلادشيين والأفارقة والصينيين بوجوههم المتشابهة، حيث يغذي ذلك تجربته وينعش خياله وينسيه آلام الغربة أحياناً ويضاعف من اغترابه أحياناً أخرى.. من أعماله: (هدية القرن القادم) قصص 1995 الأردن/ (البحث عن قلب حي) مسرحيات 1997 إسبانيا/ (أوراق بعيدة عن دجلة) قصص 1998 عمان ـ مدريد.. ثم صدرت روايته (الفتيت المبعثَر) سنة 2000 في القاهرة. هذا إضافة إلى نتاجاته ومشاركاته الأخرى في الصحافة والتلفزيون والسينما والندوات، ومشاركته في تأسيس وإدارة مجلة ودار (ألـواح).. التقيناه في مدريد بمناسبة صدور روايته، وكان لنا معه هذا الحديث:
ـ لنبدأ حوارنا هذا بسؤال تقليدي عن بداياتك: لو سألك أحد أن تُقدم نفسك إلى القراء، ماذا تقول؟.
ـ منذ البداية كنت أتبع خطوات شقيقي الراحل حسن مطلك صاحب رواية (دابادا) الرائعة، ولأنه قد بدأ بالرسم ثم تحول إلى الكتابة، فقد بدأت أنا أيضاً بالرسم وتحولت إلى الكتابة، وأذكر أنه كان يمنحني هدية على كل نص أكتبه، كما كنا نناقش معاً الكتب التي نقرأها، وأحياناً يعطيني فكرة قصة ويمتحن كيفية كتابتي لها، أو نقترح معاً ثيمة قصة يروح كل منا بكتابتها لنقارن بعد ذلك كيف تناولها كل وفق رؤيته وأسلوبه. أما عن كيفية تقديم نفسي، فبما أن التقديم للقراء فإن الذي سيعرف بي هي كتاباتي بمختلف أشكالها، حيث تتوزع بين القصة القصيرة والمسرح والرواية والمقالة، كما أن لي تجربة في كتابة السيناريو، حيث أنجزت سيناريو طويل باللغة الإسبانية فاز مع عشرين سيناريو آخر بدعم من الاتحاد الأوربي لتطوير السيناريو من بين 350 سيناريو مقدمة، وما زال صديقي المخرج والمنتج الإسباني أنطونيو كونيسا يبحث عمن يساهم في إنتاج هذا الفلم، هذا إضافة إلى المحاضرات التي أقدمها بالعربية والإسبانية، ومازلت أواصل مع صديقي عبد الهادي سعدون مشروع إصدار مجلة (ألواح) ومنشوراتها، إضافة إلى الترجمة والدراسة في الجامعة.
ـ أسست أنت والعراقي عبد الهادي سعدون مجلة فكرية وأدبية في مدريد، كيف بدأت تجربة (ألواح) وما هي آفاقها؟.
ـ حين وصلنا إلى إسبانيا بحثنا عن مناخ أو نشاط ثقافي عربي نمارس من خلاله فعالياتنا، وبما أننا لم نجد، فقد قررنا خلق ذلك بأنفسنا وتأسيس مشروعنا الذي راح يتسع ليربط بين المبدعين الشباب بوجه خاص، بين كتاب الداخل والخارج من العراقيين، وبين مبدعي المشرق والمغرب من العرب، وبين العرب والمستعربين من الأسبان، إضافة إلى استيعابه لمختلف التجارب والأسماء بغض النظر عن توجهاتها السياسية أو مواقفها الشخصية التي هي خارج النص، فقد بدأنا وما زلنا نحتكم إلى النصوص أكثر من الاحتكام إلى الأسماء والأيديولوجيات.. ونعتقد بأن ألواح، وبعد أكثر من أربعة أعوام من مسيرتها، قد حققت الكثير عبر المجلة وسلسلة المنشورات.. بشكل فاق توقعاتنا وزاد من مسؤولياتنا وجهودنا أيضاً.. وما زلنا نطمح إلى فعل المزيد.
ـ كتبت القصة القصيرة والمسرح والمقالات، وها أنت تنشر روايتك الأولى (الفتيت المبعثَر)..؟.
ـ لاحظ بأنها كلها أجناس نثرية شديدة التقارب، ومادتها واحدة ألا وهي اللغة، أي مثل النجار الذي مادته الخشب يصنع منها أكثر من تجسيد مختلف. وعموماً فقد ساد الآن التوجه نحو النص المفتوح وتم تجاوز الكثير من الحدود بين الأجناس الأدبية، وتبقى الرواية هي أكثر هذه الأجناس مرونة وديمقراطية وأمومة وانفتاحاً وقدرة على ضم واحتضان مختلف الأجناس الأدبية وأكثر تقبلاً للتجريب، ولابد أنك قد لاحظت أيضاً في روايتي شيئاً من ذلك حيث وظفت فيها الشعر المعاصر والشعبي والحوار المسرحي والالتماعات القصصية وأحياناً حتى الخطاب الصحفي المباشر.. صحيح أنني أعشق القصة القصيرة ولكنني أزدحم بمناخات روائية يصعب على القصة القصيرة استيعابها. ولم تكن (الفتيت المبعثَر) هي محاولتي الروائية الأولى ولن تكون الأخيرة.
ـ كتبت العديد من القصص ثم انتقلت إلى الرواية، ويلاحظ بأن هذا الجنس (القص) الذي أقمت داخله لعدة سنوات، مازال (يحشر) نفسه في عالم الرواية.. ما رأيك؟.
ـ بالفعل يمكن ملاحظة النَفَس القصصي في روايتي هذه بشكل كبير، وذلك عبر التكثيف الشديد والإيجاز وطبيعة الجملة وإيقاعيتها، والاكتفاء بالعرض الجزئي أو التلميح في تقديم الشخوص.. إلخ. ولكن لا بأس في ذلك، وفق ما سبق وأن تحدثنا عنه حول ميل الأجناس إلى التمازج والتفاعل لا إلى الانفصال، وتقبُل الرواية لشتى التجارب. ويسرني أن تسجل هذه الرواية لنفسها بعض الملامح الخاصة.. حتى وإن كان ذلك بطبيعة قربها من القصة القصيرة أو حرصها على الإيجاز، وهذا عائد أيضاً لحسبان عدم ميل القارئ اليوم نحو قراءة الأعمال الطويلة، وإلى افتراض تقدم وعيه الذي لا يحتاج إلى إغراقه بالشرح والتفصيلات.
ـ يلاحظ أيضاً بأن اللغة تستعصي أحياناً على جمع شتات الذاكرة، أو تتعايش المفردة وأضدادها في الجملة الواحدة، فهل يعود ذلك إلى تجربة المنفى، أقصد نص الخارج؟.
