الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

زاوية (جداريات) / .. عن السياحة الأدبية


.. عن السياحة الأدبية

د.محسن الرملي
نعم، ربما يبدو الأمر نوعاً من البَطَر، عندما نتحدث عن قطاع إبداعي آخر في الميدان السياحي، وخاصة في بلداننا التي لم تُعط، حتى الآن، السياحة التقليدية نصف ما تستحقه، فهذه آثار حضاراتنا العريقة مُهمَلَة ومتاحفنا هزيلة ساذجة العرض والتنظيم بحيث لم تُغرِنا حتى نحن أنفسنا بزيارتها، وجغرافيتنا المتنوعة من زرقة الماء وخضرة الحقول وعلو الجبال وذهبية الصحراء وغيرها متروكة لمصيرها الغامض وسط استغاثات البيئة الكونية من التلوث. فيما يبتكر الغرب حتى قطاعاً لما يسميه (سياحة الكوارث) وينظم سفرات لمواقع البراكين والأعاصير وخراب الهزات الأرضية والحروب، بل ويقيم متاحفاً لتخليد ذكراها، والقطاع الآخر هو (السياحة الأدبية) والذي نود التنبيه إليه هنا، فعلا سبيل المثال: تُحرك سياحة السير في الطريق الذي مشت فيه شخصية (دون كيخوته) الأدبية، ملايين الدولارات سنوياً، فيجيء الناس أفواجاً لاتباع دروب طلعاته في الفلوات الأسبانية المذكورة في الرواية، ويمرون بالقلاع والأودية التي مر بها ويأكلون وجبات الطعام التي أكلها ومن ثم وصولاً إلى البيت الذي (يفترض) أنه مسقط رأس مؤلفها.. وغير ذلك من تفاصيل جميلة. وما أكثر من حرص منا على زيارة قبر أو مقهى أو بيت أو حتى تمثال كاتب معروف في البلدان التي نزورها، وكلنا سمع مثلاً بالاحتفالات السنوية برواية (يوليسيس) لجويس في دبلن حيث تدور أحداث الرواية، وفي بطرسبورغ يزور الناس الشارع الذي تدور فيه أحداث رواية (الجريمة والعقاب) لدسيتوفسكي. يشار إلى أن (السياحة الأدبية) قد استُحدثت بفضل الأدب أيضاً، فبفضل المعجبين برواية (البحث عن الزمن المفقود) لبروست منذ عقود وتتبعهم لأماكن سير أحداثها من باريس إلى نورمانديا قد جاءت الانطلاقة العملية للاشتغال على هذا القطاع السياحي. حيث صارت البلدان والمدن والقرى في العالم تستثمر أكثر نتاجات وإرث وأسماء أبنائها من المبدعين مادياً ومعنوياً، ولن تكون كولومبيا في استحداثها للسياحة بقرية (ماكاندو) في روية (مائة عام من العزلة) وكل ما يتعلق بماركيز، أو بيرو في استحداثها للسياحة في الأماكن المذكورة في روايات فارغاس يوسا هما الأخيريتين في هذا المجال. وغني عن الذكر المدن التي تقام وتزداد انتشاراً لشخصيات والدزني الخيالية وغيرها. فكل ما يتعلق بهذا النوع من السياحة إيجابياً لكل الأطراف، ترى لماذا لا نشيّد، على سبيل المثال، مدناً تستقي نفسها من أجواء ألف ليلة وليلة؟ لماذا لا نؤهل الدرب الذي سار فيه المتنبي حتى مقتله؟ وخرائط لشوارع وحارات نجيب محفوظ وقرية (موسم الهجرة إلى الشمال) ونيلها، ولاذقية روايات حنا مينا وغيرها؟ لماذا لا نرمم، على الأقل، بيوت وقبور ومقاهي الأسماء الكبيرة في ثقافتنا ونكثر من التماثيل والنصب لهم؟ فنوظف بذلك آلاف العاطلين ونجذب سياحة آلاف أو ملايين من الآخرين، وفي الوقت نفسه هو فعل ثقافي حيوي سيكون له الأثر الكبير في إعلاء شأن الثقافي بيننا ولنا ولأبنائنا.
إنني أحلم الآن بالدخول إلى مدينة (ألف ليلة وليلة) مرتدياً لباس أهلها ومتعاملاً بعملتها متجولاً بين أسواق الوراقين والصاغة وداخلاً حاناتها ومخادع الأميرات وكهوف الساحرات فيها وطائراً بصحبة طفلتي على بساط الريح فوق قبابها.. إنني أحلم بسياحة ثقافية أدبية لا تنتهي في قرانا والمدن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية، بتاريخ 30/11/2010 العدد 718

الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن المجلات الثقافية


.. عن المجلات الثقافية
د.محسن الرملي
ثمة قول معروف مفاده بأن "الذي لا يتجدد يموت"، فإلى أي حد ينطبق هذا القول على المجلات الثقافية؟. ها نحن نراها تتراجع وتموت تباعاً بعد أن كانت منابر قوية في كل ثقافات العالم، وكم من مجلة نذكرها قد كان مجرد النشر فيها يعد اعترافاً بصاحب المنشور ككاتب أو كصحفي، وكم من مجلة كانت نواة لحركة فكرية أو تيار ثقافي بأكمله أو كانت خلاصة لصوت وهوية جيل أو مرحلة بكل همومها وأفكارها وأحلامها ومرجعاً لا مناص منه في اختصاصها ولدارسيها.. وكم وكم من مجلة ثقافية صنعت ثقافة حقيقية!.. فلماذا إذاً نراها تتهاوى هكذا حتى تكاد تنقرض من حياتنا؟ أهي هيمنة التكنلوجيا وحدها التي انتصرت عليها أم أن لنمطيتها وكسلها عن التجديد دوراً في موتها؟
إن إنشاء مجلة وإدارتها وتحريرها هو إبداع أيضاً ويفترض به أن يحرص على خصوصيته وأن يقدم المتميز والجديد والخاص في الشكل وفي المضمون وأن يسعى للتكيف ومواكبة عصره فيما يطرح وفي كيفية الطرح في كل عدد جديد. أضرب أمثلة، عرفتها هنا في إسبانيا، لمجلات ثقافية استطاعت ولازالت تقف على أقدامها الورقية بقوة، ومنها مجلة (إنيه) المتخصصة بالقصة القصيرة، وهي فصلية، تختار لكل عدد موضوعاً واحداً، كأن يكون: العائلة، الليل، التلفزيون، الطفولة، الحب، الإنترنيت...إلخ، ثم تستكتب عشرة كُتاب، حققوا حضوراً معيناً، من بلدان مختلفة لكتابة قصة عن تلك الموضوعة بحيث لا يقل النص عن خمس صفحات، وبعدها تُصدر العدد بالقصص العشرة وبمقدمة وبتعريف موجز بكل كاتب، وقطع طباعتها من الحجم المتوسط، أي أن القارئ سيحملها بمثابة كتاب واحد عن موضوع واحد (أنطولوجيا) لعشر مؤلفين من بلدان وثقافات مختلفة وبأساليب مختلفة، هذا إلى جانب إقامة المجلة لمسابقات سنوية في القصة لم يقل المشاركين فيها عن خمسة آلاف في أي عام، وأخرى للأقصوصة يمكن إرسال المشاركة فيها عبر الإيميل أو حتى الهاتف الجوال.. وهكذا تواصل المجلة حضورها وحيويتها بحيث تحولت إلى مؤسسة ثقافية تهتم أيضاً بالنشر والتصوير والديكور وغيرها مطلقة على نفسها تسمية (مصنع الأفكار). المثال الآخر، وفي اختصاص القصة أيضاً، هو تجربة لكتاب شباب اجتمعوا فيما بينهم لإصدار مجلة باسم (الجانب الآخر من المرآة) وسعوا إلى الاجتهاد في التصميم الحديث والفني الحداثوي لصفحاتها، تشكيل يمزج بين صورة الكاتب ونبذة عنه والنص وموضوعه.. ونوّعوا في أحجام وألوان تصانيف الخط، كما نشروا قصصاً مصورة وينفتحون على أي تجريب يمزج بين الفن البصري والنص مهما تكن غرابته، بحيث تتحول كل صفحة فيها إلى لوحة مستقلة يمكن قصها وتأطيرها وتعليقها على الجدار.. أقول هذا وأود لو أننا في ثقافتنا نسعى إلى الابداع والابتكار في مجلاتنا أو في إصدار مجلات جديدة تأخذ هذه الروحية بعين الاعتبار، بدل الاكتفاء أو الاستمرار بالنمط التقليدي الذي يجمع شتى النصوص والأجناس والمواضيع بلا رابط ولا عناية كوجبة تخلط المالح بالحلو والحامض والطازج بالبائت فلا تتقبلها معدة سليمة، ليتنا لا نكتفي بلاستسلام السلبي حيال هذا التراجع والموت البطيء للقلة الباقية من مجلاتنا الثقافية، فلنحثها على التخصص والتعمق والإبداع.. وعلى التجدد.. لأن الذي لا يتجدد يموت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية، بتاريخ 2/11/2010 العدد 715

http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=90897955020101102112728

السبت، 9 أكتوبر، 2010

عن: رواية الخيال العلمي / د.محسن الرملي


خصائص رواية الخيال العلمي
.. إشكالياتها وأسئلة المستقبل

د. محسن الرملي
مَدخَـل:
الغالبية العظمى منا نحن المهتمون بالأدب قراءة وكتابة، إنتاج وتلقي، نكاد لا نلتفت إلى ما يسمى بأدب (الخيال العلمي Science Fiction) على الإطلاق ونكتفي بمعرفة معلوماتية سطحية عامة وغامضة عنه، بل إننا نحمل نوعاً من الصدود والتجاهل المُطَعَّم بالرفض تجاهه، بحيث نعتبره طارئاً، هجيناً وطفيلياً يقبع على هامش الأدب وليس في متنه. ومما يضايق المهتمين في حقل الخيال العلمي أيضاً ـ ولهم الحق في ذلك ـ هو التعبير السائد عند العموم بوصف الكذب أو ما يُعتقد أنه مستحيل بأنه (خيال علمي) وفق نبرة مفعمة بالاستخفاف.. ويرى فيه البعض مجرد كتابات صبيانية يستهلكها الصبية المراهقين والأطفال، وما هو إلا نوع من الترف المعرفي الذي لا يخدم الأدب الحقيقي، فلا هو بالأدب ولا هو بالعلم، وأن تلك التنبؤات (الأدبية) التي تحققت لاحقاً تدلل على أن ما كتب باسم الأدب هو في الأصل طروحات علمية ـ غير واثقة من علميتها ـ لا أدبية. أو هي نتاج غيرة العلماء ـ وخاصة الفاشلين منهم علمياً ـ من شهرة الأدباء.. وما إلى ذلك من قائمة اتهامات واستبعادات تطول وتتشعب.. هذا على الرغم من أن عطاء الخيال العلمي يواجهنا كل يوم في إشاراته وحضوره عبر الكتب والتلفزيون والسينما والراديو والصحف والمجلات والرسوم وله جمعيات ومؤتمرات واتحادات وجوائز ودور نشر.. ومن ثم هذا الحضور الطاغي له عبر الموجة الإلكترونية الحالية التي أصبحت جزءً من حياتنا اليومين من خلال الانترنيت.. وما أكثر ما نستهلكه من منتوجات هذا الجنس الثقافي دون التوقف قليلاً والتفكير بعملية هضمنا واستيعابنا له وتشكيل موقف واضح حياله. أو على الأقل التعرف عليه بشكل أفضل؛ هويته، تاريخه، خصائصه، كبار كتابه، مواضيعه، إشكالياته وأفاق مستقبله.. وهذا ما سوف أحاول القيام به هنا بشكل موجز قدر الإمكان.
بالنسبة لي، شخصياً، فقد لفت انتباهي إلى هذا الأمر الشاعر عبدالوهاب البياتي سنة 1988 حين التقينا في مدريد ودعاني لمشاهدة فلم في السينما يتعلق بالفضاء وحرب النجوم، وحين سألته باستغراب، كوننا هو وأنا لم نكن نعرف حينها من اللغة الإسبانية، التي تمت دبلجة الفلم بها، إلا بضعة كلمات؟. قال بأنه لا يهمه الحوار واللغة فيه وإنما الخيال والتكنلوجيا، وقرأت له مقابلة بعد أعوام يشير فيها إلى هذا الأمر بالقول:"قد لا أكون مازحاً، إذا ما قلت لك أن اهتمامي بروايات الخيال العلمي وعلوم الفضاء، قد منحني مناخاً خاصاً أكتب فيه، فالذي يقرأ آخر قصيدة لي قد يستغرب ويسأل متى كتبت هذه القصيدة، ولا يسأل ما هو الشكل الذي كتبت فيه؛ فهي قصيدة نالت اهتمام الشباب والقراء بمختلف مستوياتهم الثقافية، (..). لقد دخلت مرحلة جديدة في حياتي، هي مرحلة المـتأمل في وجه الموت"(1).
إن جل ما يطالب به المشتغلون في ميدان الخيال العلمي هو الاعتراف بنتاجهم واعتباره غصناً أساسياً ومحترماً من بين أغصان شجرة الأدب، وهم يستغربون إعجاب الناس بمشهد النجوم في الليل دون أن يحاولوا معرفة المزيد عن هذه النجوم مثلاً، وهنا يصفون الأمر بأنه نوع من الكسل والتقاعس عن بذل جهد ذهني عقلي في المعرفة والاتكاء والاكتفاء بما تقدمه الأشياء من ذاتها كما هي. ويرون دورهم مهماً وحيوياً على صعيد التعريف بالمنجزات العلمية ومن جهة أخرى برفد الأدب بمواضيع وميادين جديدة، لذا فهم يدعون إلى الاستفادة من أدب الخيال العمي كوسيلة لإشاعة المعرفة العلمية، وهو أمر سيقوم في الوقت ذاته بإشاعة وانتشار رواية الخيال العلمي.

