الأحد، 30 ديسمبر، 2012

حدائق الرئيس: تعقيد التاريخ العراقي بمآسيه / المشاهد السياسي


قراءة مجلة (المشاهد السياسي) لرواية (حدائق الرئيس)
تعقيد التاريخ العراقي الحديث بمآسيه المتلاحقة
 الكتاب: حدائق الرئيس
المؤلّف: محسن الرملي
الناشر: دار ثقافة والدار العربية للعلوم ـ أبوظبي،بيروت 2012

«حدائق الرئيس» للمؤلّف محسن الرملي رواية حافلة بالأحداث، التواريخ، المواضيع والشخصيّات التي من أبرزها عبد الله كافكا، طارق المُندهِش وإبراهيم قِسمة. ولِد الثلاثة في أشهُر مُتتالية، ومنذ حَبوهم ولعبهم عُراة في التراب قرب أمّهاتهم المتجمّعات بجوار التنانير أو أمام أبواب بيوتهن، في المساءات، لتبادل الثرثرة وأخبار الناس التي يُسمّونها (عُلُوم)، صاروا أصدقاء لا يفترقون إلا للنوم. معاً أُصيبوا بمرض الحصبة.. معاً شُفوا منه.. ومعاً تعلّموا المشي والسباحة وصيد العصافير، تربية الحمام، سرقة البطيخ والرمّان وألعاب الرماية والاختباء وكرة القدم.
تسرد هذه الرواية سيرتهم، ومن خلالها جانباً من تاريخ العراق على مدى نصف قرن، وكيف انعكست أحداثه على حياة الناس البسطاء. الحروب، الحصار، الديكتاتورية، المقابر الجماعية وفوضى الاحتلال التي يضيع فيها دم إبراهيم، كرمز للدم العراقي، بين فلول نظام سابق وأتباع نظام تلاه، فتُيسّر لقارئها فهم تعقيد التاريخ العراقي الحديث بمآسيه المتلاحقة، عبر قَص شيّق في 28 فصلاً، من بين عناوينها: أبناء شَق الأرض، سَفر بقَدم واحدة، عَودة كافكا من الأَسر، شَوكة البحر، سِرّ الفضيحة التي لم تُفضَح، طفولة في صندوق عسكري، الرئيس يقتل الموسيقي، جثث ودفاتر، عرس نَسمة، آكلو الورد، لقاءات الأحياء والأموات وزواج مُكرّر. محسن الرملي، وبعد نجاح روايتيه «الفتيت المُبعثَر» و«تَمر الأصابع» ونشرهما بالإنكليزية والإسبانية، قد وعد قُرّاءه بهذا العمل «حدائق الرئيس» في لقاءات صحفية وبرامج تلفزيونية، منها تحقيق أعدّته عنه القناة الرسمية الإسبانية، مكرّراً تنبيهه ورفضه اعتبار الضحايا مجرّد أرقام، كما تَذكُر الصحافة، وإنما هم أناس لهم تاريخ وعوائل وأحلام وتفاصيل، وكل شخص هو عالَم قائم بذاته.. ومن بين مهامّ الأدب تبيان ذلك.
يعود الروائي العراقي محسن الرملي، المقيم في مدريد منذ ما يقارب العقدين من الزمن، بإصدار جديد عنوانه «حدائق الرئيس» عن دار «ثقافة للنشر والتوزيع»، أبو ظبي، وبالاشتراك مع «الدار العربية للعلوم» في بيروت، بعدما كانت روايته «تمر الأصابع» وصلت إلى قائمة البوكر العربية الطويلة في نسختها قبل الماضية وبعد ترجمتها إلى الإسبانية والإنكليزية.
وكما يصف الشاعر المصري أحمد يماني فإن المشهد الذي تبدأ به الرواية، مشهد قاس يتحوّل طوال فترة العمل إلى تفنيد هذه القسوة، متجاوزاً فكرة الحرب إلى الطبيعة البشرية، التي تتخيّل أحياناً أنها تؤدّي واجباً دينياً أو أخلاقياً أو وطنياً، وفي أحيان كثيرة دونما حاجة حتى إلى أي تبرير من أي نوع، لكأن ثمة خطيئة أصلية في هذا الكائن البشري تمضي به إلى تتبّع القسوة «بدم بارد» وفاق ترومان كابوتي.