ـ لا أعتقد بأن هذه السمة تنحصر على نصوص الخارج، وإنما نجدها في النصوص القادمة من داخل العراق أيضاً. وربما يعود ذلك إلى فداحة وهول الحال العراقي ومرارة الظروف التي مر بها العراق ومازال يعانيها، أي أن القضية التي يرغب الكاتب في التعبير عنها تفوق إمكانياته وأدواته اللغوية في أغلب الأحيان، مثلما يحدث عسر هضم في معدة تُحشى بما يفوق سعتها، إضافة إلى عدم توفر الاستقرار الحياتي والنفسي الحقيقي للكاتب العراقي، لا في الداخل ولا في الخارج. وكما تعلم فإن الرواية تحتاج إلى نوع من الاستقرار الذي يتيح التأمل واستجلاء الرؤية والمعالجة. وفي روايتي هذه تعمدت إيصال هذا الاحتباس بالصراخ وحيرة التعبير والتشتت، كما يدل على ذلك عنوان الرواية ويبرز في أسلوبها وفي شخصية الأدب.
ـ الشخوص مرايا لحياة الكاتب وحيوات المحيط.. ربما كان الكاتب محسن الرملي يتخفى تحت ظل الشخوص، نراه يحتمي حيناً بشخصية الفنان قاسم، وتارة يسكن طيف شخوص أخرى؟.
ـ على غير ما يمكن أن يُتوقع بأن تحمل الرواية أو الروايات الأولى السيرة الذاتية للكاتب أو أكبر قدر منها، فإن الهم العراقي لم يتح لنا الاعتكاف على ذواتنا والتمركز حولها، لأن قضية الوطن العراق بكل مكابداتها وأوجاعها قد هيمنت على النصوص العراقية الحالية، وهذا أمر طبيعي ويعين في محاولة الفهم ويخدم في التسجيل والأرشفة، إضافة إلى إيصال صرخات المرحلة إلى أبعد ما يمكن. وعموماً فنحن الكتاب العراقيون تشغلنا هموم الوطن أكثر من نرجسياتنا الذاتية. وفي روايتي هذه لم أكن إلا الراوي نفسه وهو يتحدث عن عائلة ترمز للعراق، مزقتها الحروب وفتتها بين الموت والمنفى والإقامة المُحاصَرة بالحزن والقهر والإحباط.. إلا أن الحلم بالخلاص سينفرد بالنهاية واضحاً. وعليه فإن المرايا التي أشرت إليها إنما وضعت لتعكس صوراً متعددة عن المحيط أكثر مما تعكس ذات الكاتب.
ـ تعد التجربة العراقية، أعني تجربة العيش تحت رحمة سلطة متحكمة، هي محور الرواية الأساسي. لقد دونت إلى جانب ذلك تجربة المعيش في فضاء مغاير لفضاء مكتوب عنه، أقصد فضاء عملية الكتابة في مدريد. ربما لأن هذا الفضاء قد شكل هامشاً من للحرية من أجل جمع فتيت العائلة/العراق.. المبعثَر؟.
ـ ما تزال الروايات العربية المكتوبة عن السلطة المستبِدة أو الدكتاتوريات قليلة، وخاصة إذا ما قارناها بروايات أمريكا اللاتينية عن هذا الموضوع والتي تتجاوز الثلاثة آلاف رواية. أما عن مسألة الحرية فإن الكاتب.. أي كاتب وفي أي مكان يستطيع أن يكتب بكل حرية ولكنه لن يستطيع أن ينشر كتابته بكل حرية في أماكن معينة وتحت ظروف معينة. وهنا فإن هامش الحرية الذي أتاحه لي الفضاء الجديد هو حرية نشر ما أكتبه إضافة إلى إتاحته لي فرصة النظر من الخارج بوضوح إلى ما كان معتماً في الداخل. وبالنسبة لروايتي هذه فيحضرني وصفاً أطلقه عليها الناقد الدكتور أحمد خريس، أجد فيه الكثير من الصحة، حيث قال بأنها " رواية تحريضية ". ومن هنا يمكن موافقتك ـ إلى حد ما ـ على القول بأنها تحاول في نهاية الأمر تجميع الفتيت المبعثَر.. وإن كانت غايتها الأولى هي وصفه أكثر من حرصها على لملمته، لأن هذا الأمر لا يتعدى كونه حلماً فيها، بينما تبقى مهمة توحيد الفتيت العراقي المبعثر لسبل ووسائل وجهود أخرى هي خارج مسؤولية الرواية.
ـ باعتبارك أحد الكتاب العراقيين الشباب، كيف ترى حال الثقافة العراقية الآن؟ وكيف يتعايش الكتاب الشباب داخل العراق وخارجه؟.
ـ وسط هذا الخراب العراقي الشامل في مختلف الميادين: الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الصحية، النفسية والتعليم.. ربما تكون الثقافة، أو الأدب على وجه التحديد، هو الوحيد الذي ازداد غنى وثراء من حيث غزارة الإنتاج واتساع مساحته الجغرافية وترجمته، ومن حيث الغنى الإبداعي في الأجناس والتجريب وتنوع الثيمات والأساليب والتلاقح الثقافي.. على الرغم من خسارته لما يسمى بالتقاليد الثقافية، أي ما يتيحه الاستقرار من تتابع وتراكم وفرز إبداعي وتوالي متصل للأجيال والمراقبة النقدية.. إلا أنني أرى أن الإبداع أكثر حاجة إلى الحرية والانفتاح والانفلات من حاجته إلى التقليد أو التقاليد المؤسساتية. أما عن علاقة الكتاب الشباب في الداخل والخارج، فهي أفضل بكثير مما كانت عليه العلاقات بين مبدعي الأجيال السابقة، فهناك تفهم وتعاون متبادل بين الشباب المثقفين في الداخل والخارج، وكل طرف أصبح يتفهم ويقدر ظروف الآخر، فقد تجاوزت هذه العلاقة الكثير من حالات سابقة من الاتهامات والصراعات التي غالباً ما تكون أسبابها الحقيقية من خارج الميدان الإبداعي، أي قد تكون شخصية أو سياسية وما إلى ذلك. بينما يوجد الآن نوع من تفهم أوسع وتسامح وتقدير موضوعي لطبيعة الظروف، قادت إلى التخلي، إلى حد كبير، عن التصنيفات السياسية والمواقف الخاطئة والشخصية التي تضر بالأدب والثقافة.. ففي نهاية الأمر إن كل ما يُنتَج في الداخل أو في الخارج لكتاب صفقوا للحكومة أو صفقوا ضدها، كتابات سيئة أو جيدة.. هي كلها نتاج عراقي شئنا أم أبينا، وعلينا التعامل معها واستيعاب ظروفها وأهدافها ومرحلتها، ونقدها سلباً أو إيجاباً استناداً على النص ذاته مع الأخذ بعين الاعتبار زمان ومكان وظروف ولادته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشر هذا اللقاء في مجلة (تموز) العدد 17 سنة 2001 في السويد. وفي موقع (نسابا).