تعاريـف:
إن تحديد تعريفاً وافياً وقطعياً لمفهوم أو اصطلاح (الخيال العلمي Science Fiction) يعد من القضايا التي لم يتم الاتفاق عليها بشكل نهائي، فثمة الكثير جداً من التعريفات، وهناك كثر ممن يغامرون بوضعها، إلا أنه ما من أحد قادر على وصف هذا الجنس الثقافي بحيث يرضي الجميع، وربما يعود هذا الأمر لشساعة وتعدد المواضيع التي يتطرق إليها ولتعدد وجهات النظر التي تتناوله. وعلى الرغم من ذلك فإن كل قارئ متابع لهذا الجنس يعرف جيداً أو، على الأقل، لديه حدس بديهي في تمييز ما هو خيال علمي عن سواه. في اللغة الإسبانية وحدها أحصيت أكثر من خمسين تعريفاً، وهي بالطبع تعريفات تتباين فيما بينها قليلاً أو كثيراً إلا أن القاسم المشترك بينها هو ذلك الذي يتفق على اعتبار العلم أو ما هو علمي منطقي، وليس بالضرورة واقعي تم تجريبه، عنصراً جوهرياً في تكوين أي نتاج ينتمي إلى هذا التصنيف. إنه نوع من الخيال النظري الذي تقدم القصص من خلاله تصوراً عن تأثيرات التقدم العلمي والتكنولوجي على الأفراد أو المجتمع حاضراً أو مستقبلاً، أي أنه ليس خيالاً محضاً وإنما ينطلق من الحقائق العلمية المتحققة موسعاً من افتراضاته، المنطقية إلى حد ما، وليست، بالضرورة، الصحيحة علمياً والمستندة على منهج تجريبي، إلا أنها تبقى في النهاية مبنية على نتائج الحقائق العلمية المعروفة وتكون افتراضاتها مستساغة ومطروحة بشكل مبسط خالي من تفاصيل تعقيدات وتشعبات الشروح العلمية، وتعامل الخيال العلمي مع افتراضات تطور الطفرات والاكتشفات العلمية الهائلة إنما هو نوع من تعبير الإنسان عن قلقه تجاه هذا التطور التكنولوجي الذي قد يؤدي للإضرار به، كما هو حاصل في اختراع أسلحة الدمار الشامل مثلاً، أو للتعبير عن تفاؤله به وأمله في أن يفتح هذا التطور العلمي أفاقاً لخير البشرية كما هو حاصل في الاكتشافات الطبية مثلاً. وهو في كل الأحوال "صورة من الأدب الإمتاعي بغض النظر عن درجة المعرفة العلمية التي قد يكون الخيال العلمي قائماً عليها" على حد قول فالنتينا إيفاشيفا(2)، والتي ترى بان الفجوة بين الخيال العلمي والألوان الأدبية الأخرى آخذة بالانكماش. وفي الأصل كانت بدايات هذا الجنس في الأدب، ثم انتقل إلى السينما محققاً النجاح في كليهما على امتداد القرن العشرين.
إسحاق عظيموف أحد أكبر كُتاب هذا النوع يقول:" إن الخيال العلمي هو الصنف الأدبي الذي يعالج مسألة الإجابة الإنسانية على التغيرات الحاصلة على صعيد العلم والتكنولوجيا"(3). وجاء في تعريف الدكتور أميت جوسوامي أستاذ الفيزياء بجامعة أوريجون الأمريكية، وأحد كتاب الخيال العلمي، أنه " هو ذلك الضرب من الرواية الذي يعرض لتيارات التغير في العلم والمجتمع، فهو يهتم بنقض النماذج العلمية الثابتة، وتوسيع نظامها، وإعادة النظر فيها، واتخاذ نهج ثوري إزاءها. إن هدفه هو العمل على تحويل زاوية النظر إلى تلك النماذج، بحيث تبدو أكثر تجاوباً وتوافقاً مع الطبيعة"(4). فيما يعرفه أحد أعمدة كتابته عربياً، الدكتور طالب عمران بأنه "الانتقال عبر آفاق الزمن، على أجنحة الحلم المُطَعَّم بالمكتسبات العلمية، وغالباً ما يطرق مؤلفوه أبواب المستقبل بتنبؤاتهم دون زمن محدد، فهو نظرة واسعة إلى العالم يدخل فيها العلم فيمتزج بحقائقه مع خيال الكاتب، ترسم أحداث تنقلك إلى المستقبل، أو الماضي السحيق، فتثيرك وتذهلك. والرابطة بين الخيال والعلم رابطة مؤطرة متماسكة، ومن يكتب في هذا النوع من الأدب لن ينجح دون ثقافة علمية ممتازة يستخدمها في أحداث قصصه ورواياته"(5).. وهكذا تتعدد تعريفات أدب الخيال العلمي إلى حد أن يناقض بعضها أحياناً، ومن ذلك يشترط البعض أن يكون كاتبها عالماً أو ملماً بالعلم فيما لا يشترط غيرهم ذلك، ويرى البعض بأنه ذلك الأدب الذي يتناول ما يعتقد الرأي العام أنه أمر ممكن الحدوث تحت ظروف معينة، وهذا أيضاً يعد مفهوماً فيه نوع من المخاطرة، لأنه ليس بالإمكان أن نتفق أو نعرف بشكل موضوعي وقطعي حول ما سوف نعتبره (ممكن) أو (غير ممكن). وعلى أية حال فإننا قد نتفق أكثر مع ما يراه الدكتور ويلز ميكنيلي من جامعة كاليفورنيا؛ بأن البطل الحقيقي لأية قصة أو رواية إنما هو الفكرة الجديدة وليس الشخصية. فإذا كان هذا الرأي ينطبق على عموم أدب الرواية والقصة فإنه يبدو أكثر انطباقاً فيما يخص سرديات الخيال العلمي.
ومن أجل المزيد من تلمس التعرف على مفهوم هذا الجنس الكتابي، فإن استعادتنا لاستعراض لمحة عن تاريخه ومن ثم التعرف على بعض خصائصه وإشكالياته، سوف يساعدنا أكثر في بلورة تصورنا وربما حتى تعريفنا ومفهومنا الخاص له.
نبذة تاريخية:
لقد كانت بداية انطلاقة وانتشار تعبير أو مصطلح (الخيال العلمي) سنة 1926 من قبل هوجو جيرنسباك Hugo Gernsback الذي وضعه على غلاف إحدى أهم المجلات الشهيرة آنذاك بقصص الخيال والتنظير في العشرينات في الولايات المتحدة الأمريكية وهي مجلة ( Amazing). هذا على الرغم من أن الاستخدام المبكر لهذا المصطلح (الخيال العلمي) قد ظهر سنة 1851 من قبل ويليم ويلسون William Wilson إلا أنه قد كان استخداماً معزولاً ولم يصبح عاماً وشائعاً ومستخدماً كما هو عليه اليوم إلى أن أستخدمه جيرنسباك بشكل متواصل وإعلاني (على الرغم من أنه قد حاول في بداية الأمر ولمدة قصيرة استخدام الاشتقاق scientifiction إلا أنه لم يوفق في ذلك) فيما انتشر مصطلح الخيال العلمي.
وهكذا فحتى عام 1926 لم يكن لمصطلح أو تصنيف (الخيال العلمي Science Fiction) من وجود كما هو متعارف عليه الآن. وحتى هذا التاريخ فإن الكتابات التي نسميها الآن بأنها خيال علمي كان يطلق عليها عدة أسماء أو تصنيفات مثل: رحلات فنطازية، قصص العوالم الضائعة، يوتوبيات، روايات علمية وما إلى ذلك.
الكندي جون كلوت John Clute يسمي تلك المرحلة السابقة على شيوع الاصطلاح التجنيسي بكونها بدائيات الخيال العلمي وهي تسمية معقولة وخاصة لأولئك الذين يتذكرون بدايات تجاربه.
بالنسبة للكثير من الدارسين فإن أول عمل خيال علمي بمحتوى وعناصر تتوافق والاصطلاح الذي تم اتخاذه لاحقاً لهذا الجنس، يعود إلى سنة 1818 وهو العام الذي نشرت فيه الكاتبة الإنكليزية ماري شيلي Mary Shelley روايتها فرانكنشتين Frankenstein. فيما يرى البعض الآخر عناصر هذا الجنس وبعض خصائصه متوفرة في الحكايات والأساطير القديمة ومنها الإغريقية كما في أسطورة والد إيكارو الذي أنشأ متاهة مينوس، وصنع تماثيلاً من خشب قادرة على تحريك نفسها ذاتياً فاعتبرت البداية الأولى لعوالم الروبوت، كذلك أحلام السفر إلى القمر في أعمال كالتي كتبها كيرانو دي بيرخيراك Cyrano de Bergerac في القرن السابع عشر والبارون دي ميونتشاوسين Baron de Munchausen في القرن الثامن عشر. حيث تتوفر بعضها على مقاربات علمية منطقية. بينما يرى عدنان المبارك(6) بأن هذا الأدب "يملك تقاليد بالغة القدم تعود إلى أولى تصورات الإنسان عن الواقع وإمكانياته ككائن بشري يكتشف، باستمرار، الطبيعة والعالم. وكما معلوم فأولى المعطيات عن الرحلات، وبينها إلى الكواكب، نلقاها في آدابنا السومرية (ملحمة جلجامش مثلاً) والآشورية والمصرية وغيرها. وفي نص مصري من قبل أربعة آلاف سنة نقرأ عن رحلات خيالية إلى كواكب أخرى، وفي الـ(ماهابهارتا) الهندية القديمة خلق الشعراء في الفترة ما بين القرن الرابع قبل الميلاد والرابع بعده، صوراً فنتازية في تفاصيلها لرحلة إلى القمر وعلى متن سفن شبيهة بسفن اليوم الفضائية. وقد تبدو هذه كلها تصورات بعيدة عن مخيلة تلك الأزمنة التي لم تعرف إلا تحليق الطير، وإلا فمن أين أتى الكلام عن المكائن التي تقذف النار؟ وهذه التصورات القديمة تدعم الفرضية القائلة بأن الفنتازيا الأكثر بعداً عن الواقع لابد أن يكون فيها عدد من عناصره، وهذا موضوع قد يكون، في أضعف الأحوال، مادة صنف معين من الخيال العلمي يتناول عدداً من ألغاز واحتمالات وجود حضارات متطورة على الأرض سبقت حضارتنا. وهناك من يعتبر رواداً لأدب الخيال العلمي مؤلفين يونانيين أمثال ديوجين من القرن الأول قبل الميلاد والذي وصف رحلة إلى القمر، ولوكيان من القرن الثاني قبل الميلاد حين كتب عن بحارة وصلوا إلى القمر أثناء عاصفة شديدة..". وبالطبع تتكرر الإشارات أيضاً إلى ما في (ألف ليلة وليلة) من حصان طائر، بساط سحري، بلورة رؤيا ومصباح علاء الدين.. وغيرها. كذلك يشار إلى (رسالة الغفران) للمعري، وبشكل أكبر إلى عمل ابن طفيل في القرن 12م (حي بن يقظان) والذي يعرف غربياً بالفيلسوف الذي علم نفسه بنفسه، وكان نقطة انطلاق للكثير من الأعمال التي حذت حذوه.
وفي كل الأحوال فإنه لمن المتعذر وضع حدود ثابتة لتاريخية هذا الجنس، إلا أن كلوت Cluteفي موسوعته المتميزة(7)، يضع موضع الشك وجود هذا الجنس وفق مفهومه الحالي في مراحل بالغة التبكير ويرى بأن أولى النماذج قد كانت في نهايات القرن السابع عشر، إلا أن النموذج الأبرز هو رواية (يوتوبيا) لتوماس مور Tomas Moro سنة 1516 وهي أول قصة تتضمن وصفاً لمجتمع متخيل بكامله وبملامح ومعطيات تقترب من سلسلة التجارب العلمية الأولى. إلا أن معظم المختصين يتفقون على أن رواية شيلي هي نقطة التحول والانطلاقة الحقيقية لأدب الخيال العلمي والتي قسمت تاريخ هذا الجنس إلى ما قبلها وما بعدها، على الرغم من أن الأعوام الأولى التي تلت صدورها لم تحفل بنماذج أخرى مهمة إلا أننا يمكن أن نضيف روايتها الأخرى (الإنسان الأخير).
وفي عقد سنوات 1850 ظهرت أسماء علماء وأعمال كبار رواد هذا الجنس أمثال الفرنسي جول فيرن Jules Verne الذي نشر سنة 1851 أول أعماله من الخيال العلمي (رحلة في منطاد) فتحول ظهور هذه الرواية إلى عمل يمثل علامة بارزة في هذا الجنس وتحولت النظرة إلى العلم بفضلها من نظرة ريب وشك تجاه ما هو مجهول إلى مصدر للمعرفة والمغامرات والاكتشاف. ومن ثم تبعتها روايات الإنكليزي هربرت جورج ويلز H.G. Wells (1866 ـ 1946) والذي يعده بعض النقاد بمثابة شكسبير الخيال العلمي عبر أعماله التي تتضمن نقداً اجتماعياً بمواصفات علمية. وقد راحت أعمال فيرن وويلز تنافر القصص والروايات القصيرة ذات المواضيع الفنطازية التي كانت منتشرة في صحف ومجلات أواخر القرن التاسع عشر، مما جعل البعض أن يتخذ أفكاراً علمية كحجة للانطلاق في عالم الخيال الفنطازي، وهكذا، مثلاً، وإن كان السير آرثور دويلي Sir Arthur Conan Doyle مشهوراً بأعمال أخرى إلا أنه قد كتب بعض أعمال الخيال العلمي، كذلك قد اقترب تشارلس ديكنز Charles Dikens من هذا الجنس وخاصة في روايته (البيت الأسود) سنة 1852 وراح يهتم بتقصي الحقائق العلمية في بقية رواياته خشية الوقوع في الخطأ العلمي وإثارة النقد ضده. والكاتب البريطاني الآخر الذي يعد من كبار كتاب الخيال العلمي هو جون ويندهام John Wyndham (1903 ـ 1969) والذي كان يفضل أن يصطلح لأدب الخيال العلمي تسمية (الفنطازيا المنطقية) وقد حاز شهرة كبيرة حتى بين غير المهتمين بأدب الخيال العلمي. ومن ثم كارل كيبك Karel Capek الذي أدخل في مسرحيته (آر. يو. آر.) تسمية الروبوت ومؤلف (حرب السمندر) سنة 1937 التي صارت من كلاسيكيات هذا الجنس.
اشتهرت أعمال فيرن وويلز وصار لهما قراءهما في مختلف أنحاء العالم، وكذلك مقلدين من الكتاب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مما ساعد على تفتح وازدهار ومن ثم ثورة أدب الخيال العلمي في أمريكا حيث برز اسم مارك توين Mark Twain وجاك لندن Jack London، وإدغار آلان بو Edgar Allan Poe في بعض قصصه، إلا أن الكاتب الذي استطاع أن يوسع من إشاعة أدب الخيال العلمي في أمريكا ويرمز لنهضته هو إدغار رايس بوروز Edgar Rice Burroughs والذي نشر قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بقليل عمله (تحت أقمار المريخ) 1912 مسلسلاً في إحدى مجلات المغامرات الشهيرة، وهو صاحب الشخصية العالمية المعروفة (طرزان). وكما أشرنا سابقاً فإن هذا الانتشار الناجح لأدب الخيال العلمي في أمريكا هو الذي تمخض لاحقاً عن ولادة اصطلاح تسميته على يد هوغو جرنسباغ Hugo Gernsback مؤسس مجلة (Amazing).