«في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوعة لأحد أبنائها، ومع كل رأس بطاقته الشخصية التي تدلّ عليه لأن بعض الوجوه تشوّهت تماماً». هذا هو المشهد الافتتاحي للرواية، ويتمّ التاريخ لهذا الحدث في عام 2006، ثم ينتقل الراوي إلى حرب فلسطين في العام 1948 بحكاية تواطؤ الآباء على اختراع دور بطولي في تلك الحرب. ثم تتوالى الحروب بعد ذلك من الحرب العراقية ـ الإيرانية إلى الغزو الأميركي، مروراً بغزو الكويت وحروب الديكتاتور الداخلية. تقوم أحداث الرواية بشكل رئيسي على ثلاث شخصيات، ثلاثة أصدقاء ولدوا معاً في العام نفسه 1959، وتربّوا معاً وأصبحوا لا يفترقون. هم أبناء «شقّ الأرض» كما أطلق عليهم أهالي القرية. لكن هذه العلاقة الحميمة التي تربط الثلاثة لا تخلو من منغّصات وحسد في بعض الأحيان. فعبد الله كافكا وإبراهيم قسمة أكثر قرباً وتشابهاً، سواء على المستوى النفسي أو الجسدي، بينما طارق المندهش، الضلع الثالثة في مثلّث الصداقة، هو أبعد نفسياً وجسدياً من عبد الله وإبراهيم. هو المتعلّم الوحيد فيهم، ولا أظنّ أن ثمّة تلميحاً أو ترميزاً الى المثقّف، فطارق في النهاية، لا يمثّل المثقّف بقدر ما يمثّل الإنسان العملي الذي يسخّر التعليم والدين من أجل مصالحه؛ وهو بلا شك شخصيّة أكثر تركيباً وتعقيداً من عبد الله كافكا وإبراهيم قسمة، اللذين يمثّلان براءة ما، سواء في قبول القدر كأمر حتمي كما هي حال إبراهيم قسمة، ومن هنا لقبه، أو في السخرية من القدر والرؤية الآحادية له، باعتباره عبثاً لا ينقضي في حالة عبد الله كافكا، الذي تحظى شخصيّته بتعاطف الراوي، وتظلّ هي الأبرز والأكثر إثارة طوال فترة العمل. لا تسعى الرواية إلى مقاربة موضوع الحرب في ذاته ولا البحث في أسبابها، لكننا نجد أنفسنا كل مرّة أمام حرب جديدة، كأنها قدر يهبط فجأة من دون داع لفهم أسبابه. لا تحاول الرواية التركيز على حرب بعينها، بل تتعامل مع مختلف حروب العراق بالمنطق نفسه تقريباً: يصحو الناس على الحرب وتبدأ دورة جديدة من التشرّد والقسوة والعنف. تبدو الحرب إذاً كمبرّر آخر للقسوة والفظاظة والعنف، كما يمكننا أن نرى في مناطق أخرى في الرواية القسوة نفسها بعيداً من الحرب. كأنّ الكاتب يسعى إلى تأكيد نوع من الخراب يشمل الكائن البشري أيّاً يكن الظرف الذي يحيط به. هل نحن أمام رواية ديكتاتور بالمعنى الذي تم إعطاؤه لها في أميركا اللاتينية؟ كادت رواية الديكتاتور اللاتينية تصير جنساً أدبياً مستقلاً. على سبيل المثال «السيد الرئيس» لميغال أنخيل أستورياس، و«حفل أخاب الملك» لإنريكه لافوركادي، و«خريف البطريرك» لماركيز، و«ذيل السحليّة» للويسا بالينثويلا، و«حفلة التيس» لماريو فارغاس يوسا. «حدائق الرئيس» تقترب من هذه الكتابة بقدر ما.
-----------------------------------
*نشرت في مجلة (المشاهد السياسي) المجلد 16 الأعداد 896 ـ 871 بتاريخ 23 ديسمبر 2012 ـ 12 يناير 2013 قبرص.
غلاف العدد