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

قراءة / السيد نجم


الفن . . وطن بديل

قراءة في رواية "الفتيت المبعثر" لـ محسن الرملي

السيد نجم

تقع "المقاومة" بين "الحرية" و "العدوان".. ثلاث دوائر متدخلات، فلا حرية غير مدعمة بمفاهيم المقاومة، ولا مقاومة إلا بأفاعيل العدوان المعززة للحرية. وهى أما مقاومة "إيجابية" أو "سلبية".
أما المقاومة الإيجابية فهي المباشرة بإبراز العنف نحو الآخر العدواني، والمقاومة السلبية بإبراز العنف نحو الذات. ويعتبر "الهروب" بكل أشكاله وتجلياته ضمن عناصر المقاومة السلبية المشروعة.
والأدب العربي المقاومي معبأ بتلك الأعمال الإبداعية نثرا وشعرا. كما تعد رواية "الفتيت المبعثر" للكاتب العراقي "محسن الرملي" واحدة من ذلك النمط المقاومي، وقد نشرت عام 2000م وفازت كأحسن رواية عربية مترجمة عام 2002م. يقيم الروائي حاليا فى المنفى الاختياري له، وقد صدر له من قبل مجموعتين قصص، ورواية، فضلا عن مجموعة مسرحية واحدة.
الرواية بداية مهداه الى فتيت آخر مبعثر.. إلى: "روح شقيقي حسن مطلك لأنه بعض من هذا الفتيت..المبعثر"، وهو إهداء دال وعتبة للنص موحية.
كما رصد الروائي تحت عنوانين "متماثلين تقريبا" لرصد الرسالة التى حرص من أجلها على كتابة روايته. أولا: "صفر الروى" حيث يقول:"نحن المبعثرون فى المنافي لم نختر أماكننا الحالية، وإنما وصلنا إليها اثر انفجارات الدخان فى حجر النار الأزلية، والمترنحون اختناقا لا ينظرون:أية بقعة تطأ أقدامهم!!..". وفي الثانية: رصد الراوي أحواله بعد الخروج "الهروب المقاومى" الى حيث مجتمع تخلع فيه الفتاة الأسبانية بنطالها لتبول على قرب زجاج بوابة المترو ليلة السبت، من أثر السُكر. ثم كانت القصيدة التى ربما استوحى عنوان روايته منها (للشاعر ماهر الأصفر)، حيث تقول:
"بستان الخزف الأمثل
ـ الفتيت المبعثر ـ
آن خلخال نحاس
نحت أقراط نحاس
أن اسم المرأة المثلى
وجسم المرأة المثلى
والقماش.. شفيفين
أن من حولي بعيدون
وكفى معتمة.."
هذا المدخل الذي يعد التفاتاً إلى المناخ النفسي للعمل الروائي، غير منفصل عضويا عنه، بل قد يضيف فى الدلالة والمعنى.
تقع الرواية في عشرة فصول بأرقام من 1 الى 10، تسبقها كلمات الشاعر "قاسم حداد":
"يريدون إقناع الشعب
كم هو على خطأ
نظرة القائد هي المصيبة
إنها مصيبة ... حقاً ".
"قاسم" الفنان التشكيلي (ابن عمة الراوي)، وان كان يقتنص قوت أيامه من إصلاح الأجهزة الكهربية والإلكترونية (وهو جانب إصلاحي غير خاف عن القارئ دلالاتها)، هو واحد من عدد كبير من الأبناء لرجل قتل الضابط الإنجليزي فى شرخ شبابه، ويفهم الوطنية بطريقته، وان اختلف مع قاسم تحديدا فى دلالة الوطن.. فهما معا أبناء أخلصوا له.
الأب "عجيل" (زوج عمة الراوي) وطني بالمعنى الشائع، وربما بالصورة التى ترضى السلطة (أية سلطة). يقول فى جلساته: "أعبد وطني.. إني أعبد وطني" ص25
فيعلق الملا صالح: "إنها وثنية جديدة والعياذ بالله".. ومع ذلك فللرجل تجربته وأفكاره حول الوطنية، يكفي أنه قتل الإنجليزي "ابن الكلب". بل هو الذي قدم أسرته للوطن، وقودا للحرب فيما بعد. صحيح حدث أن ابتلع القنفذ ذات يوم وهو صغير، فتعلق القنفذ فى حنجرته وبح صوته، لكن لم تمنعه تلك الحادثة عن المشاركة، بل أكسبته خصوصية إذا ما تكلم استمع الجميع..(ويبقى لبح الصوت دلالته أيضا مع تلك الشخصية غير النمطية أو التقليدية).
أطرف ما خلص اليه الرجل أنه قسم العالم والأفعال والأشخاص الى قسمين، "نشنن" أو "غير نشنن"، تلك اللفظة التى نحتها عن نطقه الخاطئ لكلمة "ناشيونال". و"نشنن" تعنى الجيد والصحيح!
لذا فقاسم والابن الآخر "سعدي" ليسا "نشنن" لأنهما هربا من الجيش ومن الحرب. برر قاسم هروبه.. لأنها لا تنسجم وميوله الفنية، وانه لا يريد أن يَقتل أو يُـقتل، وأن الحرب التى بعث اليها تعتبر مهزلة.
أما سعدي فهو صاحب المقولة الموجزة: "شئ حلو .. شئ غير حلو"، والحرب وجدها شيئا غير حلو.. فهرب.
أما الابن "عبد الواحد" فهو "نشنن" أكيد، لأنه اشترك فى الحرب ولم يهرب، وان مات فيها، وحصل الأب على نيشان ووسام فخم، تسلمه مع تسلم جثته!. لقد التزم الابن "النشنن" طوال حياته بقوانين الحكومة، وخرج من أجل الدفاع عن الوطن والعزة والكرامة والسيادة والشرف والعزة والتراث.. خرج ولم يعد إلا جثة هامدة!
وحول محور "الوطن" و "الحرب" تدور أحداث الرواية وشخصياتها، تلك التي خاضتها العراق مع "إيران" الجيران. فقد جلس القائد أمام مجلس الأمة لأخذ موافقته الصورية على إعلان الحرب، إلا أن أحد الأعضاء البسطاء قالها ببساطة.. عندما نختلف مع جيراننا، نعلو بالسور بيننا وبينهم، وربما نضع قطع الزجاج فوقه، وربما أكثر من هذا وذاك.. لكننا لا نحاربهم. وافقه القائد، طلبه للمشاورة فى غرفة جانبية. سمع صوت طلقة رصاص، عاد بعدها الى لأخذ موافقة الأعضاء، ولم يعد الرجل !!.. لقد بدأت الحرب إذن!!!
تتوالى القتلى، ويتوالى توزيع الأوسمة مع جثثهم، والهروب من الحرب. ليتفرغ "قاسم" لفنه وعندما يرسم القلب وخريطة العراق.. يكون القلب باللون الأخضر، والوطن باللون الأحمر. وهو ما اعترض عليه الأب وبات بابا للخلاف بينه وبين ابنه، طوال الوقت. فالأب لا يرى منطق عنده يبرر أن يكون اللون الأحمر للوطن، بل هو للقلب.. أليس هو مضخة الدم؟. لكنه فى لحظة رضاء مع نفسه، يقر أن الولد قاسم وطني أيضاً.. أيا ما يكون لون ما رسمه، اكتفى بالقليل "أن أصبح –قاسم-وطنيا ويرسم الوطن"، وقال:"المهم أنها صورة للوطن"!
قبضت يد الموت زوج الابنة "وردة"، ويا لمأساة وردة الجميلة.عندما مات لم تكن تعرف إن كان زوجها رجلا يستحق الاحترام بحسب ما أخبرها به "قاسم"..أحبها أم أنه مأخوذا بالحرب، التي أخذته منها، حتى أخذته الى الأبد، لم تستطع الشابة الجميلة الصغيرة الحكم على رجولته!
أما "سعدي" الذي قبض عليه بتهمة الهروب من الحرب، ولأنه بين المختل عقليا والسوى عقليا، وضعوا تحت الفحص فى معسكر الهاربين. هناك مارس شذوذه الجنسي الذي أنقذه من المهالك!، بل أصبح من وجهاء القرية واقرانه عندما ذهب الى المدينة وأصبح رئيسا لرابطة أحباب القائد!!
..ويبقى "قاسم"/ "الفن" والحلم والأمل المجهض، يبقى حيا بين طيات الأحداث حتى تلك التى لا يشترك فيها مباشرة. كما يبقى حيا فى ذاكرة ووجدان أهل القرية كلهم، فقد تم إعدامه بعد أن حصلوا من أبيه ثمن الرصاصات النحاسية التى أطلقت عليه، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فوق فسحاية القرية. ولما حاول الملا صالح ستر الجثة الممزقة بعباءته، قبضوا عليه، واختفى لستة شهور.. عاد بعدها يدعو للقائد من فوق المنبر فى كل صلاة!!
كما عاد الأب "عجيل" الى نفسه، وفهم لماذا كان لون الوطن أحمر، بينما لون القلب أخضر، في اللوحة التي رسمها قاسم. قال:
" الآن فهمت اللوحة يا قاسم
نعم..نعم..فهمت يا قاسم" ص79
وتبقى "وردة" الأنثى الجميلة ليستنطقها الراوي جملتها الدالة الأخيرة، تدعو للانتقام:
"لقد جعلناه فتيتا مبعثر... سأجعله فتيتاً مبعثرا" ص89

وبعد.. ما أحوجنا إلى تلك الأعمال الفنية المقاومية الجادة !!.
-------------------------------------------
*نشرت في موقع ( ww.middle-east-online.com ) القاهرة/سنة 2003م.
*وضمن كتاب السيد نجم (المقاومة والحرب في الرواية العربية) الصادر عن سلسلة كتاب الجمهورية 2005 القاهرة

قراءة / عدنان حسين أحمد



استنطاق (الفتيت المبعثر)

عدنان حسين أحمد
ـ أمستردام ـ

يعتمد الاستقراء الفني العميق لأي عمل أدبي على وصف النص، واستنطاقه قبل تحليله وكشف شبكة العلاقات الداخلية التي تنتظمه، وحجم المُوجهات الخارجية التي ساهمت في صياغة المبنى والمعنى، أو الشكل والمضمون، وهل ينضوي هذا النص تحت عنوان "السردية العربية الخالصة" أم أنه يحمل بين طياته جينات خارجية تؤكد إمكانيته، وقدرة مبدعه في الانفتاح على الثقافة الأوروبية، والتلاقح مع منجزها السردي في الأقل؟.