يتم تصنيف المرحلة الواقعة بين الأعوام 1938 ـ 1950 باعتبارها فترة العصر الذهبي لأدب الخيال العلمي، حيث ظهور مجلة (Astounding Science Fiction) وأسماء كتاب كبار أمثال: إسحاق عظيموف Isaac Asimof، آرثر سي كلارك Arthur C. Clarke، وروبرت هينلين Robert A. Heilein وصار الخيال العلمي يكتسب مكانته باعتباره جنساً أدبياً مهماً راح يتطور وينضج من حيث خصائصه الفنية وتتضح ملامحه، كذلك كان لبعض الكتاب الآخرين فضلاً في ترسيخ واحترام هذا الجنس وإن كانوا ليسو من الكتاب المتخصصين به أمثال: كارل كيبيك Karel Capek، الدوس هكسلي Aldous Huxley وسي. أس. لويس C. S. Lewis. وكانت المجلات المتخصصة لافتة للنظر من حيث إخراجها وتصميمها حيث تظهر على أغلفتها صور ملونة لعيون ذبابة أو نساء شبه عاريات مما منحها صفحة جذابة وتشد انتباه جمهورها الذي كان من الفتية والمراهقين بشكل خاص.
وبعد الحرب العالمية الثانية حدث تحول في هذا الجنس حيث ازداد نتاج الروايات على حساب القصص القصيرة والمضامين، والتقنيات الروائية صارت أكثر نضجاً وتعقيداً، وتأسست مجلات جديدة مهمة وواسعة الانتشار.
فيما تم اعتبار الفترة بين الأعوام 1951 ـ 1965 عصراً فضياً حيث انتشرت أبرز الأعمال التي كتبت بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها مثلاً ما كانت بقلم كاتب لا يعد ضمن الذين كرسوا حياتهم للخيال العلمي ألا وهو جورج أورويل في روايته (1984) فقد مثل هذا العمل قفزة كبيرة في تقريب هذا الجنس إلى الأدب المتعارف عليه وكسب المزيد من متابعيه. وبالطبع إضافة إلى بقية الأسماء الكبيرة التي سبق ذكرها وواصلت انتشارها حتى أوصلوا هذا الجنس الروائي إلى ذروته، وظهرت في تلك الفترة أبرز عناوين الأعمال التي سرعان ما صارت تعد من الكلاسيكيات الأساسية في الخيال العلمي مثل: (درجة 45 فهرنهايت) لبرادبوي، (أسواق الفضاء) لبول، (أكثر من بشري) لستيرجون، (نهاية الأبدية) لعظيموف و(اليانصيب الشمسي) لديك، ومنها تلك التي تم تحويلها إلى السينما والتلفزيون كـ (البرتقالة الميكانيكية) لأننتوني بورجيس على سبيل المثال. كما أن في هذه الفترة تمت انطلاقة جائزة هوغو لأدب الخيال العلمي التي أعلنت للمرة الأولى سنة 1953، وغيرها من الإنجازات الكبيرة التي حققها هذا الجنس في نموه، الأمر الذي دعى بعض النقاد لاعتبار هذه المرحلة الأخيرة امتداداً للمرحلة السابقة وعدها جزء من الفترة الذهبية للخيال العلمي أو امتداداً لها.
الخيال العلمي عربياً:
عدا ما تتم الإشارة إليه من جذور للخيال العلمي في أعمال مثل (ألف ليلة وليلة) و(حي بن يقظان) ومدينة الفارابي الفاضلة.. وغيرها، يشير نهاد شريف(8)، أحد الأسماء البارزة في أدب الخيال العلمي العربي المعاصر، إلى وجود ما يقرب 35 كاتباً عربياً وبأن البداية يمكن عدها منذ مطلع الخمسينات، ثم يعدد أبرز التجارب العربية في هذا المجال على النحو التالي: في القسم الأول الخاص بالكتاب المصريين تبدأ مسيرتهم من بداية الخمسينات، حيث يعكف توفيق الحكيم على تجربتين من أدب الخيال العلمي وسط أعماله الأخرى، هما قصته (في سنة مليون) 1953 ثم مسرحيته (رحلة إلى الغد) 1958، تلاه د. يوسف عزالدين عيسى بكتابة مجموعة تمثيليات إذاعية بدأ تقديمها منذ عام 1957. وفي أعوام الستينات: كتب د.مصطفى محمود روايته (العنكبوت) 1964 و(زجل تحت الصفر) 1967، كما كتب نهاد شريف روايته (قاهر الزمن) 1966 والتي تلتها 6 روايات أخرى و 8 مجاميع قصصية ومسرحيتان، إلى جانب عدد من الدراسات في أدب النوع. وفي أعوام السبعينات: كتب سعد مكاوي مجرباً مسرحيته (الميت الحي) 1973 وقصتين ضمن مجموعته (الفجر يزور الحديقة) 1975، كما كتب محمد الحديدي روايته (شخص آخر في المرآة) 1975، ثم جاءت كتابات رؤوف وصفي فبدأ بمجموعته القصصية (غزاة من الفضاء) 1979 وتلتها ثلاث مجاميع للكبار وواحدة أخرى للصغار. وفي أعوام الثمانينات والتسعينات: قدم المرحوم إبراهيم أسعد محمد مجموعته (قصص أخرى) من أدب الخيال العلمي سنة 1980، وحسين قدري روايته (هروب إلى الفضاء) 1981، وأحمد سويلم في ديوانيه (السفر والأوسمة) 1983 و(شظايا) 1994، كما كتب صبري موسى روايته (السيد من حقل السبانخ) 1986، ثم صلاح معاطي في مجموعته القصصية (انقذوا هذا الكوكب) 1986 فمجموعته الثانية (العمر خمس دقائق) 1992، وكتب عمر كامل روايته (ثقب في قاع النهر) 1987، ود.علي حسن روايته (السرطان وابتسامة سليمان) 1987، وإيهاب الأزهري روايته (الكوكب الملعون) 1987، وعادل غنيم روايته (نادي من عظام فتاة) 1989، ومهندس صلاح عبد الغني روايته (شجرة العائلة الأفقية) 1990، وأميمة خفاجي روايتها (جريمة عالم) 1992، والسيد القماحي قصته (الميكروصوت) 1993. يضاف إلى من سبق ذكرهم؛ نحو ثمانية من كتاب أدب الخيال العلمي للأطفال هم: فتحي أمين، عمر حلمي، صلاح طنطاوي، مجدي صابر، د.حسام العقاد، هشام الصياد واشرف شفيوي.
أما القسم الثاني الخاص ببقية الكتاب العرب فيضم: المغربي محمد عزيز الحبابي في روايته (إكسير الحياة) 1974، السوري د.طالب عمران الذي كتب رواية (العابرون خلف الشمس) 1987 وأتبعها بأربع روايات وأربع مجاميع قصصية وخمس مجاميع للأطفال، كما كتب المغربي عبدالسلام البقالي روايته (الطوفان الأزرق) في سنة 1979 ومجموعتين قصصيتين للأطفال، كذلك قدم بشير التركي دراسة في أدب الخيال العلمي سنة 1979، وكتب العراقي قاسم الخطاط روايته (البقعة الخضراء) 1984، والمغربي أحمد أفزارن مجموعته القصصية (غداً) 1986، والعراقي موفق ويس محمود مجموعة قصصه (إنها تنبض بالحياة) 1987، والعراقي علي كريم كاظم مجموعة قصص (الكوكب الأخضر) 1987، والكويتية طيبة أحمد الإبراهيم في رواياتها (الإنسان الباهت) 1986، (الإنسان المتعدد) 1990، (انقراض الرجل) 1990 وغيرها، والسوداني جمال عبد الملك الملقب بابن خلدون كتب مجموعته القصصية (الجواد الأسود) 1994. هذا ونضيف إلى الأسماء التي ذكرها نهاد شريف اسم الكاتب المصري د. أحمد خالد توفيق الذي له عشرات الأعمال، والعراقيين فؤاد التكرلي في قصته (م. أ. ر. ع. س.) 1984، وبهجت عباس في قصته (انتقام) 1997، وعدنان المبارك الذي له دراسات وترجمات متعلقة بالخيال العلمي والعديد من القصص القصيرة التي نذكر منها: (رحلة إلى القمر لم تحدث)، (السيد علوان والمخلوقات المنورة)، (زائر من هناك)، (السقوط من أسفل)، (لقاء في الحصورة)، (عماد والكرة الكونية) وغيرها.
خصائص:
نشير أولاً بأنه ليس أمامنا هنا إلا أن نتحدث عما هو عام وبشكل موجز لأن القيام بالحديث أو دراسة تفرعات وخصائص رواية الخيال العلمي يتطلب مجلدات بحجم الموسوعات كما يقول باتريك مور(9).
الزمان: إذا كانت الروايات الأدبية المتداولة تتميز بطبيعة تعاملها وتقنياتها في التناولات الفنية للزمن الروائي وكيفية بنائه، فإن روايات الخيال العلمي تتميز بطبيعة تعاملها مع الزمن المتعارف عليه كموضوعة رئيسية، فيتخذ بعضها ـ وهو الأقل ـ من الزمن الماضي ثيمة ومناخاً لمجمل العمل عبر افتراض عدم وقوع أحداث معينة غيرت مجرى التاريخ أو افتراض وقوع غيرها اعتماداً على معطيات علمية واكتشافات متعلقة بما هو سابق، أو الحاضر وما هو متوافر فيه من ثمار مؤثرات التقدم العلمي والتكنولوجي وأوجه احتمالاته على مختلف الأصعدة، أو المستقبل وهو الذي تتعامل معه أغلب روايات الخيال العلمي، فبعد تمكن الإنسان باقتدار من السفر والترحال عبر الأمكنة صار يفكر بالسفر عبر الأزمنة ويريد التنقل بين مناطقه الثلاث هذه، فمثلاً إذا كانت الأرض تدور حول نفسها مرة واحدة كل أربع وعشرين ساعة، ماذا لو سافرنا بسرعات مختلفة أخرى، تزيد أو تنقص عن سرعتها الثابتة هذه؟ ومن هنا انطلقت العديد من فرضيات أعمال هذا الخيال. ثم إذا كان الجسد الفيزيائي المادي يسافر، فهل بإمكان الذهن أن يسافر أيضاً بشكل مستقل؟. وكما يقول الإسباني ميغيل بارثيلو(10)؛ فإن رواية الخيال العلمي تهيئنا للعيش في عالم المستقبل. وإنها تتحدث عن شيء موجود ألا وهو المستقبل، وهو حتماً مختلف عن الماضي والحاضر، وما تفكر به هو مدى إمكانية الاستعداد له، بل وحتى السعي للتدخل في صياغته وفق إرادتنا ومصالحنا.
اللغة: غالباً ما تتعامل روايات الخيال العلمي مع اللغة على أنها مجرد أداة، لذا فهي تبسيطية ومباشرة ومقتصدة، وهذا أمر يعد من أهم نقاط الاختلاف والافتراق بينها وبين الأدب الخالص عموماً، وكثيراً ما يتم استبعاد نتاج الخيال العلمي عن حقل الأدب بسبب ذلك، وخاصة أن اللغة في الأدب تعتبر مادة رئيسية وميدان اشتغاله الجمالي الخصب. وليست اللغة هي الأداة التوضيحية الوحيدة لأدب الخيال العلمي فهو قد استخدم ووظف الرسوم والخرائط والصور والمعادلات الرياضية والتصميمات العلمية ومن ثم التقنيات الإلكترونية الحديثة وأدخلها ضمن متن نصوصه، بحيث أنه وفي بداياته كان يفرض حتى على مصممي أغلفة المجلات والكتب شروطاً من أهمها المعرفة العلمية إلى حد ما عموماً، ومعرفة بموضوع الرواية وفهماً لطبيعة طروحاتها وفروضها العلمية.
التقنية: لقد استفادت رواية الخيال العلمي من تقنيات الروايات الفنطازية التي سبقتها، لذا فهي لم تتردد بضمها لاحقاً تحت جناحها بعد إجراء بعض التغيرات عليها، إلا أن الاستفادة الأكبر والأوسع انتشاراً هي تلك التي تأثرت وجاءت مستمَدة من تقنيات الرواية البوليسية وحبكتها المحسوبة بعناية والهادفة إلى التشويق وشد المتلقي.
الموضوعة: أمام عموم تشابه مجمل العناصر الفنية لروايات الخيال العلمي قد تم اللجوء إلى القيام بإجراءات تصنيفها وفق المواضيع فهي أبرز ما يميزها وأكثر عناصرها خصوبة وتنوعاً وتجدداً وفيها يكمن جل اشتغالها وأهميتها وثقلها الحقيقي. وهنا يحرص المختصون بالخيال العلمي والمدافعون عنه إلى التمييز بين مجموعتين منه وعلى النحو التالي: تلك التي تفتقر إلى الدقة وغير سليمة علمياً. والثانية هي تلك التي تلتزم قدر الإمكان بالمعارف والمعطيات العلمية التي تمت برهنتها، وتنطلق منها(11). وفي ضوء هذه النقطة التصنيفية تحديداً يعزوا المختصون بالخيال العلمي بعض أسباب سوء الفهم والصدود عن نتاج الخيال العلمي، أي بسبب دخول ما يسمونهم بالطارئين والانتهازيين الذين يكتبون أعمالاً خرافية أو فنطازية جاهلة علمياً وينسبونها إلى جنس الخيال العلمي.
ومن أبرز المواضيع التي تتناولها روايات الخيال العلمي: المستقبل أو المراحل الزمنية القادمة، مُركزة رؤيتها عادة من خلال تصور التقدم العلمي والاجتماعي، اختراعات واكتشافات علمية وتكنولوجية ممكنة، تواصلات مع كائنات من كواكب أخرى سواء أكانت عاقلة أو لا.. ونتائج ذلك التواصل. فروقات الإنسان عبر القيام بمقارنته بالإنسان الآلي الروبوت وكائنات الكواكب الأخرى وغيرها من الكائنات سواء أكانت عاقلة أو لا. وبعضها يقوم بمزج أكثر من نوع، ففيها قصص رعب، كوارث، سياسة، مغامرات، رومانسية وحتى استعادات تاريخية.
وبشكل عام تكاد تصل تصنيفات أدب الخيال العلمي ورواياته وفق الموضوعة إلى ما يقارب الثلاثين صنفاً من أبرزها:
ارتياد الفضاء Space opera وهي تلك التي تصف المغامرات والرحلات إلى الفضاء وكواكبه، استكشافاً أو حروباً واحتلالاً أو الحياة فيه. ويعتبرها البعض تطوراً عن تلك الرحلات والمغامرات الفنطازية التي كانت سائدة في الآداب الرومانسية الكلاسيكية إلا أنها اتجهت إلى الفضاء والمستقبل انطلاقاً مما فتحه التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر من آفاق وإمكانيات متحققة ومن فرضيات نظرية.
اليوتوبيا Utopia أو المدن الفاضلة المثالية والتجمعات والمدن المستقبلية. والحلم بمجتمعات نموذجية يتم توظيف العلمي فيها لكل ما هو إيجابي ولصالح خدمة الإنسان.
ديستوبيا Dystopia أو نقيض اليوتوبيا؛ الذي يتحدث عن مدن وتجمعات كابوسية تسودها الفوضى الأخلاقية والرعب.. تلك النماذج غير المرغوب بها من المجتمعات التي تصل الشؤون الاجتماعية فيها إلى مراحل فضيعة في شائكية العلاقات ومرارتها، مستخدمة ما هو علمي في خدمة الشر والقسوة، وهو بالطبع نوع من التحذير وعادة ما تتخذ هذه الأعمال مراحل زمنية مستقبلية وشيكة استناداً على بعض مظاهر المجتمعات الحالية.