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2012

حوار مع محسن الرملي / أجراه: عبدالله الزهري

الرملي: الرواية لم تهجر العراق

قال: إن المدارس والمناهج النقدية إلى انحسار.. والمجلات الرصينة تراجعت
 صحيفة (الوطن) السعودية، العدد 447 بتاريخ 25/12/2012م
أجرى الحوار: عبدالله الزهري ـ أبها

حين يرتحل الهم الإبداعي مع المبدع يخلق فيه هما دائما لإعادة تحريره وترتيبه فنيا بما يجعله مناخا ممكنا للتعاطي مع سؤالات الحياة وهموم الإنسان البسيطة فيها. وحين يرتحل المبدع عن أرضه تبقى معلقة به كما يظل معلقا ومشغولا بها. هذا الحوار مع الأديب محسن الرملي، يفتح آفاقاً لتلك الرحلة التي تتمثل في هجرة أدباء العراق إلى أصقاع العالم.. إلى التفاصيل:
*ها أنت تدخل العام العشرين من هجرتك، ألم تفكر بالعودة؟
ـ أفكر بالعودة كل يوم وأؤجلها في كل عام، هذا هو حالي ولازال فيما سنوات العمر تمضي، فكل ما أطلبه من المكان الذي أريد العيش فيه هو أن يوفر لي الأمان والحرية، وهذا ما لم يتحقق في العراق حتى الآن.
* هل يمكن أن نقر بهجرة الرواية العراقية، مع هجرة كثير من الأدباء والكتاب العراقيين؟
ـ الرواية العراقية لم تهجر العراق أبداً وإن كان أغلب كتابها قد هاجروا إلى خارجه، وذلك لأن مواضيعها وهمومها ظلت عراقية، وليس هذا بأمر جديد، فخير مثال عليه تجربة أحد أهم أقطاب الرواية العراقية الحديثة وروادها، وهو غائب طعمة فرمان الذي عاش أغلب حياته في موسكو ومات فيها لكنه كتب أهم الروايات العراقية وأكثرها محلية.
* هل توقفت الرواية العراقية، ولو مؤقتا، وأين هي مواطن التوقف؟
ـ لا، لم تتوقف، بل زاد إنتاجها، لكن الإشكالية تكمن في أنها لم تجد الوقت الكافي من الاستقرار كي تستوعب وتهضم كل هذا الذي عصف ولازال يعصف بالبلد لتعبر عنه برؤية ونماذج بحجم الذي حدث، وكما تعلم فإن كتابة الرواية تحتاج إلى الاستقرار ووقت للتأمل كي تتمكن من عكس صورة المشهد الذي تتناوله.
* ما الذي ميز الرواية العراقية عن غيرها، خاصة أننا نشهد حالة من ضعف وصول الانتاج العراقي إلى القارئ العربي؟
ـ إنه الهم السياسي الدائم فيها، فلا تخلو أية رواية عراقية من الموضوعة السياسية المحلية وربما هنا يكمن ما تصفه بضعف وصولها إلى المتلقي العربي، هذا من حيث الموضوعة، أما من حيث توزيعها فيعود للشتات العراقي نفسه وبالتالي تشتت أماكن طبعها وتوزيعها، وافتقارها إلى مؤسسات ثقافية رسمية أو مستقرة تدعمها، وكذلك لرقابات بعض الدول العربية، وعلى الرغم من كل هذا فإن عطاء الرواية العراقية لم يتوقف، وأي قارئ في العالم يهتم بالحصول عليها جدياً فلا أظن بأنه سعجز عن تحقيق ذلك.
* ما أوجه الاختلاف برأيك بين انتاج الداخل العراقي وانتاج الخارج في بلاد المهجر، إن وجدت هذه التباينات؟
ـ بالتأكيد هناك فروقات، وهي غالباً ما تتعلق باختلاف زاوية النظر والتناول للموضوعة العراقية ذاتها، فالذي خارج الحدث يراه بشكل مختلف عمن هو داخله، بما في ذلك مؤثرات في الأسلوب وفي بعض المفردات المستخدمة أحياناً، فهناك تباين في الحالة النفسية للكاتب طبعاً وتباين في التأثيرات الخارجية المحيطة به سواء أكان ما يتعلق بظروف هجرته واطلاعه على لغات وثقافات مختلفة بالنسبة لكتاب المهجر أو التقلبات والأحداث والتغيرات الكبيرة اليومية التي تحيط بكتاب الداخل.