المظهر التعبيري
يقتضي تصنيف رواية "الفتيت المبعثر" للكاتب محسن الرملي على تحديد مظهرها التعبيري أولاً، فقد عدّها الناقد والروائي سلام إبراهيم "كمسوّدة رواية كُتبت على عجل، وهي على كل حال تصلح كمادة خام أولية لكتابة عمل مهم عن حياة تلك القرية المنسية من قرى شمال العراق." وقد استوقفني حقاً توصيف الناقد للرواية بمجملها على أنها "مادة خام أولية"، وهذا الالتقاطة الدقيقة تفضي إلى القول بأن الروائي محسن الرملي لم يتأنَ في كتابة النص، ولم يشتغل عليه طويلاً، بل لم يمنحه الفرصة الكافية للاختمار، ولهذا خرج كمادة خام تحتاج إلى كثير من العناية والصقل والتشذيب على رغم من أن هذه الرواية تحديداً قد فازت بجائزة أفضل عمل بالعربية مُترجَم إلى الإنجليزية لعام 2002 والتي تمنحها جامعة "أركنسا" سنوياً للأعمال المُترجَمة وقد سبق أن فاز بها كتّاب كبار من طراز جبرا إبراهيم جبرا، وإلياس خوري، وغادة السمان وآخرين. ولتوضيح رؤية الكاتب محسن الرملي، وتسليط الضوء على منهجه في كتابة "الفتيت المبعثر" لا بد من استنطاق النص عبر قراءة نقدية لمتلقٍ يزعم أنه قادر على تفجير مضمرات النص ودلالاته العصية.

إسناد الروي
تبدأ "الفتيت المُبعثَر" بالمُفتتَح المعنون "صِفر الروي" بضمير المتكلم الذي ينطوي في وجهه الآخر على صوت المؤلف نفسه، كما يختتم الرواية بفصل "صفر اليدين" بضمير المتكلم أيضاً. ومن ميّزات هذا الضمير أنه يمثل شخصية من شخصيات الرواية التي لها مواقف وأفكار وميول، وتستطيع أن تقوم بالأفعال، وتتخذ القرارات الحاسمة، وقد تحجب بعض المعلومات على وفق رؤيتها للأحداث من أجل الإيحاء أو التمهيد لما سوف يحدث لاحقاً. هذه الشخصية التي تتكلم بضمير الأنا ممكن أن تكون قريبة جداً من البطل، أو تحمل الكثير من صفاته وخصائصه الذاتية. كما هو حال الراوي في "الفتيت المبعثر" وبطل الراوية "قاسم عجيل" فمن خلال الراوي نستطيع أن نعرف المرجعية الثقافية والفكرية لكاتب النص وخالقه.
كما يتجسد هذا الضمير بقوة في كتابة "السيرة الذاتية" و"أدب الرسائل" حيث يحيل الراوي إلى شخصية المؤلف مباشرة حتى وإن تغيرت بعض الأسماء والمسميات التي تُبعِد قليلاً ولأسباب فنية أوجه التطابق بين الراوي والمؤلف.
كما استعمل الكاتب محسن الرملي ضمير الراوي كلي العلم، والذي جاء بصيغة الشخص الثالث أو "ضمير الغائب"، وكما هو معروف فإن هذا الضمير متحرر من إسار النص، أي بمعنى أنه لا يقوم بأفعال محددة لأنه ليس لديه وجود فيزيقي داخل النص الروائي، لكنه يشهد على كل الأحداث التي تقع في النص، وربما لا تشهدها بعض الشخصيات الأخر.
كما يتكتم هذا الراوي العليم بكل شيء على أفكار شخصياته، ويتستر عليها كلما استدعت الضرورة إلى ذلك. وقد شبهه بعض النقاد بأنه "عين الطائر" التي تشاهد كل شيء من علوٍ شاهق، لذلك فليس مستغرباً أن يكون هذا الراوي مدعاة للثقة من جهة، ومشاركاً في تقديم أحكام معينة، واتخاذ قرارات محددة من جهة أخرى انطلاقاً من معرفته الكلية بأسرار شخصيات النص برمتها.
ويتجسد هذا الراوي كلي العلم، والذي جاء بصيغة الشخص الثالث الغائب في روايات معروفة تنتمي إلى القرن التاسع عشر مثل أعمال جين أوستين، ونيكولاي تولستوي، وجورج إليوت وغيرهم من الروائيين الذين أحبوا هذا النمط من الرواة.
هناك أنماط أخرى من الرواة لم يستعملهما محسن الرملي مثل الشخص الثالث الموضوعي الذي لا يدخل في أذهان الشخصيات، ولكنه يصوّر ويسجل ما يمكن رؤيته، وما يُتاح سماعه فقط، وقد شبهه النقاد والدارسون بـ "عين الكاميرا" أو "المراقِب غير المرئي".
يتجلى "الراوي المتماهي بمروّيه" في رواية "الفتيت المبعثر" فهو عارف بالأحداث التي تقع في متن النص، ومُدرِك للتفاصيل الصغيرة التي تؤثث فراغاته، أو الأجزاء غير المرئية منه.
ولهذا تماهى بالمادة المروية، وأدى وظيفته بوصفه جزءاً من "المسرود" حتى وإن اختفى وراء صيغة الشخص الثالث الغائب، وتجنب الإشارة إلى نفسه، أو تأكيد وجوده الفيزيقي.

النص التحريضي
تتمحور رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي على أكثر من موضوع كالحب والحرب والقمع والسلطة الدكتاتورية والتحريض والسجن والإعدام إضافة إلى التقاليد الشعبية.
وقد أفضى تعدد الثيمات إلى صعوبة تصنيفها، فهناك من اعتبرها أنموذجاً مناهضاً لأدب الحرب الذي كان سائداً في العراق، بينما عدّها آخرون مثالاً لأدب ما بعد الحرب، وصنّفها فريق ثالث على أنها أدب منفى، في حين أبدى محسن الرملي انسجامه مع توصيف الدكتور أحمد خريس لها باعتبارها "رواية تحريضية"، فهناك منْ يهرب من جبهات القتال، ويؤلب الناس على السلطة مثل الفنان قاسم عجيل، وهناك منْ يريد الانتقام من "البعيد الغريب" ويجعله فتيتاً مبعثراً مثل "وردة" وإسماعيل، وهناك منْ هرب أصلاً إلى جهة مجهولة احتجاجاً على الأجواء القمعية السائدة في البلاد مثل محمود، والراوي العليم الذي غادر العراق إلى إسبانيا بحثاً عن ابن عمته محمود الذي يستحق الاحترام لأنه قاوم السلطة الفاشية في الأقل، ولم يمارس دور الضحية التي قد تتخلق لاحقاً بأخلاق الجلاد فتقمع أناساً آخرين.
وعلى الرغم من الجو المأساوي الذي هيمن على عائلة الحاج عجيل، والمصائر المفجعة التي مُني بها أولاده، وبقية أبناء هذه القرية النائية التي يمكن لها أن تكون صورة مصغّرة للوطن الكبير المُبتلى بشخص "بعيد غريب" عن عامة الناس، فإن هناك منْ يحث الناس على التمرد، ويحرضهم على كسر حاجز الخوف، وقول الحقيقة المكبوتة بالفم الملآن.
كما تحاول أبرز شخصيات الرواية التخلص من مختلف أشكال القهر الاجتماعي والسياسي والبطريركي الذي يجسد السلطة الفردية للشيخ والقائد والأب على رعيته ومرءوسيه وأبنائه. ومن المفيد هنا أن نشير إشارة عابرة إلى هذا الحس التسلطي لدى والد حسيبة الذي أوشك أن يذبح ابنته بالسكين كما يذبح أية دجاجة "أدارَ وجهها، ذات مرة، إلى القِبلة، ولوى ذراعيها خلفها، داسهما بجزمته، ومد السكين إلى رقبتها ليذبحها كما تُذبح الدجاجة لولا أن توسل به المفاوضون، ووقعوا على يده يقبلونها ليتخلى عن نية الذبح.“ (الفتيت المبعثر، ص 23).
كما أوشك الحاج عجيل أن يضرب ابنه قاسم بالعقال لولا توسلات زوجته، وقبلات ابنه المجنون عبود الذي حرّك في داخله مشاعر الأبوة الثاوية وأثناه عن الوقوع في سوْرة العصبية الانفعال اللذين لا تُحمد عقباهما.