الخيال العلمي الصارم Hard Science Fiction وهي أعمال شديدة الصرامة بالتزامها بالدقة العلمية المتطورة وبوصفها البالغ الدقة لكل ما هو علمي، حيث أنها تنطلق من ترجيح أهمية المحتوى على الشكل، وترجيح كفة العلمي على حساب الحكائي السردي، بحيث أن بعض المتشددين اعتبرها هي النموذج الذي يفترض أن يكون الأمثل لجنس الخيال العلمي، إلا أن هذا أدى إلى انقسام واختلاف بين أتباع وقراء هذا النوع لأنهم اعتبروا ذلك نوعاً من التقييد له وحصره على النخبة العلمية.
أوكرونياUchronia أو التاريخ البديل Allohistory؛ الذي يبنى على معلومات علمية تتعلق بالماضي وتم اكتشافها، فيقوم بتشييد تصوره ومناخاته على افتراضات تاريخية غير السائدة أو تلك التي حدثت، كافتراض تواصل وجود الديناصورات وكائنات أخرى وعدم انقراضها، أو ماذا لو لم يتم اكتشاف القارة الأمريكية؟ ماذا لو لم يوجد نابليون؟ أو لم يهاجم هتلر روسيا.. وما إلى ذلك.
السايبر بانك Cyber punk الذي ظهر في مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي إثر انطلاقة الشبكة الإلكترونية والثورة العلمية الرقمية الإنترنت، ويتناول فيها افتراضات وإمكانية استخدام هذه التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، حيث أجيال وقدرات أجهزة الكمبيوتر وعالم المتسللين عبر أنظمتها Hackers، وغالبها يتسم بالرؤية التشاؤمية تجاه مستقبل ستتحكم فيه التكنولوجيا التي تهيمن عليها الرأسمالية المتوحشة وهي تستقطب محترفي (الإجرام) الرقمي. وتلا هذا النوع لاحقاً ما أطلق عليه بـ (ما بعد السايبر بانك).
غيـرها: ومنها، عالم الكائنات الآلية الذكية والروبوت والصحون الطائرة، الترحال في الزمن، الاستنساخ البشري والتحكم بالجينات، السوبرمانات، أعماق البحار، الاختفاء، الكوارث المستقبلية، المركبات التي تمثل عالماً قائماً بذاته وهي فكرة كان منطلقها في الأصل سفينة نوح. ومنها أيضاً تلك الأصناف التي يعددها الدكتور أحمد خالد توفيق في كتابه (أرشيف الغد)(12) مثل: غرباء بيننا: التي تتناول عالم الفضائيين الأوغاد الذين يأتون إلى الأرض، سواء أكانوا واضحين لنا أو مجهولين، وكقاعدة لهذه القصص.. دعوة لعدم الثقة بهذه الكائنات الفضائية. العوالم البديلة: تتحدث عن مجرات أخرى عليها أرض أخرى وعلى كل أرض مثيل لك. تحدي الجاذبية: والذي ينطلق أساساً من حلم الطيران عند الإنسان. الانتقال الجزئي: حيث يتم التحول فيه من شكل ومادة إلى غيرهما ويتم الانتقال إلى مكان آخر. مدن الغد: وهي التي يتم فيها تصور المدن التي يعيش فيها الفضائيون أو بشر الغد. الإدراك الفائق للحواس ESP: وفي هذه النوعية تتواجد أجواء الباراسايكولوجيا وشخصيات قارئي الأفكار والمحركين لغيرهم عن بعد والعرافين. البحث عن الخلود: كل ما يتعلق بهذا الحلم بما فيها الإحياء المؤقت والتجميد والاستنساخ. ما بعد الكارثة أو المحرقة: الأرض بعد حرب نووية أو وباء أو نفاد الطاقة حيث يعود الإنسان للحياة البدائية والكهوف.. ويصير أقرب إلى الوحوش ويعايشها. انفلات العلم: التي تتناول فرضيات أنواع من التجارب العلمية الخاطئة وما قد تؤدي إليه من إحداث مسوخ وطفرات وراثية. الأراضي المنسية التي لم يأهلها الإنسان، الخيال العلمي الإيروتيكي Space erotica. والنوع الذي يجمع مختلف الأنواع .. وغيرها.
إشكاليات وأسئلة:
مثل مختلف الأجناس الأدبية الأخرى، فلصنف الخيال العلمي إشكالياته العديدة وأسئلته المفتوحة وقضاياه التي يتعلق بعضها بطبيعة الاصطلاحات أو العناصر أو التلقي وما إلى ذلك. يتهمه البعض بكونه أدب يتهرب من مواجهة ما يخص واقع الإنسان وبأنه مبالغ في الخيال، ونستغرب توجيه تهمة كهذه فيما يتم تقبل شطحات الخيال من أجناس أدبية أخرى مهما تكن مبالغتها. لذا يمكن صياغة الأمر بشكل آخر، على هذا النحو: لماذا هذا التجوال الكثير في الفضاءات البعيدة ونسيان هذه الفضاءات الأرضية التي منها دواخل الإنسان وعلاقته بمحيطه الملموس وقرينه الإنسان الآخر؟. تجدر الإشارة هنا إلى إشكالية تعذر اصطلاح (الواقعية) الذي يجري تطبيقه بيسر على بقية أصناف وأساليب الروايات الأدبية الأخرى، والتي منها الواقعية الاشتراكية، الواقعية الواقعية، الواقعية السحرية.. وغيرها، أما هنا فلا يمكن وضع تسمية (الواقعية العلمية) كون ذلك سيعني العلم نفسه، مما سيعني دوام ارتباط هذا النوع بصفة (الخيال) حتى النهاية. يتم التساؤل أيضاً عما هو مصير تلك الأعمال الأولى التي تحققت فرضياتها العلمية أو تجاوزها العلم، وخاصة إذا ما عرفنا أن مكمن قوتها قد كان في متنها العلمي وليس في الأدبي الفني؟. ماذا عن مصير اللغة في هذا الجنس وهو في كل يوم يلجأ إلى توظيف أدوات بصرية وسمعية أخرى، في الوقت الذي يطالب فيه بالاعتراف به كأدب، فيما مادة الأدب الأساسية هي اللغة؟. إن إشكالية ضعف النوعية الأدبية الفنية التي تعاني منها رواية الخيال العلمي تجعل البعض يرى أن الاكتفاء بوصف المكتشفات والتنظيرات العلمية كافياً ولا ضرورة لهذه الثياب الأدبية المهلهلة أو لهذا الاستباق التخيلي الذي يحاول الإدهاش لأن العلم بحد ذاته يدهشنا كل يوم بجديده.
الخيال العلمي يعاني أيضاً من أزمة في النقد المواكب والجاد أو المتخصص، والنقد الأدبي العام يتجاهله أو مقصراً في تناوله، حيث يتم الاكتفاء بالعروض الخبرية الصحفية لما يصدر منه، وقلة نادرة من النقاد الكبار ممن يخصصون جهدهم لدراسات جادة عنه، كما أن كتاب الخيال العلمي أنفسهم يشككون بمدى إصابة النقد في تناوله لأعمالهم، بالقول مثلاً: "لا يُنتظر من ناقد عمره ستين سنة أن يصيب في حديثه عن رواية خيال علمي مكتوبة لفتى عمره ستة عشر سنة"(13). ويمكن رد التساؤل هنا بسؤال: وكيف لكاتب الخيال العلمي الذي عمره ستين سنة أن يكون واثقاً من أن الذي يكتبه؛ هو المناسب لفتى عمره ستة عشر سنة؟.. ثم إلى متى سيبقى كتاب الخيال العلمي يتعكزون على مقولة أن جمهورهم هم الصغار والشباب، ويفشلون في جذب جمهور الكبار والناضجين؟.
ربما أن من محاسن رواية الخيال العلمي أنها ليبرالية راديكالية في التغير وابنة اللحظة الآنية المعاصرة دائماً، لا تثقلها قيود تقاليد تحد من حرية حركتها وخيالها.. بل على العكس إن ارتباطها بالعلم الذي يفاجئنا كل يوم بطفراته المدهشة يجعل منها هي الأخرى قاطعة لمراحل في تغيرها، مما يوحي بأن كاتبها لا يحمل عقداً أدبية على الرغم من أن قيوده الأثقل تتمثل بالتقاليد الأدبية في كتابة الرواية من حيث العناصر والتقنيات وتوافر الشخصيات والحدث والشد والخيط السردي الحكائي، ومن ثم القيد الأثقل المتمثل باللغة. من جهة أخرى يرى البعض خلاف ذلك وبأنها، وعلى الرغم من تعدد صنوفها، لا تزال بحاجة إلى تنويعات جديدة لأنها سرعان ما تقع في تقليدية أنساقها التي تتراكم.
لقد كان للحروب دوراً في ازدهار العلم وبالتالي في ازدهار أدب الخيال العلمي أيضاً، كذلك قد ساهم وما يزال تطور وتقنيات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي والألعاب الإلكترونية كثيراً في دعم الخيال العلمي وإنقاذه من الغرق والتهميش، وهو بدوره يجد نفسه فيها أكثر كل يوم، وهي بقدر ما خدمته، بقدر ما صارت تسحب البساط من تحته، حيث أن هذه التقنيات السمعبصرية العالية تجذب المتلقي تُقدم له دون أن تتطلب منه جهداً ما كجهد القراءة في الحالة الأدبية.. فهل سيستمر هذا الجنس بصفته الأدبية ومطالبة الإقرار بها، أم أنه سينتقل بثقله إلى هذه الميادين؟.
السؤال الآخر هو؛ ماذا عن هذا الضعف حد الغياب أحياناً لعلاقة الخيال العلمي بالجوانب النفسية للإنسان، وكذلك عن العلاقة مع القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والمواقف المبدئية التي لا يمكن تجاهل تأثيرها على الذهنية الإنسانية بهذه السهولة؟. وبالطبع لا يتعلق الأمر هنا بمحاولة مقاضاة عمل أدبي وفق ما يحمله من إيديولوجية، ولكن كما يتساءل خوليان دييث(14): لماذا لا توجد أعمال خيال علمي مهمة حول مواضيع أخلاقية؟، وعادة ما تأتي الإجابة "لأنها لا تُباع"، فقارئ الخيال العلمي غير مستعد لتعقيد متعته باشتراطات القيم الأخلاقية، وهكذا فإن الخيال العلمي يجد نفسه يسير في درب حساس؛ فالذي سيحاول إنجاز عمل جاد من هذا النوع داخل جنس رواية الخيال العلمي سيواجه استبعاداً من الطرفين: قراء الأدب السائد والذين هم في الأصل قد أعرضوا تماماً عن الاهتمام بما يصدر عن الخيال العلمي، وقراء الخيال العلمي الذين اختاروا أن يملأوا ساعاتهم بقراءة موضات الخيال العلمي التشويقية والتي تتجنب الخوض في علوم الشؤون الاجتماعية.. "إنها مشكلة صعبة الحل" كما يصفها دييث، ويضيف: بأنها أحد أسباب ضعف الخيال العلمي حالياً والتي إن استمرت فسوف يدفع ثمنها مع مرور الوقت، فعلى الرغم من تواصل صدور أعمال جيدة، إلا أن الذي ينقص هو صدور أعمال مهمة، أعمال تعكس هموم وقلق الناس الحقيقي دون أن تفرض عليهم أنماط أخرى من الحياة.
أما فيما يتعلق بالخيال العلمي العربي، فإضافة إلى كل ما تم ذكره، فهو يواجه ضعف أو انعدام معرفة الناس به، والأسباب كثيرة منها: هشاشة التكوين والمعرفة العلمية التي يقدمها التعليم أو التكوين الثقافي، وندرة ترجمات روايات الخيال العلمي إلى العربية، وإعراض المثقفين عنها حيث أن غالبيتهم قد كان تكوينه الثقافي أدبياً شعرياً أكثر من كونه تكويناً علمياً. يقابل ذلك ضعف التوجه الإبداعي والأدبي عند أصحاب التخصصات العلمية، يضاف إليها عبء الضوابط الاجتماعية والدينية التي تحد من حريته. وضمن هذه الظروف العربية التي تمس الخيال العلمي، يمكن تقليب الأمر للنظر إليه من زاوية أخرى نصيغها عبر تساؤل: ترى لو اجتمعت خصوصية مؤهلات النموذج العربي، مثل شغفه باللغة وتكوينه واهتمامه وذائقته اللغوية الشعرية، مع ضوابطه الأخلاقية الاجتماعية والدينية والمبدئية، مع قدرته (الشرقية) العالية على التخيل وأرثه الخصب منه، مع قارئ حالم بالنهوض ومتعطش للمعرفة الواثقة وهو المحاط والمحبط من كثرة تعاقب الخادعين له.. ترى لو اجتمعت كل هذه العوامل مع دعم واهتمام ورعاية جادة بالخيال العلمي.. هل سينتج المبدع العربي أعمالاً ستشكل إضافة هائلة إلى هذا الجنس الثقافي؟.. أم ترى أن الذي نتحدث به هنا ما هو إلا تحت تأثير حديثنا عن الخيال العلمي، وما نقوله لا يتجاوز كونه ضرباً منه؟..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ـ صحيفة (المنتدى الثقافي)، العدد الأول، أيلول 1996م، دمشق.
(2)ـ فالنتينا إيفاشيفا، الثورة التكنلوجية والأدب، ترجمة: عبدالحميد سليم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985، ص 42.
(3)ـ Miguel Barcelo, Paradojas II, ciencia en la ciencia ficcion, Ed. Equipo Sirius, Madrid 2005, pag. 13.
(4)ـ رجب سعد السيد، الثقافة الغائبة، موقع (3w.arabworldbooks.com).
(5)ـ حوار مع د. طالب عمران أجرته صحيفة (الوطن) العُمانية في عددها الصادر بتاريخ 2/ 2/ 2003م.
(6)ـ عدنان المبارك، أدب الخيال العلمي تجسيد لأحلام الإنسان، موقع (القصة العراقية3w.iraqstory.com)، وله في الموقع ذاته مقالات أخرى بهذا الخصوص، مثل: المخلوقات الكونية في أساطير الهنود الحمر، كيف خلق السومريون ما يسمى اليوم بعلم التحليقات الكونية، السفن الفضائية في تراث الهند.
(7)ـ John Clute, Peter Nicholls, eds., The Encyclopedia of Science Fiction (St. Martin’s Press, 1995) ISBN 0-312-13486-X
(8)ـ حوار مع نهاد شريف أجراه شوقي بدر يوسف، موقع (إسلام أونلاين 3w.islamonline.net )
(9)ـ Patrik Moore, Ciencia y ficcion, Ed. Taurus, Madrid 1965, pag.11.
(10)ـ Miguel Barcelo، مصدر سابق.
(11)ـ Patrik Moore، مصدر سابق.
(12)ـ د.أحمد خالد توفيق، أرشيف الغد، من سلسلة (فنتازيا)، القاهرة 2003م.
(13)ـ Patrik Moore، مصدر سابق.
(14)ـ Julian Diez, La irresponsabilidad etica de la ciencia-ficcion, Artifex vol.18, abril 1998.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (شؤون ثقافية) الليبية، العدد 31 سنة 2010م.