* بحكم وجودك الطويل في إسبانيا، كيف يمكن أن تصف وتقيم تعاطي أدباء المهجر مع بعضهم على المستوى الشخصي والتناول الابداعي، وكيف هي حالة الحراك الثقافي الابداعي العربي؟
ـ بالنسبة لإسبانيا فهي ليست وجهة هجرة للمثقفين والمبدعين العرب عموماً كما هو الحال مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا مثلاً. أما عن تعاطي أدباء المهجر مع بعضهم بشكل عام، فأعتقد بأنه أقل توتراً وشللية مما هو عليه في داخل البلدان العربية، وربما يعود ذلك لابتعادهم عن المماحكات والمنافسات التي في داخل ميادين الثقافة العربية كالتنافس على المناصب في المؤسسات والاتحادات والمجلات والصفحات الثقافية والنشر والمهرجانات وما إلى ذلك من تلافيف العلاقات الشخصية المصلحية وغيرها، كما أن للثقافات الأخرى تأثيراتها حتماً ومنها على سبيل المثال ترسيخ مبدأ احترام الآخر المختلف بشكل أعمق في نفوسهم، عملياً وليس نظرياً، إضافة إلى أن الجديد الذي تطرحه هذه الثقافات يومياً أمام أعينهم من إبداعات حقيقية وكبيرة ورائعة يقلل من نرجسيتهم وتضخم الذات وأوهامها فيقودهم ذلك إلى أن يتواضعوا أكثر.
* تقوم وتشرف على إعادة ترتيب ونشر أعمال أخيك الراحل حسن مطلك، في البدء؛ كيف تقرأ مشروع حسن المحدود ضمن بنية الرواية العربية؟
ـ كل ما أنجزه حسن مطلك كان في ظروف صعبة وبوقت قصير وفي سن مبكرة بين العشرين والثلاثين من عمره، فلم تتح له فرصة تقديم مشروعه كاملاً كما كان يريد ويحلم، ومع ذلك فإن مجرد بدايات هذا المشروع في روايتيه (دابادا) و(قوة الضحك في أورا) وفي قصصه ويومياته التي يصنفها على أنها (كتابة حرة)، كانت واضحة بتميزها واستطاع من خلالها أن يبرز تميزه التام عن مجمل النتاج الروائي العربي، ولذا فهو إضافة وتنوع وإثراء للرواية العربية. أعتقد بأنه إضافة نوعية خاصة لمن تعنيه خصوصية النوعي في الثقافة العربية.
* حالة متفردة انسانية شفيفة وخاصة نقرأها في أعمال مطلك، ما السر في لغة حسن والقصة التي يبثها؟
ـ حسن مطلك بمجمله هو ظاهرة خاصة وناصعة في الثقافة العربية من حيث شخصه ورؤيته وإبداعه وموقفه ومقتله التراجيدي، وأنا شخصياً عرفت كتاب ومبدعين من مختلف الجنسيات والأجيال والمستويات، معروفين ومغمورين.. ولكنني حتى الآن لم أجد من بينهم من هو ملتحم بالأدب والكتابة كالتحام حسن مطلك بها، بحيث لا تستطيع التفرقة بينه كإنسان له كينونة واقعية ملموسة وبين الأدب.. كأنه شخصية خارجة من النصوص الأدبية وعائدة إليها. وهو صادق تماماً في قوله: "أنا والكتابة شيء واحد" لذا فاللغة بالنسبة له ليست مجرد أداة كما هي بالنسبة للغالبية، وإنما هي وجود حي بمعنى الكلمة بحيث أنك عندما تقرأ له تكاد تلمس كلماته بأصابعك وتشعر بنبضها.
* يعاني بعض القراء من فهم مشروع حسن مطلك وأعماله، وكأنها تنغلق أكثر مما تشكل انفراجة في الرواية العربية؟