ذهنية العقل القروي وإشكالية الولاء
تعد شخصية الحاج عجيل من الشخصيات الإشكالية في هذه الرواية كونها بسيطة، ولا تتوفر على بُعدٍ معرفي يؤهلها لملامسة الحقيقة، بل أنها كانت، بوصفها أنموذجاً لشريحة واسعة من المجتمع، سبباً من الأسباب التي ساهمت في دعم الدكتاتورية، ومساندتها من دون أن تدري لأنها انساقت وراء ذهنيتها الساذجة التي لم ترَ من السلطة القائمة سوى قشورها الخارجية الملونة التي استطاعت من خلالها إغراء الناس، وتلاعبت بمقدّراتهم الفكرية.
ولو مررنا مروراً سريعاً على شخصية الحاج عجيل لوجدنا أنه قروي يتفاخر بجده الذي قتل الضابط الإنكليزي، والذي لا يكف عنه نعته بـ "ابن الكلب"، كما أنه كان يردد كالببغاء "إني أعبد وطني… إني أعبد وطني"(الفتيت المبعثر،ص 25)، وكان لا يجد ضيراً في أن يقدّم أبناءه فداءً للوطن بحسب تصوّره من دون أن يُدرك بأنهم ليسوا أكثر من حطب لنيران الحروب العبثية التي افتعلها رأس النظام، والتي لم تتوقف على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد من الزمان. فالحاج عجيل كان يرى في استشهاد زوج ابنته فوزي في الحرب العراقية ـ الإيرانية نوعاً من الدَيْن الذي يطوّق أعناق العراقيين جميعاً، بل أنه لم يستغرب أبداً حينما جُلبت جثة ابنه عبد الواحد الذي قُتل في نفس المعركة التي قُتل فيها فوزي، فكلاهما من وجهة نظره "استشهد في الحرب دفاعاً عن الوطن."(الفتيت المبعثر،ص65).
والأغرب من ذلك فقد كان هذا الأب المغفل عائداً من اللجنة الطبية في بغداد حاملاً ابنه المجنون عبود في كيس بعد أن تعرّض للصعق بالعصا الكهربائية، والضرب المبرّح من قبل أزلام السلطة خشية أن يكون مُدّعياً، ولم يُصَب بأي مس من الجنون، في حين كان عبود يحصي لهم بطريقة ساخرة، ومليئة بالمفارقة الأعداد المحصورة بين الواحد والعشرة في إجابة عفوية عن سؤال طرحه أحد أعضاء اللجنة الطبية لتحديد سلامته العقلية.
تعرضت عائلة الحاج عجيل إلى فجائع متلاحقة، فلقد ابتلعت حرب الدكتاتور ابنه عبد الواحد، وصهره فوزي في معركة واحدة، في حين تعرّض عبود المجنون إلى الضرب والصعق الكهربائي، فيما هرب الفنان قاسم من جبهات القتال لأنه غير مؤمن بالحرب التي يشنها النظام الدكتاتوري على الجارة المسلمة إيران، كما هرب سعدي، المنحرف جنسياً، من الجبهة أيضاً، ووَضَعَ هو وأخوه قاسم العائلة تحت رحمة عمليات دهم غير متوقعة. أما القاضي أحمد فلقد اتهمته السلطة بالرشوة بعد أن رتبت له الجهات الأمنية عملية مدبرة عززتها بالوثائق المصورة، وانتهى به المطاف إلى السجن، في حين هرب محمود عبر كردستان إلى جهة مجهولة. لم تكن وردة، ابنة عجيل الجميلة، أوفر حظاً من اخوتها الستة، فلقد تزوجت أول الأمر من فوزي الذي قضى في الحرب العراقية ـ الإيرانية ولم تكن تعرف إن كان رجلاً يستحق الاحترام أم لا يستحقه على وفق الرؤية الثاقبة لأخيها الفنان قاسم الذي كان يريد أن ينتقم من "البعيد الغريب" الذي عاث فساداً في الأرض، وأن الإجازات الدورية التي كان يأتي بها فوزي كل شهر لم تكن كافية لسبر أغواره، ومعرفة آرائه بالدكتاتور الذي حكم البلاد بالحديد والنار. وحينما تزوجت من عقيل، وأنجبت له طفلة أسمتها وردة أيضاً، أصرت على أن يطلّقها لأنها اكتشفت أنه رجل لا يستحق الاحترام أيضاً، وأنه لا يفكر بالخلاص من الدكتاتور. أما زواجها الثالث من إسماعيل "الكذّاب" فقد كان يحمل بين طياته نوعاً من الأمل لأنه وعدها بأن يجعل من "البعيد الغريب" فتيتاً مبعثراً.
ففي الوقت الذي كانت تمارس فيه وردة أشد أنواع التحريض للإطاحة بالدكتاتور كان إسماعيل يستجيب لهذه التحريضات وإن كان أوارها قد بدأ من فراش الزوجية الدافئ، ثم انتقل ليطيح بالدكتاتور وشعرائه حتى ولو في الحلم، ويجعل منهم فتيتاً مبعثراً.
شعر الحاج عجيل أكثر من مرة بالتقهقر والانكسار أمام الملا صالح الذي زجره وانتقده بشده أمام الملأ واصفاً ما يقوله ويدّعيه بالوثنية الجديدة التي لا تليق برجل طاعن في السن قد يفاجئه الموت في أية لحظة. "إخرس.. أعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد."(الفتيت المبعثر، ص25) كما أحس بالخيبة حينما هرب قاسم من جبهات القتال، بحجة أن الحرب التي شُنت ضد إيران غير عادلة، وشعر الحاج بمرارة كبيرة حينما أيقن أن قاسماً يكره القائد، ولا يحب الوطن، بحسب تصوره، ولذلك فقد فرّ من جبهة الرجال، ولاذ بحضن زوجته حسيبة! كما امتنع عن رسم صورة كبيرة للقائد أراد والده أن يعلقها في غرفة الاستقبال، ويتباهى بها أمام ضيوفه في حين أن قاسماً رسم أخته وردة مئات المرات، كما رسم كل حيوانات القرية تقريباً.
ومما زاد الطين بلّة أن ابنه سعدي اللوطي المنحرف قد فرّ هو الآخر من الجبهة لأن الحرب من وجهة نظره "ليست حلوة" وأنها تمنعه من تحقيق ملذاته الإيروسية في الأدغال المحيطة بالقرية.