الخميس، 23 سبتمبر، 2010

انشغالات .. محسن الرملي

انشغالات ..


محسن الرملي :

سأكمل نشر كل ما تركه شقيقي الراحل حسن مطلك

إعداد: موسى حوامدة

محسن الرملي: كاتب ومترجم وأكاديمي عراقي يعيش في أسبانيا. دكتوراه في اللغة والآداب الأسبانية ويعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس بمدريد.


* ماذا تقرأ حالياً؟
- آخر أنطولوجيا لآخر أجيال الشعر الأسباني، فبعضهم أصدقائي.
* كتاب ندمت على شرائه او قراءته
- رواية (الفردوس على الناصية الأخرى) لفارغاس يوسا.
*هل وجدت شيئا يروق لك في السينما أو المسرح؟ أم شاهدت شيئا لم يعجبك؟
- أشاهد المسرح أكثر من السينما وأعجبتني مسرحية (كاباريه سائل) فيما لم تعجبني مسرحية حاولت تجسيد قصائد كبار الشعراء بالرقص ففشلت على الرغم من صدق نوايا المحاولة.
* ما الذي يشد انتباهّك في المحطات الفضائية؟
- لا أشاهد التلفزيون إلا قليلاً جداً ولمتابعة الأخبار، وأعجبتني محاولات بعض المراسلين إيجاد أسلوبهم اللغوي الخاص والخروج عن اللغة التقليدية في نقل الخبر.
* ماذا تكتب هذه الأيام؟
- إكمال ديوان بالعربية والأسبانية، ومقال تساؤلي في مقدمة الكيخوته والتناوب مع الأساتذة وليد إخلاصي وعبدالأمير الأعسم على زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية.
* ما الذي أثار استفزازك مؤخراً؟
- تزايد توظيف الأحزاب اليمينية في الغرب للخطابات المتخلفة والعنصرية والمعادية للإسلام لمجرد كسب المزيد من أصوات المحبطين.
* حالة ثقافية لم ترق لك
- أن يستكتبوك بأدب فتكتب بأدب ثم يتناسوك بقلة أدب.
* حالة أو موقف أعجبك
- اطلاق أسماء محمود درويش وبلند الحيدري والطيب صالح على ساحات وحدائق في مدينة أصيلة المغربية.
* ما هو آخر نشاط إبداعي حضرته؟
- تقديم آخر لروايتي (تمر الأصابع) بالإسبانية في المعهد المصري في مدريد، والمشاركة في تقديم كتاب صديق كوبي في جمعية الكتاب والفنانين الأسبان.
* ما هي انشغالاتك الاجتماعية؟
- التواصل واللقاءات مع أصدقائي ورعاية طلابي وطفلتي والمساهمة في جمعية لرعاية المكفوفين.
* فرصة ثمينة ضاعت منك
- عرض الراحل عبد الوهاب البياتي كتابة كلمة لغلاف كتابي الأول والتوسط لنشره في المؤسسة العربية حين كنا في عمان سنة 1994.
* ما الذي يشغل بالك مستقبلاً؟
- أن أكمل نشر كل ما تركه شقيقي الراحل حسن مطلك من مخطوطات ورسوم وكل ما كُتب عنه.
* هل لديك انشغالات وجودية؟
- كل انشغالاتي مصحوبة بتساؤلات وجودية في أعماقي.
* ما الذي ينقص الثقافة العربية؟
- الكثير.. ومن ذلك القراءة والعمل والصدق والانصاف والجدية والتجديد.
* ما الذي ينقص بلدك على الصعيد الثقافي؟
- الآن وفي هذه المرحلة، ينقصها ما ينقص العراق بمجمله: السلام والنزاهة.
* هل أنت راض عما حققته حتى اليوم وهل تسعى لمنصب معين؟
- نعم، ضمن الظروف التي عشتها، وإن كنت أود لو أنني تمكنت من تحقيق أكثر من هذا، أما عن المنصب فإنني لم أفكر بأمر كهذا حتى الآن، وإذا حدث مستقبلاً فسوف أسعى إليه علانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الدستور) الأردنية، العدد 151116 بتاريخ 23/9/2010م.
http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\ArtsAndCulture\2010\09\ArtsAndCulture_issue1077_day23_id268017.htm

الجمعة، 10 سبتمبر، 2010

نص / هدية من: عامر عجاج

الخمسينيون

عامر عجاج

مهداة الى الدكتور محسن الرملي .. الخمسيني ايضاً !

المتحدون بين أرقام أعمارهم بلهب سنين مضنية وبين سنين تولادتهم، يستحقون أكثر من أن يجمعهم كروب على صفحات الفيس بوك أو منتدى يؤسسوه أو مؤسسة مجتمع مدني لا علاقة لها بالشفقة أو توزع مجانا الأغذية والطحين والحمص، أكثر من خمسين مأساة (في التراجيديات الرافدينية المستمرة) تحفهم كدبابير عنب حلو جائعة، لم يكن أيوب أمام الكثير منهم إلا رجل مرض ثم شفي (هل دخل كلكامش ساعة من معاركهم القاسية أو رأى المفخخات التي لحقتهم بعد معارك الحدود؟ راضعو حليب السباع من أثداء سعال منفوشة الشعر، ابناء العواصف السوداء والحربين اي سهو اقع به بل الثلاث حروب، اه يالجهلي؟ الاربعة، ابناء الحروب التي دون حد، لم تعد الأعضاء الخفية تجتذب اهتمامهم لكثرة ماخبروها، مجدفون بمراد قوية في مهيلات وشخاتير تسير على مهل في أهوار المصائب، ريح هجمات الهاونات تلحق بهم زمهريرا لايستطيعون الاحتماء منه،عقارب أجسادهم لاسعة دون هوادة، ينشرون شعورا أمام الريح يمينا وشمالا كطقس لنزول أمطار آمالهم كما الراقصات دون جدوى، رماد أجداث الجنيات المحترقة على أبواب حرست بصحون نذرية، مرتجلو معلقات الفجائع ومرتلو توراوات الأمل، الخمسنيون فتات موائد حروب السياسيين القذرة، والخبز المر في أفواه المتشدقين، باذري حنطة الزقوم في أراضي الألم الممتد، ساكنو شقوق المعارك ومواضع الضغينة على حرب تبرق غيومها مخيفة لكن دون مطر أبناء رياح الجنوب الخانقة، اللائذين بالأضرحة بعد تراجع الفحولة، مرتادي عيادات الأسنان حديثا من اثر عضات لحوم القصعات غير معروفة المصدر، النواسيون التائبون ومحيي أم كلثوم وفيروز سرا خوفا من قتلة حافات المدن، وسليلي صحراوات الإقطاع. الخمسينيون نغمة عتابا في حنجرة الزمن، وسفينة نجاة في هور يابس إلا من اسماك ميتة، مكتشفو الألم وملاكو البوار، عندما دلتهم حليلاتهم على بصيص أمل وجدوه ممرغا بدم حروب مستمرة، وعندما عادوا ليرتووا بعد مسيرة شاقة بين نهر جاسم وبنجوين وجدوا الحباب فارغة إلا من آمال بطعوم مرة،زارعو حنظل الخيبات في فياف وسباخ ،ماءهم من آبار الندم مجلوب، أي الم ممض يتناب قلوب الخمسينيين الكليلة وأي عمى ينتظرهم؟ خيالات الجثث على البغال تقارير الرفاق السيطرات ضيق ذات اليد الحبيبات اللواتي انتظرن كثيرا أقفاص الأسر، ظلال لاتحمي لصفصاف العقم ترافقهم.
رطب النخلات الطوال عصافير الشجن المر، الفيروزيون ومحبو داخل حسن، بنت الريف ومجاميع الجوبي عند باحات الأضرحة، وأصحاب صعديت فوك العالي لن سبع زبيد اكبالي تسوين ألفين ومية آه يبنية الملالي نايات بانين بحة جنوبية، وموالات لحظات الفراق يهوون الوداع الذي به جلادة، يودعون أحبتهم على سفوح الجبل، وتاركي جثامين أمهاتهم تذهب دون وداع، الخمسينيون أكواخ القصب وبيوت الطين ،قامات حور وسنديان، نسمات آب في أواخر الليل، ترنيمات الأطفال وألف دللول سومرية، قارئو اكف بارعين، حافظو أبوذيات فطريون ومنشدو زهيريات دون تكلف، لابسو عقال ،وبدلات غربية باربطة ودبل كفة، صرمبارية ونكرزة، ملقو نكات جيدون ومجالسي دواوين رصينة، محبو كرة وورق لعب وطاولي، من الجارلس إلى القمصان الملونة ارتدوا، مدخنو الروثمان والمزبن واللف، محبو ياس خضر وحسين نعمة، لم يكونوا من جيل سيد درويش واطلوا قليلا على محمد عبد المطلب لكنهم شغفوا بعبد الحليم والسيدة، قراوا الموعد والشبكة بيروت المساء، العربي والمجلة، لم يكونوا يصدقون أن يحققوا الهدف 2000، مترجلين من صهوات حروب متواصلة راكبو حروب جديدة اتصال الحروب يعطي لذاكرتها طعما مملا من أسراب نخل متصلة على شواطئ الغراف أو من على ضفاف سورا، يحاولون نفض غبار حروبهم دون جدوى حروبهم ظلال دبقة ترافقهم دون حياء، تشم ذاكراتهم المحترقة طعوم الخنادق الهزائم الإذاعات المتورمة بالكذب أعضائهم المبتلة بين أفخاذهم تنظيرات مسؤليهم في أحزاب بأفكار محنطة تلاحقهم اصطلاحات اليطغ، الانضباط، السيطرة، القصعة، الواجب، الإنذار الصباحي، والإجازات، تلاحقهم دون فكاك، أيديهم منشغلة بنفض غبار الحروب، دون جدوى فدائما ثمة هناك من يدندن بأغاني الحروب العفنة ،موسيقاها تتعلق بأذان تضعف رويدا، من عذوق آب يخرجون متجهين إلى كراجات العذاب تاركين الأعياد مشتعلة الولائم، ليتمترسوا في خنادق حدود رسمها المستعمرون لتصبح مقدسة، نبط وفرسان سوراويون وغرافيون عراة الأفكار ومحتشمون كاتبو قصائد نثر وتفعيلة،منشدو أبو أذية وملاحم من بقي منهم ينظر بحسرة إلى شلل تابعة ذليلة تحترف القتل بادعاء وجود سبب، ولاسبب إلا إدمان صور من معاركهم ففي الحرب تقتل الذي لاتعرفه. متذوقون بارزون للكوكلة والشيصمالله صاعدو نخل من الطراز الرفيع مع تبليات ممزقة، الخمسينيون يسيرون في موانئ العدم بأشرعة ممزقة.. فمن ياترى بشير إليهم غدا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عامر عجاج: كاتب عراقي amer_ajaj@yahoo.com
*نشرت في (جيران) في (ليالي الشمال الحزينة) بتاريخ 18/8/2010م

بغداد Bagdad

الأربعاء، 8 سبتمبر، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن قراءات الصيف