ـ هذا طبيعي، لأن حسن مطلك لم يكن يكتب لقراء التسلية وتزجية الوقت، وإنما إلى قارئ يعتقد بأنه من مستواه من حيث الهم والعمق ومن حيث الذائقة والوعي وتحسس ضرورة قوة ودقة وجمال التعبير. وحدهم الذين يتعاملون مع النصوص على أنها ظواهر حقيقية في الوجود وأن فعل القراءة هو عمل جاد، هم من سيتمكنون من الفهم والتمتع والتعلم أو التحاور وحتى المشاركة في مشروع ونصوص حسن مطلك، وباختصار فإن نصوصه لا تصلح للقراءات العابرة، المستعجلة أو السطيحية لأنها لاتمنح نفسها بسهولة، وإنما تشترط قارئاً جاداً لديه الاستعداد للوقوف عند العبارات وللتأمل ولإعادة القراءة.
* ما هي الفكرة والهم الذي يشغل محسن الرملي، في رواياته؟
ـ في الأصل هو هم يخص علاقتي بالكتابة ذاتها، أي أنه هم وجودي يتعلق بمحاولة إيجاد فهم ما لهذا الوجود، لذا فهو يتمحور حول المواضيع الأساسية ذاتها وأولها معضلة الموت وبالتالي بالهموم الإنسانية عموماً، أي أن أكثر ما يهمني هو الإنسان، أوجاعه، أحلامه، تعقيداته، جوانب الخير والشر فيه، لذا فإن ما يحيط به من أشياء وكائنات أخرى وأمكنة وظروف، ما هي بالنسبة لي إلا أدوات مساعدة في محاولة الفهم هذه، ومنها على سبيل المثال ظروف العراق التي عشتها وأعيشها وأعرفها هي حاضنة لجل كتاباتي كمناخ خاص أحاول من خلاله التفحص والتعبير عن وجوه من هموم الإنسان عموماً.
* كنت أسست مع عبدالهادي سعدون مجلة "ألواح"، ما الذي أوقف هذا المشروع؟
ـ أوقفناها لأننا نعتقد بأنها قد أدت دورها في المرحلة التي ظهرت فيها وهي على مدى عشرة أعوام بين 1997 و2007 حيث برزت شبكة الانترنيت واتسعت مساحات الحرية والتواصل بين الثقافات والأجيال والتي كانت من بين أهداف ألواح، كما أن تزايد انشغالاتنا ومسؤولياتنا مع تقدم العمر وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع وغيرها.. كل ذلك أدى إلى قرار إيقافها وانغماسنا أكثر بالحياة الأسبانية، وربما لو أتيحت لنا ظروف أخرى مستقرة وإمكانيات في العراق أو أي بلد عربي آخر لأعدناها بدفق وروحية جديدة.
* أخيراً؛ كيف تنظر لعملية النقد العربي الآن فيما يخص الرواية، بعد مرورها بفترات من الفطرة في القرن المنفرط؟
ـ بالفعل، أصبح لدينا الآن إرث غني من الرواية العربية، بل أن كل بلد عربي صار لديه ما يمكن اعتباره نتاج روائي يستحق القراءة والنقد والدراسة، وفي رأيي أن النقد العربي لم يُقصر كثيراً بمواكبة هذه المسيرة، وخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قصر عمر هذين الجنسين (الرواية والنقد) لدينا قياساً لوجودهما وتاريخهما الطويل في ثقافات أخرى. أما عن حاله الآن فأرى بأنه لا يختلف كثيراً عن حال النقد في العالم بشكل عام، حيث أصبحت القراءات أو النقد الصحفي هو الذي يتصدر المشهد، تجاورها الدراسات الأكاديمية في الجامعات ومراكز البحث والندوات وغيرها. أرى الأمر عام ولا يخص الثقافة العربية وحدها، حيث: غزارة في الإنتاج الروائي، انحسار المدارس والمناهج النقدية، تراجع المجلات الرصينة، شيوع ورسوخ النقد الصحفي المؤثر والمتأثر بالسوق، واستمرار ميدان البحوث الأكاديمية على وتيرته.
-----------------------------
*نشر في صحيفة (الوطن) السعودية، العدد 447 السنة الثالثة عشرة، بتاريخ 25/12/2012م.