نقطة التحوّل
تقتصر تجربة السجن الفعلي على ثلاث شخصيات في هذا النص الروائي وهي الفنان قاسم، واللوطي سعدي، والقاضي أحمد أولاد الحاج عجيل الذي يُعَّد أنموذجاً للذهنية القروية المُضَلَلة التي لا تكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. فالحاج عجيل كان يقسّم أولاده إلى مدافعين عن الوطن، ومناوئين له.
فأحمد المتفوق دراسياً كان "نشنِن" وهو اللفظ المحرّف لكلمة "ناشينال" التي أطلقها على جده الذي قتل الإنجليزي، وعبد الواحد وطني أيضاً لأنه استشهد في سبيل الوطن، وفوزي لا يقل وطنية عن أحمد وعبد الواحد فقد ضحى هو الآخر بروحه الزكية ولم يُدِر ظهره لجبهات القتال، أما قاسم فهو غير وطني، لأنه لا يحب الوطن، ويكره القائد، ويهرب من المعارك المشتعلة، ويؤلب الناس على التمرد، ويحرضهم على الإطاحة بالقائد الوطني! كما أن سعدي المأبون، والذي جلب العار للعائلة، هو غير وطني أيضاً، وقد زُج به في السجن لمدة من الزمن، ولكنه خرج بعفو عام، وبدأ يتحدث عن ذكرياته الرومانسية السعيدة مع مدير السجن، كما سُجن لاحقاً القاضي أحمد بتهمة الرشوة.
وحقيقة الأمر، ليس قاسم وسعدي وأحمد هم السجناء الوحيدون في هذه العائلة، فأغلب أفراد الأسرة كانوا سجناء قناعاتهم، وربما يكون الحاج عجيل هو السجين الأكبر في العائلة برمتها، إذ اكتشف خطل موقفه حينما اقتادوا ابنه قاسم بعد عملية دهم، بحثاً عن الهاربين من الخدمة العسكرية، إلى ساحة القرية وأعدموه رمياً بالرصاص، وتركوا جثته لمدة ثلاثة أيام نهباً للذباب والكلاب في الساحة قبل أن يواروها الثرى. كان هذا المشهد الفاجع هو نقطة التحول الرئيسة في ذهنية الحاج عجيل الذي رفض أن يلّبي رغبة ابنه الكبير في أن يراه، وربما يقول له بعض الكلمات التي تعيد هذا الأب العنيد إلى رشده، أو تكشف له الحقيقة الناصعة التي ظلت مخبأة عليه على رغمٍ من تجاوزه سن السبعين من العمر. لقد أيقن الحاج عجيل في وقت متأخر جداً بأن ضابط الشرطة الذي جلب له نوط شجاعة عبد الواحد هو نفسه الذي سيستوفي منه ثمن الرصاصات التي مزقت جسد ابنه البكر قاسم. وأنه لم يكن أكثر من شخص واهمٍ، كرّس حياته الطويلة لحب قائدٍ لا يستحق ذرة من الحب والاحترام. ومنذ تلك اللحظة نزع الحاج عجيل عقاله، وغاب عن حضور جلسات المقهى التي كان يرتادها كل يوم ليتحدث عن مآثر أسلافه وبطولات أبنائه.
ومنذ انطلقت رصاصات الإعدام على وجه التحديد لتخترق جسد قاسم بدأت وخزة القنفذ تؤلمه، تلك الإبرة الملونة التي انغرست في حنجرته يوم كان طفلاً صغيراً يداعب القنفذ المكوّر، وأخذت تنزف دماً ما انفك يسيل حتى فارقت روحه جسده، ثم دفنوه إلى جوار ولديه.
أما عبود المجنون فقد ازداد عواؤه، ولم يهدأ له جنب إلا عندما حفروا له حفرة بين قبري أخويه ينام فيها آناء الليل بعد أن يغلقوا فوهة الحفرة بصفيحة معدنية خشية أن تفترسه الضواري ليلاً، وفي الصباح كانت تأتي وردة لترفع عنه الغطاء المعدني وتعود به إلى البيت المفجوع.
وربما يكون الناجي الوحيد من هذه الأسرة المفجوعة هو سعدي الذي أصبح واحداً من أزلام السلطة، فبين ليلة وضحاها تمكن هذا اللوطي من أن يترأس "رابطة أحباب القائد" ويقص أشرطة المعارض مُغطياً رأسه الذي يشكّل علامة فارقة فيه بالكوفية والعقال، أما وردة فهي الناجية الوحيدة التي ظلت ذاكرتها مفعمة بالأمل والرجاء، فقد تزوجت من إسماعيل، الرجل الذي يستحق الاحترام على رغمٍ من كذبه، والذي وعدها بأنه سينتقم من البعيد الغريب عبر خطته الجهنمية، ويجعله فتيتاً مبعثراً.
تنطوي شخصية إسماعيل على أسرار كثيرة، فهو مغنٍ، وعازف ربابة، ومتنبئ شأنه شأن أبيه الذي صدقت نبوءاته جميعاً باستثناء يوم القيامة، فقد توقع حدوث الفيضان، ونهاية الحرب، ومقتل قاسم، وهروب محمود إلى جهة مجهولة، ووصول سعدي أبو راس إلى موقع مهم في الدولة، كما توقع اندلاع حرب أخرى، والعثور على عبود المجنون، وعودة محمود، الشخص الذي وصفه الراوي العليم بأنه "آدمي بلا ظل، ولكنه رقم في تعداد السكان."(الفتيت المبعثر،ص40) ولم يجد هذا الراوي أو المؤلف نفسه أي تفسير حقيقي لتبرير حجة البحث عنه بعد غاب طوال مدة الزمن الروائي في الأقل، ولهذا فقد ترك مصيره إلى نبوءة العرّاف الذي حسم النص بنهاية مفتوحة، وبشّر بعودته المرتقبة إلى بلد لا يمجد الطغاة، ولا يؤلّه الكائنات الصغيرة التي تتلاشى ما إن تنطفئ فيها جذوة الحياة.

انزياح النص وفاعلية الإحالة
تؤدي الإحالات الثلاث دوراً مهماً في الكشف عن طبيعة العلاقة المتوترة بين المثقف والسلطة القمعية في العراق. فعنوان الرواية مُقتبس من قصيدة للشاعر والفلسطيني ماهر الأصفر حيث تتكرر عبارة "الفتيت المبعثر" مرتين ضمن جو تسوده الغربة والفراغ والشعور بالنأي عن الآخرين، تماماً مثل الشعور الذي ينتاب القروي حينما يصف شخصاً ما بأنه "بعيد وغريب" بالمعنى السلبي للكلمة.
أما إهداء الرواية إلى أخيه حسن مطلك فهو يحيلنا بكل تأكيد إلى شخصية قاسم التي تتطابق تماماً مع شخصية حسن مطلك التي لاقت المصير المفجع ذاته وإن استبدل الراوي حبل المشنقة بسيل الرصاص الذي انهمر على جسده في ساحة القرية.
وتبقى الإحالة الثالثة هي الأشد وقعاً حينما تقصد الكاتب أن يضعها في مُفتتَح النص، وفي مواجهة القارئ الذي لا يستغرب حينما يقرأ هذه المفارقة العجيبة التي ترد على لسان الشاعر البحريني قاسم حداد والذي سُجن ذات يوم لأسبابٍ سياسية وفكرية حينما قال: "يريدون إقناع الشعب، كم هو على خطأ، وأن نظرة القائد هي المُصيبة.. إنها مُصيبةٌ.. حقاً!" ولا شك في أن المفارقة تكمن في التورية واللعب على معنى مفردة "مُصيبة" حيث تعني الأولى "الصحيحة" بينما تعني الثانية "الكارثة" وهو المعنى الذي يذهب إليه الشاعر.

رؤية النص بعيون أوروبية
تعرضت رواية "الفتيت المبعثر" إلى انتقادات حادة تخص المعنى والمبنى، ولم تقتصر هذه الانتقادات على كتّاب عراقيين أو عرباً، وإنما تعدتها إلى كتّابٍ أجانب.
فقد أشار الناقد الأمريكي هارولد برازوَيل في مقالته الموسومة "قراءة أمريكية لرواية عراقية" إلى ضعف الفصل الأول "صِفر الروي" الذي افتتح به محسن الرملي روايته، بل أن الناقد سلام إبراهيم كان يرى في المفتتح والخاتمة فصلين زائدين، وأن حذفهما لا يؤثر في سياق النص، ولا يقلل من أهمية شكله الفني، حيث قال برازويل "تبدو البداية فقيرة، وغير مرسومة بشكل جيد وهو ما أشك بأنه سيدفع بعض القرّاء إلى تركها."(2)، غير أن برازويل وجد هذا الحُكم قاسياً بعض الشيء، فاستدرك مُخففاً من حدة رأيه، مُعترِفاً بأن حُكمه النقدي قد يكون "حُكماً متسرّعاً وغير مناسب بالتأكيد، لأن أغلب الكِتاب يتناول عائلة محمود خلال الحرب العراقية الإيرانية."(3) كما يشدد برازويل على أن الخلل الأكبر في هذه الرواية هو بحث الراوي عن ابن عمته "محمود" والذي وصفه بأنه بلا ذاكرة، وبلا انفعال، وبلا رأس، ولا يجد تفسيراً مٌقنعاً للبحث عنه.
ولا بد من الإشارة إلى أن برازويل قد لامس جوهر النص الروائي، وأمسك بكل مضمراته وتفاصيله الصغيرة، وأدرك أن مَوطن الخلل يكمن في عدم السيطرة على مسار الشخصيات، ونموها عبر تطور الأحداث، فثمة غموض غير مبرّر في الدور الذي يلعبه محمود على مدار الزمن الروائي، وليس هناك ما يستدعي وجوده، بل أن حضوره الحيادي لا يمثل شيئاً للراوي، مثلما أن حضوره لم يكن يمثل شيئاً بالنسبة لأفراد عائلته برمتها.

الدكتاتورية وتزييف الوعي
تمثل هذه الرواية بالنسبة لي كشفاً وتعرية لدور الدكتاتورية في تزييف الوعي الجمعي للناس، وربما تكون الشخصية القروية هي الضحية المرشّحة للسقوط في الفخاخ التي تنصبها الأنظمة الشمولية، ليس للمغفلين حسب، وإنما للمثقفين الذين نالوا قسطاً كبيراً من العلم والمعرفة.
كما استطاع الرملي أن يقدّم شخصيات حقيقية نابضة من لحم ودم على رغم التناقضات الكبيرة التي تنطوي عليها مثل الحاج عجيل الذي يُعّد أنموذجاً للشخصية الشوفينية، المغالية في وطنيتها الساذجة، وشخصية قاسم، الذي يعتبر مثالاً للرائي، والمثقف الحقيقي الذي دفع حياته ثمناً لقول الحقيقة، وتأكيدها على أرض الواقع، وإصراره على لعب دور المحرِّض في سياق النص، وهو الدور ذاته الذي لعبته أخته "وردة" وحفزّت الناس للإطاحة بالبعيد الغريب، رمز الحاكم الشمولي، وأيقونة النظام المُستَبِد في العراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في جريدة (الصباح الجديد) بتواريخ 4-7 أكتوبر 2006 بغداد.
**عدنان حسين أحمد: كاتب وناقد عراقي يقيم في هولندا.