.. عن قراءات الصيف

د.محسن الرملي

صحيح أن القراءة والحث عليها يفترض بهما أن يكونا بشكل دائم أو حتى يومي، ولكن لا بأس أيضاً في أن ينتهز صناع الكتاب أية مناسبة أو حجة للترويج لبضاعتهم، حالهم في ذلك كحال بقية صناع البضائع الأخرى، وفي الأوقات التي تغيب فيها المناسبات والحجج يقوموا باختراعها، وهذا أمر مشروع وعملي.. بل وضروري، خاصة وأن صناعة الكتاب الورقي الآن تواجه التحديات الكثيرة التي نعرفها وأبرزها هيمنة الشاشات، وهكذا صارت معارض الكتب والجوائز واحتفاليات التقديم والإعلانات وغيرها كجزء راسخ من التقاليد الثقافية. وفي الصيف، حيث عطلة الجامعات والمدارس وغالبية المؤسسات والدوائر وحيث السفر، نجد بأنهم قد تمكنوا في الغرب من تكوين تقليد ما يعرف بقراءات العطلة الصيفية حتى أصبحت الكتب من الأشياء الأساسية التي يندر أن تخلو منها حقيبة سفر، وأن الناس الذين لا يجدون وقتاً، بحكم انشغالاتهم بقية العام، قد اعتادوا أن يقتنوا الكتب التي تهمهم بنية أن يقرأوها في العطلة.. ويفعلون.
وفي الملاحق الثقافية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية ومواقع الإنترنيت نجد مساحة لهذا الأمر، وسؤال يتكرر في المقابلات الصحفية، عما تنوي قراءته في العطلة ولماذا؟ أو عما قرأته في العطلة وكيف وجدته ورأيك به؟ أو عن أفضل الكتب التي قرأتها في عطلتك؟.. وما إلى ذلك سواء أكان الشخص كاتباً أو فناناً أو سياسياً أو شخصية معروفة أو شخصاً عادياً، ودور النشر تراقب كل ذلك وتهتم به وتدرسه بحيث تتمكن من خلاله استطلاع المزاج العام وتوجه اهتمام الناس في القراءة كي تعتمده في خطتها للنشر في الربع الأخير من العام، فعادة ما تقوم دور النشر بطرح دفعتين من إصداراتها سنوياً، الأولى في الشهر الثالث والثانية في الشهر التاسع، ولقراءات الصيف تقوم بإصدار طبعات خاصة من إصداراتها التي وجدت رواجاً، وهي طبعات بالقطع الصغير أو ما يعرف بطبعة (جيب) كي يسهل حملها، وعادة ما تكون أنيقة وبسيطة من حيث نوعية الورق والغلاف وأقل ثمناً.
ترى لماذا لا نستفيد نحن أيضاً من هذه الظاهرة؟ لماذا لا نحاول العمل عليها تدريجياً ونروج لها في وسائل إعلامنا عبر التعاون بين الكتاب والصحفيين ودور النشر والمؤسسات الثقافية والتربوية.. وكل ما هو متاح، كي نؤسس لهذا السلوك الجميل والمجدي والمهم على المدى الطويل فيتحول إلى تقليد عام وراسخ لدى الجميع، بحيث يصبح مكان الكتاب محجوزاً ومضموناً في حقائب كل منا، وتضع المرأة ذلك في حسابها وهي تعد حقيبة زوجها أو ابنها أو أخيها أو حقيبتها هي، بدل أكياس الكرزات وصرر الطعام والنعل والمنشفة ومجفف الشعر وما إلى ذلك من اشياء صارت متوفرة في كل مكان، فكيف ونحن متوجهون إلى أماكن وفنادق سياحية توفر ذلك مجاناً أو ضمن سعر الحجز نفسه. أعرف بعض الأصدقاء من مثقفينا ممن عودوا أنفسهم على قراءات الصيف وبرمجتها أحياناً بشكل مسبق، ولكن الطموح أو الحلم أن تتحول هذه الظاهرة إلى سلوك عام وتقليد راسخ عند كل الناس... فلنبدأ بأنفسنا وأهلنا وبقية الأصدقاء والمعارف، ولنعمل على تكرار الحديث عنها إلى أن تجد مساحتها الثابتة والملفتة في وسائل إعلامنا، كما فعلنا بترويجنا لمسلسلات وبرامج مناسبة شهر رمضان حتى تحولت إلى تقليد مهيمن خلال الأعوام القليلة الماضية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 7/9/2010 العدد 708


الخميس، 26 أغسطس، 2010

قصيدة/ هدية من : فهد عنتر الدوخي

قصيدة

نقوش في فضاء محسن الرملي

فهد عنتر الدوخي

نقوش في فضاء محسن الرملي
صمت، صمت، صمت
خرق لا يعبأ بالضجيج
وحزن لا يأبه بالمصير
سحابة تحط على الأديم
منذ فجر السلالات
وقلعة آشور تخلع ثياب الحزن
وتتزين بعصر المرئيات والفضائيات
و(حسن مطلك) عنان (دابادا)*
متجاهلا عصر القذف والراجمات
غفوه ,,, تفسد لذة صهيل الفجر
وغابة مترعة بالسؤدد
لامست طيف أحلامي
ولكنني لم أر الحب،
خلته سرابا..!
يتطاول بعُته مضن
في طرقات المدمنين
أو النازحين،
وجدت نفسي كما هم..
كقلوب الفراعنة
تخطفهم رؤى الحداد
ونفسي لازالت كما هي،
خلتها طليقة....
كطير معصوم من الذبح
أجرع ولع السنين
بقلمي.!
وانفض غبار الآهات عن قدمي
من يمنح الدفء للمرافئ
غير الصمت ؟
ومن يكسو العاريات في مدن السحت ؟
وأذرع تمسد أعناق الراحلات في مدن الفلاة
كأنبوب محتقن.
ربما من أثر الركلات ,,,
طافت الأجساد على خراطيم الفضاء
وتعامد الليل سيفا على كاهل الغرباء
ظلام ... ظلام ... ظلام
لم تجن هذي الأرض غير الرقاد
وتراتيل !
نبوءات !
وصلوات !.
والمواسم اقتيدت
تضاجع الجناة والقضاة
فكيف نحفل بزهو الأماني
أبألق الحانات ؟
ترنيمة في الآفاق وزعيق ينحدر في الأعماق
حشود كصراصير الخلاء
جففت ينابيع البكاء
ونضبت أهازيج البغاء
ولم ترمق الأعين أخطاء العقل
لم استبد الجلادون بأرث الفقراء ؟ا
لم تداعت بصمت أزمنةٌ الإخلاص ؟
واضمحلت البسمه في وجه النساء
فاقترفت الانفس خطايا البراءة
ومحيت من الذاكره دواوين الشعراء.
واستحال الحب وهما في ضمير النبلاء.
-----------------------------------------
*الشهيد حسن مطلك، مؤلف رواية (دابادا).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع مركز (النور) بتاريخ 07/08/2010 م

الخميس، 12 أغسطس، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن التجييل الإبداعي


.. عن التجييل الإبداعي

د.محسن الرملي

تُرى هل انتهى تقليد تسمية الأجيال الإبداعية؟ بل أننا نلاحظ تراجعاً حتى في تسمية مدارس، تيارات، حركات ومجاميع ثقافية، فيما كنا قد اعتدنا على هذا التقليد على مدى قرن كامل، وفي الثقافة الأسبانية التي تعد آدابها من أكثر التي عُرفت بالتجييل وأخذت عنها ثقافات أخرى هذا الأمر، ربما كان أبرز أول الأجيال هو ذاك الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً في 1898 لذا اشتهر بتسمية جيل الـ98 ومن أعضائه رسخت أسماء في إرث الأدب العالمي كالحائز على نوبل خوان رامون خيمينيث والشاعر الكبير أنطونيو ماتشادو وأونامونو وغيرهم، تلاهم في الشهرة والأهمية جيل الـ 28 الذي ضم لوركا وألبرتي وبيثنته ألكساندره الحائز على نوبل هو الآخر وميغيل إرنانديث وغيرهم. وعلى الرغم من أن مسألة التجييل لها شروطها المعروفة والتي دار الجدل عنها كثيراً إلا أن هذا الأمر تم التسامح معه لاحقاً واتباع المرونة لصالح الإجراء النقدي والإعلامي الذي أثبت جدواه وإيجابيته في الإعانة على التعرف والفهم والإحاطة بالنتاج والخصائص وهموم الأسماء الجديدة التي تظهر في الساحة، فتم اللجوء إلى اتخاذ العقود السنوية كإجراء لتسمية الأجيال بغض النظر عن المآخذ على ذلك.. واتبعنا نحن في ثقافتنا العربية هذا الاجراء فاعتدنا على تسميات أجيال: الخمسينيات، الستينيات ولغاية التسعينيات، حيث عادة ماتتبلور الأسماء وتظهر إصداراتها الأولى في منتصف العقد ومنها ما يجتمع حتى للتعبير عن رؤيته وتدوينها وتبيان همومه ومفهومه وتلاقياته واختلافاته مع الأجيال السابقة في بيان أو إصدار تنظيري، ومثال على ذلك البيان الذي أصدره (جيل التسعينيات) العراقي بعنوان (الرؤيا الآن).. فماذا بعد ذلك؟ ما الذي حدث؟ ها نحن ننتهي من العقد اللاحق بأكمله، ولم تبرز بيننا لحد الآن محاولة جادة وواضحة تسمي لنا جيل عقد العشرة الأوائل من هذا القرن في أي من بلداننا العربية! ترى هل لصعوبة إيجاد التسمية دوراً في ذلك؟ أم أنه تراجع النقد؟ أم ضعف التواصل والتلاقي الشخصي والفكري بين المبدعين الجدد؟ أم أنه العكس، حيث عززت سعة وسهولة وسائل الاتصال هم الاشتغال على الاسم الفردي وأن هذا الانفتاح في النشر والتواصل قد زاد من صعوبة حصر أسماء بعينها؟ أم ترى أن تسمية (جيل) ذاتها قد انتهت وأصبحت من الكلاسيكيات وإرث الماضي؟ وإذا كانت قد انتهت.. فما هو البديل؟ وهي التي كانت تعين المتلقي والدارس على تكوين تصور ما، وعلى منهجة تعرفه على كل جيل وما يحمل من أفكار وما يحيط به وبنتاجه من ظروف، كما يساعد على ترسيخ أو على الأقل تذكر الأسماء والملامح. بالطبع لازالت ثمة بعض المحاولات المحدودة لمواصلة هذا الإجراء والسعي لتشكيل مجاميع أكثر من تسمية أجيال، حسب معرفتي بالساحة الثقافية الإسبانية والعربية وفي أمريكا اللاتينية بعضها يحظى باهتمام أكبر وبصدى أدافأ، ولكن الواضح هو أنها لم تعد تحمل الأهمية ذاتها ولم تتمكن هذه التسميات من فرض صوتها كما كان يحدث من قبل.
وهذا أيضاً يستدعي التقصي عملياً وعلمياً وفق تجربة كل محاولة أو مجموعة على حدا ومن ثم دراسة كل ما يتعلق بتراجع هذه الظاهرة بشكل عام ومسألة التجييل بشكل خاص.. ترى هل يستحق هذا منا وقفة تأمل ونقاش فعلاً أم أن الأصح هو الاكتفاء بتجاهله والاستسلام لانتظار ما ستتمخض عنه صيرورة الوقت وطبيعة الحراك الثقافي عموماً؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 10/8/2010 العدد 704

السبت، 24 يوليو، 2010

.. عن (تمر الأصابع) / ورد صادق

انطباع

..عن "تمر الأصابع"
ورد صبيح صادق

تشكل رواية (تمر الأصابع) لمحسن الرملي مفاجأة بالنسبة لي، ولكنها أتاحت لي شخصياً، أن أقرأ شيئاً حول وطني، الوطن الذي حكم القدر عليَ ان أفارقه منذ أن كان عمري ثلاثة أعوام، الوطن الذي لا أستطيع أن أنساه، ولا أستطيع ان أترك تعلقي به، كما أنها سمحت لي أن أعود للسباحة في نهري، نهري الذي طالما أتوق اليه، هو نفس النهر الذي تركناه، وربما سرقوه منا.
لقد جعلتني هذه الرواية أتمتع بالشمس وبالحرارة، لقد تذوقت من خلالها أحلى أنواع التمر، تمر نهري دجلة والفرات، وعدت إلى العيش مع عائلتي، أتقاسم الأسرار مع أخواتي، إنها أعادت لي حب أبناء أعمامي وأبناء أخوالي... بل عدت أخاف، مرة أخرى، من جدي، أعادت لي ذكرى القيم الأخلاقية.
وفجأة أستيقظ فأجد نفسي في أوروبا، وعندها شعرت وكأنني أمثل شخصية (سليم). فأنا مثله تماماً، أغطي جدران غرفتي بصور من العراق، بكيت على أرضي، على وطني، على تاريخي، على متاحفي، على أضرحتي، على كل ما سرقوه.. وما حطموه.
أتوق اليك يا وطني الى حد فاق التصور، وأشتياق لك، وأبكي عليك كلـّما جرحوك. أحلم في كل ليلة أن أراك سعيداً، وهكذا تمر الأعوام بالانتظار، والأماني بأن أراك وطناً حراً من كل ظلم وظالم، مفعماً بالحياة ولا مكان فيه لغير الحب.. أحبك يا عراق.
أنهيت قراءة الرواية التي تمنيت لو أنها لاتنتهي أبداً، لقد استيقظت، فوجدت نفسي في أوروبا، وصرت أشعر بأنني (سليم)، لم أستطع تحقيق ذلك، ولا أريد ان اتخلص من عالمي، من كهفي، من ملجئي، من عيشي بسلام. ويعجبني هكذا، أن يكون لي عراقي الصغير، وإن على شكل وهمي، أن يعيش موطن رأسي حراً وسعيداً، فهذه الفكرة تعيش فقط في قلب العراقيين. وهي فكرة تعيش أيضا وسوف تبقى تعيش في قلب سليم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ورد صادق: عراقية تعيش في إسبانيا.
*نشرت بالإسبانية في موقع (Por la paz y por la libertad) بتاريخ 26/3/2009م

http://quiron.wordpress.com/2009/03/26/dedos-de-datiles/

الجمعة، 16 يوليو، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن الخيال


.. أين الخيال في آدابنا المعاصرة ؟
د.محسن الرملي

أين الخيال في آدابنا المعاصرة؟ أين الفنطازيا فيما نقرأه ونكتبه اليوم؟ لماذا لم نخلق ولو شخصية واحدة مدهشة منذ زمن طويل؟ لماذا لم ننتج عملاً يوازي بدهشته أية حكاية شعبية من حكاياتنا؟.. ألسنا نحن الشرق الذي ما أن يأتي ذكره في أحاديث الآخرين عنا حتى تنفتح آفاق الذهن عندهم إلى مديات لا حدود لها من السحر والفنطازيا!. البساط الطائر، مصباح علاء الدين ومارد شبيك لبيك، وافتح يا سمسم، رحلات السندباد، الكنوز الخبيئة والجزر الغريبة وما يصعب حصره في ألف ليلة وليلة، الحيوانات الناطقة بالحكمة في كليلة ودمنة، التجوال في العالم الآخر في رسالة الغفران، طائر الفينيق، كلكامش وشخصياتنا الفريدة مزجاً بين الواقعي والخيالي، بين التاريخي والأدبي كمجنون ليلى، كيلوباترا، بلقيس، عروة ابن الورد، جحا، عنترة ابن شداد، أبو زيد الهلالي، الحلاج.. وغيرها.
لماذا ما نقرأه اليوم في آدابنا يتلبس بالواقعية ويفتقر إلى الخيال المدهش.. بل حتى أنه أقل خيالاً من واقعنا نفسه. ها هي أمريكا اللاتينية، شريكتنا في كونها من العالم الثالث، قد قدمت واقعيتها السحرية على أبهى ما يكون وسحرت بها العالم، وها هو الغرب الذي نتهمه بالواقعية والمادية يخترع شخصيات الخيال العلمي وشخصيات في قصص الأطفال وأفلام الكارتون، ثم يواصل تنقيبه في تاريخه وإرثه عن حجر الفلاسفة والسحري والأسطوري كي يعيد إنتاجه في آدابه وفي السينما باحثاً عن الدهشة وخصوبة الخيال.. كأن الغرب قد أصبح شرقاً والشرق غرباً في هذا الأمر!
إذا كان واقعنا مرتبكاً أصلاً فلماذا نواصل مراكمة الإرتباك عليه عبر إبداعاتنا التي هي أكثر ارتباكاً في واقعيتها؟! ترى هل أخذتنا هموم واقعنا إلى الحد الذي حرمتنا فيه حتى من نعمة الخيال؟ أم أن واقعنا جميل بشكل يفوق الخيال؟! أم أن موت الجدود، والجدات تحديداً، قد قطع عنا نبع الخيال؟ أم أن الشاشات قد أخذت منا أقصى دهشتنا وحاصرتنا بحيث حجبت عنا رؤية ما سواها؟ ترى هل نضب الخيال عندنا وتعطل إلى هذا الحد؟ أشك في ذلك، لأن الإنسان في معظم تكوينه اللامادي هو ثمرة المخيلة. وأتساءل أحياناً: إذا كنا عاجزين عن تصدير العلم والفكر إلى غيرنا الآن، فلماذا لا نصدر لهم الخيال على الأقل؟!.
ليتنا نناقش هذه المسألة ونتفحص أزمة الخيال عندنا.. ولو في مجال الأدب الذي نقرأه ونكتبه الآن، ليتني أقرأ اليوم رواية عربية تضج بالخيال المدهش ولو كانت شخصياتها حميراً تطير!!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 13/7/2010 العدد 700

*وفي (فوبيا) بتاريخ 15/7/2010م
http://www.fobyaa.com/?p=4592

الجمعة، 9 يوليو، 2010

حوار مع محسن الرملي / أجراه: بوعزة عسام


حوار مع الكاتب العراقي، الدكتور محسن الرملي

الجالية العربية في إسبانيا لديها طاقات فردية ممتازة بمختلف الاختصاصات

لن أستغرب فيما لو أصبح رشيد نيني وزيراً.. أو سجيناً

حاوره في مدريد: بوعزة عسام

الدكتور محسن الرملي Muhsin Al-Ramli : كاتب وأكاديمي ومترجم وشاعر عراقي يقيم في إسبانيا. ولد سنة 1967 في قرية (سُديرة) شمال العراق. حاصل على الدكتوراه، بتقدير ممتاز مع درجة الشرف، من جامعة مدريد (أوتونوما)، كلية الفلسفة والآداب عن رسالته: (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) 2003. يكتب بالعربية والإسبانية، وله العديد من الإصدارات التي تنوعت بين الترجمية والمشتركة والإبداعية كالقصة والمسرح والشعر والرواية، آخرها روايته (تمر الأصابع Dedos de dátiles) التي صدرت بالإسبانية أولاً ثم ترشحت طبعتها العربية ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لسنة 2010. بدأ النشر عام 1983. وعمل في الصحافة (كاتباً ومراسلاً ومحرراً ثقافياً) في العراق والأردن وإسبانيا وكولومبيا. وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة الثقافية داخل الوطن العربي وخارجه. قُدمت مسرحيته (البحث عن قلب حي) في مهرجانات في الأردن سنة 1993 و2004، وفي الكويت 2005، وسلطنة عُمان 2006 وفي القاهرة. تُرجمت بعض نصوصه إلى عدة لغات ومنها: الإسبانية، الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، البرتغالية، التركية، البولونية، الإيطالية، الفنلندية، الكاتالانية، والروسية. ألقى العديد من المحاضرات، وشارك في ندوات ومؤتمرات ومعارض الكتاب وأمسيات في العراق والأردن والمغرب وإسبانيا والكويت ولوكسومبورغ وقطر وكولومبيا والجزائر وليبيا. أسس سنة 1997 مع الكاتب عبدالهادي سعدون دار ومجلة (ألــواح). أعدت وبثت قناة الجزيرة عنه حلقة من برنامجها (موعد في المهجر) 2009، وكذلك التلفزيون الأسباني في حلقة من برنامجه (بابل في التلفزيون). واعتبره الملحق الثقافي لصحيفة (الموندو) الإسبانيه بأنه واحد من أهم الأصوات في النثر العراقي المعاصر. أقام في الأردن خلال عاميْ 1993-1994. يقيم في إسبانيا منذ عام 1995. ويعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.

*كيف تصف لنا حصيلة تجربة مجلة "ألواح" ؟
ـ
أصفها بأنها كانت إيجابية جداً ومن مختلف الأوجه مما يمكن لمجلة ثقافية أن تنجزه على الرغم من أنها قائمة على الجهد الفردي والمستقل، فقد أدت (ألواح) دورها الذي انوجدت من أجله وفي مرحلة بالغة الحساسية والصعوبة. نشرنا فيها نصوصاً ممنوعة وأخرى لأسماء جديدة وأسماء معروفة جنباً إلى جنب، وفتحنا من خلالها ملفات كان الحديث عنها مغيباً إلى حد ما، ومن ذلك ملفات: الإيروتيكية، علاقة المثقفين ومفهومهم للإله، الأدب العربي الرديء، طرائف ونوادر المبدعين، إلى جانب ملفات أخرى عن الفلسفة والترجمة وأنطولوجيات للشعر الأوربي والأفغاني والفارسي والقصة العراقية والمغربية.. وغيرها. هذا عدا إصدارات ألواح التي فاقت السبعين كتاباً باللغتين العربية والإسبانية.

*بالعلاقة مع أطروحة الدكتوراه التي قمت بإعدادها، ماذا يوجد في الإنسان العربي من الدونكيشوت وماذا ينقصه؟
ـ
كل إنسان فيه شيء من الدون كيخوته بشكل أو بآخر، وهذه إحدى مميزات هذه الشخصية ومن أسرار بقائها حية رغم مرور القرون. وسؤالك مهم فعلاً بحيث يستحق أن تخصص له دراسة مستقلة، ابتداءً باعتماد الإنسان العربي على الكتب القديمة بتكوين مفاهيمه عن الفروسية والبطولة والحب والحياة وحنينه وتفاخره ومحاججته بالقديم وغيرها، ومروراً بإصراره على رؤية الأشياء كما يريد هو وليس كما هي عليه في الواقع، انشطاره الذهني بين التراث والمعاصرة، بين المادي والمثالي ووصولاً إلى ما ينقصه من صفات الكيخوته ألا وهي مسألة تقبُل الآخر المختلف بالرأي والعقيدة والعرق والثقافة والتقاليد.

*ما تقييمكم للحضور الثقافي العربي في إسبانيا في الماضي والحاضر؟
ـ بالنسبة للماضي فلا غبار عليه لأنه كان الأقوى ووصل إلى ذروته في الأندلس، كما هو معروف، على مدى ما يقارب الثمانية قرون، وكان ذلك أعلى تجلي للحضور والفاعلية الثقافية العربية على مدى التاريخ بحيث وصلت تأثيراته إلى مختلف بقاع العالم ومن ملامحها ما بقيت آثاره قائمة حتى اليوم. أما عن الحاضر فربما يكون هو الأضعف قياساً إلى فاعلية الحضور الثقافي العربي في بلدان أخرى كما هو عليه الحال في فرنسا وبريطانيا وهولندا مثلاً. إن حضورنا الثقافي الحالي في إسبانيا هو أقل حتى من إمكانياتنا بكثير وأشد تقصيراً مما يُفتَرَض أو يجب علينا فعله.

*ما تصوركم للترجمة الأدبية بين العربية والإسبانية؟
ـ في الماضي كان الأسبان يترجمون آدابنا أكثر مما نقوم نحن بترجمته من آدابهم، أما الآن فقد انعكست المعادلة، وتحديداً منذ عقد الثمانينيات في القرن السابق، حيث راجت روايات الواقعية السحرية وعلى رأسها أعمال غابرييل غارثيا ماركيز فانفتحت الأبواب على اتساعها للترجمة من اللغة الإسبانية بحيث صارت لدينا أسماء متميزة ومعروفة متخصصة بالترجمة من الإسبانية ومن مختلف بلداننا العربية أبرزها من المغرب وسوريا ومصر والعراق وهناك أسماء جديدة تظهر تباعاً. والكتب التي ترجمناها تُعد بالمئات ولازلنا نترجم منها المزيد كل يوم، أما عن الأسبان قثمة تقصير فادح وواضح في ترجمتهم لآدابنا، ولو تجولت الآن في المكتبات فلن ترى في واجهاتها أي كتاب عربي وستضطر للتنقيب والسؤال كي تعثر بعدها على بضعة عناوين وأغلبها صادر عن دور نشر صغيرة، وقد سبق لي وأن فصلت أسباب ذلك في بحث منشور.

*هل لك أن تحكي لنا قصة اقتسامك البيت وكسرة الخبز مع رشيد نيني، والتي أرخ لها في سيرته الذاتية "يوميات مهاجر سري"؟
ـ
عرفتُ رشيد نيني منذ أواسط التسعينيات وقبل مجيئه إلى إسبانيا حيث كنا نتواصل ونتبادل الرسائل والنصوص والآراء فنشأت بيننا صداقة جميلة، لذا كان من الطبيعي أن نلتقي ونستضيفه عندما جاء إلى هنا بغض النظر عن كونه مهاجراً سرياً أو علنياً، كما نشرنا له في ألواح ديوانه الأول "قصائد فاشلة في الحب"، أما عما أرخه في كتابه "يوميات مهاجر سري" عن أيامنا تلك، فإنني أستغرب عدم ذكره لاسمي الصريح كاملاً وإنما اكتفى بتعليقه أو بنائه للمجهول، وفعل الأمر نفسه مع أصدقاء آخرين مكتفياً بذكر أسمائهم الأولى فقط والتعمية على ألقابهم التي عُرفوا بها، كذلك أعتب عليه في عدم الإشارة الصريحة إلى نصي الذي اقتبسه بأكمله تقريباً وأدخَلَه في كتابه، دون أي توضيح أو حتى إشارة في الهامش. لا أدري لماذا فعل هذا؟!.

*أتظن بأنه قد فعل ذلك كي ينفرد بـ"البطولة" لنفسه وتهميش الآخرين مثلاً؟
ـ
ربما، فرشيد إنسان ذكي ونشيط وبراغماتي، يعرف جيداً مالذي يريد الوصول إليه ويعرف أيضاً كيف يصل (أو الوصولية) إليه.

*وإلى أين ستوصله طموحاته هذه في رأيك؟
ـ لا أدري، ولكنني لن أستغرب فيما لو أصبح وزيراً في إحدى الحكومات القادمة.. أو سجيناً... عموماً ربما نكون قد خسرناه كشاعر وكسبَته الصحافة، والصحافة مؤقته فيما الشعر دائم، فلو أنه كرس للإبداع ما كرسه للصحافة ربما كان سيحقق فيه ما حققه فيها.

*ماهي تطلعاتك للجالية العربية في إسبانيا؟
ـ أتمنى لو أنها تكون موحَّدَة وتعمل بشكل مشترك ومتكاتف بدل هذا التشتت الذي يضعفها ويضبب حضورها وفاعليتها وهويتها، فلدينا طاقات فردية ممتازة وفي مختلف الاختصاصات والميادين، وليتها تعمل أيضاً بشكل أكثر في كل ما هو ثقافي لأن الثقافة هي من أفضل الجسور للتعريف والتفاهم والتعايش الإنساني والعميق مع الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في (أندلس برس) بتاريخ 6/7/2010م مدريد.