مقال / حمزة الحسن


الروائي محسن الرملي ـ الحرب والفتيت المبعثر

حمزة الحسن

يثير فوز الكاتب والروائي العراقي محسن الرملي بجائزة جامعة أركنسا لهذا العام على روايته(الفتيت المبعثر) أكثر من قضية أدبية في آن واحد.
أول هذه القضايا وأهمها هو التكريم القادم من الخارج للروائي العراقي أو العربي، وعادة ما يأتي من قارئ لم تكن هذه الروايات موجهة إليه أصلا عند لحظة الكتابة، بل إلى قارئ محلي ظهر بالتجربة انه لا يقرأ شيئا، وإذا قرأ فإنه يقرأ بناءً على خبرته القديمة في الرواية التقليدية والتي لا يعرف أن الزمن تجاوزها بكثير وان هناك تيارات جديدة في هذا الفن لم يعد باستطاعة حتى الروائي المحترف اللحاق بها أو بمدارسها النقدية.
وثاني هذه القضايا هي علاقة الكاتب ـ أي كاتب ـ بجائزة، أية جائزة. هل تضيف هذه الجوائز أو تحذف شيئا من الكاتب أو الروائي؟ والجواب يتوقف على نوعية الجائزة والأهداف، ونوعية الكاتب ونصه الروائي.
والقضية الثالثة تتعلق بقدرة النص الروائي العراقي على تجاوز حدوده الوطنية وخلق فضاءات أوسع للقراءة من جمهور تشغله وتتحكم به هموم وانشغالات أخرى مختلفة.
والقضية الرابعة التي أثارتها هذه الجائزة هي إلى أي حد يشكل هذا الفوز إدانة أو صفعة أو لطمة للجمهور المحلي أو نخبه الثقافية أو ما يفترض أنها نخب فعلا وحقا وليست شيئا آخر، حين تتعامل هذه النخب أو هذا الجمهور مع الأدب الروائي العراقي بطريقة تتسم بالصبينة أو الغوغأة أو في أحسن الأحوال بالصمت أو التجاهل كأن هذا النص الروائي لا جمهور له في هذه الزمن غير حفنة من البلداء والعاطلين عن الوعي والأميين، مع أن جمهور الروائي العراقي يمتد إلى العالم العربي وهو بحكم اللغة قادر على تجاوز حدود القراءات الهامشية والضيقة إلى جمهور واسع وكبير ومؤثر، وبالتالي فإن فكرة حصار روائي يكتب باللغة العربية هي فكرة لا تصدر إلا من حشاش أو أثول.
هناك جوائز تعرّف بكتّاب، وهناك جوائز تشرّف كتّابا، وجوائز تكشف كتابا، وجوائز تخلق كتابا آخرين. لكن في حالة الكاتب محسن الرملي فإن جامعة أركنسا الأمريكية هي التي فازت به، وهو الذي شرفها، وهو الذي عرف بها، ومحسن الرملي هو الذي كشف عن هذه الجائزة في الوسط العراقي في الأقل.
وإذا كانت هذه الجائزة قد ربحت محسن الرملي، فلا شك أن هذا الكاتب كان قد قدم تضحية ما بقبوله بها خاصة في هذا الوقت بالذات، كما أن الرملي من خلال دار نشر (ألواح) التي يشرف عليها مع الأديب المبدع عبد الهادي سعدون قد قدم خدمات إلى الأدب العراقي والعربي اكبر بما لا يقارن من كل ما قدمته هذه الجامعة وهو قليل جدا ولا يتجاوز ترجمة عدة روايات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
لكن ما هي رواية ( الفتيت المبعثر)؟
هنا محاولة لمعرفة طريقة تكون الخطاب الروائي باعتباره هو حامل كل المضامين الأخرى في النص وهذه محاولة لا شك غير مكتملة لأن هذه الرواية تحتاج إلى دراسة أعمق ومن جوانبها الكثيرة وفي حيز أوسع. الفتيت هو كسرات الشيء، كسرات الخبز، أو كسرات الأيام، أي الأجزاء الصغيرة من الشيء الواحد وقد تفتت. وإذا كان هذا الشيء فتيتا، فماذا يحصل لو تبعثر الفتيت؟!
هذا هو عقد القراءة الأول الذي يقول ضمنا أو تلميحا ومن خلال عنوان يشكل هو الآخر جزءا عضويا من بنية النص وليس ملصقا خارجيا، إننا بصدد قراءة رواية تتحدث عن فتيت تبعثر في كل مكان، وبلغة الرواية في نصها الداخلي تشرد هذا الفتيت.
إننا إذن أمام نص روائي عن التشرد وهذا التشرد ليس مرهونا بالخارج، أي خروج الفتيت إلى الخارج، بل نحن أمام تشرد داخل الوطن، والعائلة والقرية والحقل، والدليل هو هروب شخصيات كثيرة من الحرب في هذه الرواية داخل حدود وطنها وتشردها في الأدغال والمغاور والقبور.
ومقابل هذا الهروب الداخلي، هناك الهروب إلى الخارج حيث الراوي الذي يروي لنا هذه الحكاية عن الحرب والموت والصداقة المقتولة والحب الذي تحتل (وردة) جانبا كبيرا منه في قلوب سكان هذه القرية النائمة على ضفاف دجلة، حتى يمكن القول إن وردة هذه أكبر من امرأة وقد تفسر على أنها وطن حسب التأويل النقدي. يحاول الرملي من خلال مكون لغة شعرية روائية صافية نظيفة إحياء قرية عراقية في زمن حرب الخليج الأولى، وهذه القرية التي يتحدث عنها الراوي الهارب في إسبانيا هي كما في النص كانت الأبواب فيها قبل الحرب(مفتوحة والكلاب لا تنبح إلا على الغرباء. للأشياء هناك أسماء خاصة، الحيوانات والتلال والأواني والأحجار والغيوم..)
وهذه العذرية والبراءة والوداعة تكسرها الحرب وتحطم تلك العلاقات الحميمية التي تشكل هذا العالم النقي والنظيف. إنها ليست رواية عن الحرب، فلا مدافع، ولا قتلى، ولا هجوم أو هجوم مقابل، ولا خنادق حرب، بل أن هذه الرواية تتحدث عن انعكاسات الحرب على قرية وادعة آمنة والتدمير الخطير الذي حصل لها خلال وبعد الحرب.رغم القناع الذي حاول الرملي ان يلبسه وهو يروي هذه الأحداث، إلا أن صوت المؤلف محسن الرملي وحياته كانت موجودة في النص الروائي على نحو خفي أحيانا، جعل منه راويا للأحداث ومشاركا فيها، لكن هذا القناع لا يخفي في كل الأوقات خاصة في محطات عاطفية، وعلى سبيل المثل، إعدام الفنان قاسم في داخل القرية، وهو يذكر بإعدام شقيق محسن الرملي الروائي الشهيد حسن مطلك مؤلف رواية( دابادا) الذي أعدمه النظام خلال الحرب وكان أول روائي عراقي يطرز صدره الفاشيست بالرصاص في حين كانت صدور كثيرة تطرز بالنياشين والأوسمة.
وقناع الراوي هو أحد أساليب الحكي الروائي التي يلجأ إليها الكاتب حين لا يريد أن يكشف عن مدى التطابق بين حياته الخاصة وحياته داخل النص. لذلك لجأ روائيون عرب كثيرون إلى تقنية التخفي أو القناع وفي الوقت نفسه تحدثوا عن حياتهم الشخصية مثل جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر وهاني الراهب وغالب هلسا وسليم بركات في روايته(عبور البشروش) وحليم بركات في روايته(طائر الحوم) ونجيب محفوظ في كثير من رواياته.