الثلاثاء، 29 يونيو، 2010

زاوية (جداريات) /.. عن الأُقصوصة


.. عن الأُقصوصة

د.محسن الرملي

يبدو وكأن الحلول أو الأمور الوسط صارت تختفي تباعاً من عالمنا المعاصر مثلما تضمحل تدريجياً ما تسمى بالطبقة الوسطى في المجتمعات، فالمشاكل السياسية الكبيرة تتم معالجتها إما بالحرب أو بالإهمال، والاقتصادية إما بقروض طائلة أو بإعلان الإفلاس، والنصوص الأدبية إما أن تكون طويلة أو قصيرة، فإذا كانت رواية، يحثك الناشر على أن تكون طويلة قدر الإمكان وإذا كانت قصة فلتكن قصيرة جداَ أو حتى جداً جداً!. حتماً أن للأمر علاقة بطبيعة علاقتنا بالوقت الذي صار بمثابة مادة أولية علينا أن نأخذ مسألة استثمارها بعين الاعتبار دائماً. وبالطبع فإن لتسارع هيمنة التطور التكنولوجي وعصرنا الاستهلاكي دوراً في ذلك. أسوق هذا التقديم كنوع من التأمل والانتباه إلى ظاهرة عودة "الأقصوصة" بقوة. فإذا كانت القصة القصيرة قد تطورت وازدهرت سابقاً مع تطور وازدهار الصحافة، بحكم ضيق المساحة، فهل لنا أن نربط الآن هذا الانتعاش والاهتمام المتزايد بالأقصوصة بمسألة الوقت والتطور التكنولوجي؟ وأعني منه تحديداً وسائل الاتصال الألكترونية وشبكة الإنترنيت طبعاً. ففي الآونة الأخيرة لاحظنا بجلاء بأنه لايمر يوم دون أن نرى ونقرأ عن دعوة أو مسابقة للقصة القصيرة جداً، أو دون أن ننتبه إلى أننا قد قرأنا نصاً أو أكثر منها. بعضها يصل عبر الإيميل وأخرى عبر سبل أخرى كالصحف والمواقع الألكترونية والإذاعات وشركات الدعاية كي تستخدمها في الإعلانات، وحتى عبر الهاتف المحمول فثمة مسابقات تقيمها بعض دور النشر والمجلات الثقافية بالتعاون مع شركات الهواتف والاتصالات. ولا غرابة في هذا، فقد عودتنا الفنون، والآداب منها بشكل خاص، على قدرتها الهائلة على التجدد والتكيف مع كل زمان ووسيلة ابتداءً بألواح الطين وليس انتهاءً عند الشاشات. هناك الدراسات الكثيرة عن فن الأقصوصة تاريخياً وتقنياً وحداثة، ويمكن إجمال اشتراطاتها الفنية بكل ما تشترطه (النكتة) باستثناء شرط أو هدف الإضحاك، وكلما كانت أقصر وأقوى حبكة فهي أفضل. وعدا كون الأقصوصة موجودة أصلاً في ثنايا مختلف أجناس النصوص الأخرى كلها بما في ذلك القصيدة، فإنني أرى بأن من فوائد عودتها أنها ستشكل اختباراً جيداً للقدرات الإبداعية والأسلوبية واللغوية في الكتابة وخاصة بعد أن شهدنا ترهلها مؤخراً بحكم ظاهرة استسهال الكتابة والنشر وتفشيها كما هو حاصل في كتابة الرواية والشعر، مما جعلنا نعاود التفكير مراراً بإجابة بورخيس عن سبب عدم كتابته لها حين قال بأن الرواية بلا شكل.
وفي رأيي أن نسعى نحن أيضاً لأن نبادر مبكراً بمواكبة عودة هذا الاهتمام الكبير بالأقصوصة، ولنبدأ على أقل تقدير بألا نبقى حائرين بتسميتها بين: قصة قصيرة جداً، قصة صغيرة، ميكرو قصة وأقصوصة. وشخصياً أميل إلى تسمية (أُقصوصة).. هكذا بكلمة واحدة بدل اللجوء إلى تسميات وصفية في أكثر من كلمة. وعلى ذكر ذلك أيضاً أن نحذف صفة "قصيرة" أو "طويلة" التابعة بتصنيف " قصة" بغض النظر عن عدد صفحاتها وكلماتها وفق ما كان يتم اقتراحه من قبل البعض في السابق لتصنيفها، بحيث طالعتنا أغلفة وصفحات بمسميات مثل: رواية طويلة، رواية قصيرة، قصة طويلة، قصة قصيرة.. إلخ. من بديهيات لم يعد الكاتب المبتدئ بحاجة إليها ولا القارئ، فلنقصر الأمر إذاً على: رواية، قصة وأقصوصة. ونحيي عودة الأخير على هذا النحو الملفت، إلى الحد الذي قد يدفعنا للتساؤل أحياناً: ترى هل نحن على أبواب مرحلة ستقودنا لتسميتها بـ: زمن الأقصوصة؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 29/6/2010 العدد 698

الثلاثاء، 15 يونيو، 2010

قَص (عيون) محسن الرملي


عُــيُـون

محسن الرملي

.. إلى الذي فقد عينه في غيابي.. أخي حسين.

سألتُ القادم من قريتي إلى مدريد عن أهلي فقال:" أغنامهم زادت وصغارهم كبروا..". طلبتُ منه أن يُوطّن إجابته المُحلِّقة فسارع إلى وضع سلّة التمر ـ التي بعثوها ـ أمامي وأَلقَم جهاز التسجيل شريط ربابة من أمي. توسلتُ به فتنهد وقال:" سأُخبركَ وأخلَص.. حسين.. أخوك.. (ما به؟) فقد إحدى عينيه.. (كيف؟ أين؟) شظية". قالت ربابة أمي:" يا عيني أمطري دمعاً.. طوال الدهر يا عين". جرى دمعي على وجنتي وسقط فوق كيس التمر. تذكرتُ لقاءنا الصدفوي قرب (عين كاوة)، أيام جنديّتي، حين ترجلَ من مُدرعته جوار دبابتي دامي الوجه فتعانقنا وسط الدخان والغبار وصخب التحارب الجنوني حيث كانت الحكومة تجبر الناس على أن يفقأ بعضهم عيون بعض وطائرات التحالف تفقأ بلدنا بالقنابل.. تعانقنا.. كعناق في يوم قيامة وقال:" لا تبكِ.. إنها مجرد شظية صغيرة في الحاجب".. اتفقنا على الهرب لأن أمي قالت:" معلولة وعلّتي من قدمي إلى هامتي.. كأن ربي قد خلقني مُخصصة للهموم". دمدمتُ لنفسي أخاطبه:"هذه المرة.. أصابت عينك". قال القادم:" عينه الأخرى سليمة".
أخذتُ سلة التمر وشريط الربابة لأنطلق راكضاً على امتداد شارع Ferraz متحاشياً النظر إلى العيون المحمولة إلى دور السينما والمرافق بمناسبة السبت.. يا عيني اسكبي دمعاً/ دماً حتى تلاقيهم.. دفعة واحدة.. أنتبهُ الآن لتوالي انطفاءات عيون أحبتي من حولي، فتهطل عيناي بمسكوبهما.. عزلة أو خجلاً من صحتهما والقلب ينبض.. يراوده التوقف.. هكذا مثل مصابيح حفلة تدنو من نهايتها؛ أخي وأصدقائي، أما التي أحبها فهي بعين واحدة منذ أن كانت بارتفاع زهرة البامياء حين فقأ ديك الجيران عينها في آب. أواصلُ الركض متناسياً قوانين إسبانيا الجديدة المنسجمة مع تحضُرات الاتحاد الأوربي، أمرُ جوار المعبد الفرعوني الذي أهداه عبد الناصر لإسبانيا (كأن معابد الفراعنة مُلك أبيه..!). أعبر الجسر بين (ساحة إسبانيا) و (القصر الملكي).."عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري". أضمُّ التمر والشريط إلى صدري وأضاعف الركض.. كأني أسعى إلى التعجيل بإيقاف انسحاب عينيّ صديقي خلف نظاراته الطبية. انعطفتُ بمحاذاة مبنى مجلس الأعيان، مستعيناً بفتح فمي على الصعود إلى مسكننا في الطابق الرابع. وصلتُ لاهثاً وكان صديقي كعادته؛ يقرأ "أساطير بلاد الرافدين" قرب النافذة. صحتُ به وأنا ألهثُ:" عبدو.. هيا انزل معي إلى طبيب العيون". رفع رأسه وأزاح نظاراته ليرمقني بنظرات مستنكرة، أدركتُ منها بأنه يذكرني بحيرتنا هذا الصباح في الاستدانة لدفع إيجار الشقة. قلت له وأنا أشير إلى أعلى مكتبتنا؛ حيث نرفع نموذجاً مصغراً من الفخار لملوية سامراء، حملناه معنا من بغداد حين غادرناها قبل سبعة أعوام:" نبيع الملوية في سوق الحرامية". فاضت عيناه. أعاد نظاراته وعاد إلى قراءة "أسطورة الفيضان". توجهتُ إلى الهاتف واتصلت بصديقي الضائع في ثلوج القطب الشمالي الذي انطفأت عينه في آخر رسالة بعثها لي:" منذ أسبوع، استيقظت لأجد نفسي بعين واحدة. قال الأطباء لا علاج لها.. جلطة عينية". قلت:"أترك الشِعر الذي فقأ عينكَ". قال:" فقدنا العراق فهل نأسى على فقد عين أحبته..". أغلقتُ السماعة وانفتح الصدى في القلب (عيناك يا بغداد أغنيةٌ.. يُغنى الوجود بها ويُختَصرُ / لم يُذكَر الأحرار في وطنٍ إلا وأهلك في العُلا ذُكِروا).. شاخصة أبصارهم، تُرهقهم المنافي.. اصبروا وصابروا فإن مصيركم العودة إلى بلد من نهرين وعيون، تحيتكم فيها من دون بلاد العالمين (شلونك عيني). توجهتُ إلى بيت حبيبتي المغربية، أحث الخطى خجلاً من عينيّ أو سارقاً النظرات إلى عيون المارة، راغباً بسرقة عيونهم: الزرق، الخضر والسود لأمنحها لأخي، لأصدقائي، للمعري، للجاحظ وواحدة لحبيبتي (من أجل عين تكرم ألف عين). قبَلّتُ عينها الكريمة حال وصولي فقالت:"أهي حلوة حقاً؟" مستندة في سؤالها على ما أخبرتني به سابقاً عنها، حين كانت في ربيعها الرابع وحملتها أمها إلى بيت الجارة، أجلستها على بساط في الظل جوار شجرة بامياء مزهرة في شمس آب، وتوجهت كي تُعين جارتها في توليد بقرة أسترالية. جاء ديك جميل ونقَرَ إحدى عينيّ طفلتي فصرخت، وسالت عينها. جاءت أمها بالعجوز الطبيبة، لحّاسَة العيون في القرية من رمل وتِبنٍ وحديدٍ أو شَعرَة. ارتابت أمها وهي ترى العجوز تطيل اللحس مستطعمة ما سال من العين بتلذذ، وظل ارتيابها يعصرها كلما قابلت العجوز التي تنحني من فورها مقبّلة العين الأخرى، ولم تسترح حتى ماتت اللحاسة بعد عام.. كررتُ تقبيل عين حبيبتي فكررت عليّ السؤال:" أهي حلوة حقاً؟". قلت:" حلوة… حلوة إلى الحد الذي يؤجج خلاياي رغبة بالحياة ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تكست) العدد 4 سنة 2010 / العراق.

الثلاثاء، 8 يونيو، 2010

زاوية (جداريات) / عن الشكوى من غياب الجمهور


عن الشكوى من غياب الجمهور


د.محسن الرملي


يشكوا المنتجون الثقافيون والإبداعيون من أزمة التلقي، تراجع الاهتمام وغياب الجمهور، وشكواهم لها ما يبررها دون شك، فهي تصف واقع حال بيّن. ومن رأيي أن أفضل الحلول المتاحة، في حال الوصول إلى طريق مسدود أو أزمة، هو العودة إلى البدايات، إلى البديهيات التي هي، في الأصل، خلاصات تجارب بشرية طويلة، وهكذا مثلاً كنا نشهد توالي الفلسفات، فكلما خبت واحدة بأجوبتها، ولدت أخرى منطلقة من إعادتها لطرح الأسئلة الأولى ذاتها من جديد.
ولنأخذ، هنا، المسرح مثالاً، فمنذ أعوام والمسرحيون يشكون من تناقض المشاهدين، من غياب الجمهور وعزوفه أو حتى إعراضه تماماً عن الذهاب إلى المسارح، والحل هنا، في رأيي، هو أن يعود المسرح إلى ما كان يمارسه في بداياته الأولى، أي أن يذهب هو إلى الجمهور. لماذا لاتعاود الفرق المسرحية خروجها من العواصم إلى المدن الأخرى والتجوال في البلدات الصغيرة والقرى النائية، الذهاب إلى الجامعات والمدارس والمصانع والمؤسسات، الخروج إلى الشوارع والساحات والأسواق وإلى حيث ما يوجد ناس. ها هو الشِعر يحاول ذلك، فبعد أن أعلن البعض عن موته ومنهم الناشرون طبعاً، خرج الشعراء بحثاً عمن يسمعهم وعبر كل الوسائل بما فيها تلك التي أخذت الجمهور منهم، كما نشهد ظاهرة آلاف المهرجانات الشعرية في العالم بحيث أشك بأن أي عصر آخر، بما فيها عصور ازدهار الشعر، قد كان لها كل هذا العدد الهائل من المهرجات والملتقيات الشعرية، هذا عدا عودة نشاطات المقاهي الثقافية وأمسيات القراءات الشعرية بكثافة تستدعي الاعجاب والتقدير فعلاً، فالشعر على هذا النحو يقاوم الدعوات بموته.. أو الدعاء عليه بالموت، فهو وإن لم يحل الأزمة تماماً لكن محاولاته هذه بحد ذاتها إيجابية ورائعة.
يشخص المسرحيون بأن الشاشات هي التي خطفت جمهورهم منهم، ابتداءً بشاشة التلفزيون ثم السينما وصولاً إلى شاشات الكمبيوتر، وهذا تشخيص واقعي أرى أن عليهم الانطلاق منه تحديداً لأن التشخيص هو نصف العلاج كما يقول الأطباء، فهذه الشاشات قد زادت من عزلة الإنسان وجعلت علاقته الحميمة والحية بالإنسان الآخر أشبه بالمقطوعة على الرغم من أن اسمها وسائل اتصال، وهي تكرس كل يوم انفصالنا عن الحي والدافيء الإنساني لتقصر تواصلنا عبر الأسلاك، كل منا في حجرته وتزيد من التعقيد في علاقاتنا وارتباكنا عند التعامل المباشر.
لذا فهي فرصة المسرح كي يعاود استثمار إحدى أهم خصائصه التي انطلق منها، وهي: اللقاء الحي، المباشر والحميمي بين الإنسان والإنسان مجسداً من لحم ودم ومشاعر وتفاعل انفعالي وعاطفي وذهني ملموس، تجمعهم درجة حرارة واحدة وتلفهم العتمة ذاتها أو يضيئهم المصباح نفسه ويجمعهم ذات الزمان والمكان سواء أكان قاعة بجدران أو فضاء مفتوح، وهذا أمر تفتقر إليه علاقات الشاشات.
أرى أن على المسرح أن يستثمر هذه النقطة تحديداً ولا يكتفي ببضعة مهرجانات في العام في بضعة مسارح في بعض العواصم ولبضعة أيام ثم يكتفي بتكراره لشكواه من غياب الجمهور. علينا ألا نكتفي بالسؤال أو العتب على من غاب إذا كان يهمنا فعلاً، وإنما أن نذهب للبحث عنه بأنفسنا، ولابد للذي زرته مرتين بنفسك وأحبك أن يسعى لزيارتك بنفسه في المرة الثالثة. وببساطة، فكما يقول المثل الإسباني: "إذا لم يأت الجبل إلى محمد فليذهب محمد إلى الجبل".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 8/6/2010 العدد 695