وظاهرة القرين في النص الروائي إحدى تقنيات القص التي مارسها كتاب كثيرون في العالم خاصة بعد تقدم العلوم النفسية ومن بين الكتاب الذين تخفوا خلف (قرين) هم شارلز ديكنز وديستوفكسي وجوزيف كونراد وإدغار آلان بو، وغيرهم، ومن كتاب الرواية العراقيين الذين استخدموا تقنية القرين هو الكاتب سليم مطر في الرواية التي تحمل عنوان(التوأم المفقود)والتوأم هو القرين حصرا،ورواية سليم مطر في رأيي لا تتوفر حتى على شروط الكتابة الروائية وحماسة البعض لها هي حماسة ليست أدبية بل سياسية أو حزبية في أضيق نطاق.
تقنية القرين أو التوأم أو القناع هي وسيلة من وسائل الكتابة عن الذات من منطقة تختلف عن منطقة السيرة الذاتية التي يهرب منها ويتحاشاها كثير من كتاب الرواية نظرا لكونها تتحدث بلغة مكشوفة وعارية عن أكثر المواقع حساسية في المجتمع والجنس والسلطة وهي انبثاق للأنا المطمورة تحت قواعد وركام وقوانين وعقائد ومحرمات لا حصر لها، خاصة وان النقد التقليدي يركز على حياة المؤلف، في حين يركز النقد الحداثي على حياة النص من داخله بصرف النظر عن كاتبه حتى لو كان مجهولا.
إن نقد الشخص أو المؤلف لا يحتاج إلى موهبة أو كفاءة أو ثقافة أو حس نقدي أو معرفي، بل يحتاج إلى عقل فارغ، أما نقد النص فيحتاج إلى وعي نقدي ومعرفي وحس أخلاقي لذلك يتهرب كثيرون من نقد النص باللجوء إلى تقنية نقد الشخص وهو تعبير عن عجز معرفي ونقص أخلاقي لا يخفى.
السيرة الذاتية ليست إعادة صياغة حرفية للأحداث كما يتوقع بعض القراء العرب خاصة بل هي إعادة صياغة للذات من خلال ذاكرة مستعادة، أي بناء ذاكرة نصية في موازاة أحداث مضت وانتهت. وهذه السيرة تبنى بالتخيل. وكل تخيل هو لعب وخلق وإعادة بناء، وجان بول سارتر في سيرت الذاتية(الكلمات) قال قولا شهيرا عن هذه السيرة (لقد حان الوقت لكي أقول الحقيقة، أخيرا، لكن لا يمكن أن أقولها إلا في عمل تخييلي).
يختار الروائي محسن الرملي أن يروي لنا الأحداث مرة عن طريق الاعترافات الشخصية سواء عن رحلة هروبه أو عن ذكرياته في القرية، وأحيانا عن طريق فسح المجال للشخصيات الأخرى لكي تروي حياتها هي . لكن أسئلة المثقف حول العالم والمصير والخوف والموت والحب تبقى هي أسئلة الكاتب مما يجعل الشخصيات الأخرى صدى لمؤلفها، وهذا يقلص من حرية الشخصية داخل النص التي يفترض إنها تتجاوز حرية المؤلف الذي تحكمه ظروف وأوضاع وحالات.يهيمن السياسي على كل ماعداه(وهذا أمر مفهوم) سوى حكايات عن الحب والأمل والجنس تأتي بصورة عرضية دون أن تضيء المشهد كثيرا، وهذا العرض السياسي للأحداث يقلص هو الآخر من مدى عمق الرؤيا في النص الروائي. لقد قال الروائي ميلان كونديرا عن رواية (1984) لجورج أورويل ـ واسمه الحقيقي أريك بلير ـ رأيا يتسم بالحدة. قال في كتابه خيانة الوصايا (يكمن التأثير السيئ لرواية 1984في تقليصها المهول للواقع وجعله مقتصرا على البعد السياسي فقط، ثم في تقليص البعد السياسي إلى ما هو سلبي. أنا ارفض أن أسامح تقليصا من هذا النوع بحجة انه كان دعاية مفيدة ضد شرور الأنظمة الاستبدادية. إذ أن اكبر الشرور هو تقليص الواقع في الرواية إلى سياسة. إنها تقلص ـ وتدفع الآخرين لتقليص ـ حياة المجتمع إلى قائمة بسيطة من الجرائم).
إن جميع شخصيات الفتيت المبعثر انتهوا نهايات مأساوية محزنة حتى من فر إلى الخارج أو اختفى في الداخل.(إعدام قاسم /غاب أحمد/ غاب عبد الواحد في المقبرة ثم قتل في الحرب/ سفر واختفاء محمود/ مقتل فوزي في الحرب...الخ..).
تنتهي الرواية نهاية عبثية أقرب ما تكون إلى نهايات مسرحية صموئيل بيكت حين يعود الراوي أو المؤلف إلى واقعه الجديد في إسبانيا وهو يخرج من المترو ليشاهد عند زاوية الدرج فتاة يرنحها الإدمان وهي تنزل بنطالها وتبول، وعلى زجاج بوابة يقف شاب بأقراط فضية يوزع عنوان مرقص للتعرية.
إن أحد أساليب الحكي في هذه الرواية هو أسلوب التداعي، أي التذكر، وهو أمر طبيعي لشخص يعيش في منفى لا تبقى بينه وبين الأمكنة الأولى غير الذاكرة، ومن خلالها يحاول استعادة بعض جوانب تلك التجربة التي تختزن في الغالب على ما يخرب الذاكرة ويمنعها من التواصل مع المكان الجديد، وفي هذا التداعي يلجأ الرملي إلى أسلوب التداعي الطويل الأمد.
إن أسلوب التداعي يصنف استنادا إلى طوله، وحسب الروائية الأمريكية نانسي كريس، فإن أصناف التداعي ثلاثة وهي:
أولا: الطويل الأمد.
ثانيا: التداعي المتوسط الطول.
ثالثا: التداعي القصير.
الأول، أي الطويل، حسب الكاتبة، هو الذي يستمر على مدى القصة والرواية ويسمى أيضا بإطار القصة. الثاني، المتوسط، هو اكثر الأشكال شيوعا، يستمر على مدى مشهد واحد أو مشهدين أو عدة فصول. أما الثالث، القصير، فيستفاد منه لإعطاء عمق على الشخصية وتوضيح الوضع.
في رواية الفتيت المبعثر كان التداعي المستعمل هو الطويل الأمد الذي لم ينته إلا في الصفحة الأخيرة تلك النهاية العبثية. وهذه التقنية مناسبة تماما لرواية تدور عن المكان المبعد والمقصي والمستعاد من خلال الذاكرة والكلمات. إن اللعبة الأساسية هنا هي التخيل. والتخيل ليس استعادة حرفية للأحداث والشخوص والوقائع والأماكن، بل هي محاولة لإعادة بناء ذات وقرية خربتهما الحرب والسياسة من خلال ذاكرة رجل منفي، وكل ما وقع للقرية من دمار وقع في نفس الوقت لذات الراوي الهارب. أي أن الخراب يمشي بالتوازي.
لكن هذا الراوي الهارب لم يهرب من الأمكنة القديمة لأنها تعيش في داخله في كل مكان وتحذف من كثافة حضور المكان الجديد الذي يظهر كصورة أو ديكور لحياة رجل كتب عليه أن لا ينجو أبدا من فتيت الذاكرة المبعثر.
يقول اندريه جيد عن خطورة الإقامة في المكان الواحد (ليس هناك شيء اكثر خطورة عليك من عائلتك، من غرفتك،من ماضيك...عليك أن تتركها). لكن اندريه جيد لم يكن هاربا من هذه الأمكنة، ولم ينتزع منها بالقوة، بل تركها بنفسه ولم يأخذ هذا الفراق شكل الحرج أو الإهانة.
هل تستطيع هذه الرواية الجميلة والممتعة أن تعيد بناء وجمع القرية وفتيتها الذي توزع بين المقابر والمنافي والسجون؟.
هل يستطيع الرملي أن يكتب لنا رواية أخرى عن عودة هذه الفتيت إلى مدن وشوارع وقرى محرومة من النوم والخبز والحرية والضحك وزمن الأراجيح؟.
وأخيرا، مبروك لجامعة أركنسا الأمريكية، بفوزها بالروائي محسن الرملي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حمزة الحسن: روائي عراقي يقيم في النرويج. http://www.hamza.ws
*نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 2003 / 1 / 24