السبت، 22 ديسمبر، 2012

عن الكتابة وشؤونها/ مع محسن الرملي/ إدريس علوش

عن الكتابة وشؤونها
مع الكاتب العراقي محسن الرملي
رغم كل ما كتبته، لازلت أشعر بأنني لم أبدأ بَعد
 إعداد: إدريس علوش

*ماذا تكتب لآن..؟
ـ لا أكتب الآن شيئاً بعينه، أجمع معلومات تحضيرية لرواية قادمة، أراجع بعض البحوث وأدون بضعة قصائد لا أجرؤ على نشرها.
* إلى أي حد يسعفك هذا الفصل في الكتابة..؟
ـ ليس كثيراً.. وأكثر ما أفعله في الفصول الباردة هو القراءة.
*أي فصل من فصول السنة يلهمك أكثر؟
ـ الصيف، فهو فصل الفقراء، وفيه يتم التخفف من الملابس والأمراض والأطعمة، أشعر بأنني أصبح فيه أكثر خفة وتحرراً وحيوية.
*أي شعور يعتريك عندما تنهي نصك..؟
ـ شعور ملتبس، فمن جهة نوع من الراحة ومن جهة أخرى قلق بشأن جودته أو قيمته، هذا عدا الشعور بأن ثمة أشياء متناثرة أخرى لم أتمكن من بثها في النص، دائماً يبقى في نفسي شئ منه.
*وأنت تكتب هل تستحضر المتلقي..؟
ـ نعم، أفكر بالمتلقي، ولكن مسألة حضوره أثناء الكتابة تكون بين مد وجزر، فأحياناً يظهر وأخرى يختفي، وفي كل الأحوال فإن صورة المتلقي الذي استحضره في ذهني هي أقرب إلى صورتي أنا كقارئ أو بصور أصدقاء مقربين.
*هل تمارس نوعا من الرقابة على ذاتك وأنت تكتب..؟
ـ نعم، فمن الصعب علي أن أحذف الرقابة من ذهني تماماً وأنا ابن ثقافة لها اشتراطاتها، عدا أنني حريص على تجنب ما قد يتسبب بإيذاء أو جرح شخص آخر.
* إلى أي حد تعتبر الكتابة مهمة في حياتك..؟
ـ إلى الحد الذي أنها رافقتني ويبدو أنها سترافقني طوال حياتي، وإن لم أصل إلى درجة حسن مطلك في قوله: "أنا والكتابة شيء واحد"، لكنها العمود الفقري في مسألة محاولة الفهم والبحث عن معنى ما لوجودي وهويتي.
* الكتابة..ما تعريفك لها..؟
ـ هي أهم اختراعات الإنسان على الإطلاق، ولها الفضل على بقية اختراعاته وفي كل هذا التطور الذي وصلت إليه البشرية، إنها أفضل وسائل تعبير الإنسان عن نفسه، وهي أجمل وأرقى أنوع السحر التي ابتدعها بني آدم.
*إلى أي حد أنت راض عما كتبت..؟
ـ ليس هناك رضى مطلق في الإبداع، ولكنني راض، إلى حد بعيد، عما كتبته ضمن الظروف التي أحاطت وتحيط بي وضمن حدود إمكانياتي. وعلى الرغم من كل ما كتبته فلازلت أشعر بأنني لم أبدأ بعد.
* عادة هل تعيد قراءة ما كتبت قبل اتخاذك لقرار النشر..؟
ـ بالتأكيد، مرات عديدة، إعادة قراءة وإعادة كتابة أحياناً، كما ألجأ للأصدقاء في مراجعة ما أكتبه قبل دفعه للنشر، وعلى رأي بورخس، فلولا النشر لبقينا طوال حياتنا ننقح المخطوطة ذاتها.

محسن الرملي في سطور: كاتب وشاعر ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بالفلسفة والآداب الإسبانية من جامعة مدريد ويعمل إستاذاً في إحدى الجامعات الأمريكية هناك، له ما يزيد على العشرين إصداراً تنوعت بين الرواية والقصة والشعر والمسرحية والترجمات. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، منها روايته (الفتيت المُبعثر) التي حازت ترجمتها على جائزة آركانسا الأمريكية عام 2002، كما وصلت روايته (تمر الأصابع) إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر العربية 2010 وكانت قد صدرت بالإسبانية قبل صدورها بالعربية، وآخر إصدارته رواية (حدائق الرئيس).
--------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الاتحاد الإشتراكي) المغربية، العدد10273 بتاريخ 18/12/2012م.

السبت، 1 ديسمبر، 2012

"حدائق الرئيس".. قصة المذابح بالعراق / علاء يوسف

"حدائق الرئيس".. قصة المذابح بالعراق
علاء يوسف - بغداد
بدأت دور النشر العراقية بإصدار أعمال روائية وقصصية وشعرية لروائيين وشعراء عراقيين، يرصدون فيها حقبة خطيرة عاشها العراقيون، بدأت مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لتصل الذروة عام 2006 عندما برزت ظاهرة القتل على الهوية.
وفي روايته التي صدرت مؤخرا بعنوان "حدائق الرئيس"، يحاول الكاتب العراقي محسن الرملي تلمس بعض جوانب الجحيم العراقي.
في إهداء مؤثر، يعطي الكاتب الخطوط العريضة لما يتناوله عمله الأدبي، ليسحب القراء إلى العوالم التي يرسمها في هذا البلد، حيث استشرت ظاهرة قتل واسعة، سبقتها عمليات شحن طائفي غير مسبوقة في المجتمع العراقي، وسط الفوضى والانفلات الأمني التي عمت العراق بعد الغزو.
وجاء في الإهداء "إلى أرواح أقاربي التسعة الذين ذّبحوا في الثالث من رمضان عام 2006، إلى كل المظلومين في العراق، أيها الأموات ..اعذروا حزننا المُرّ عليكم.. وارقدوا بسلام. أيها الأحياء.. افعلوا كل ما بوسعكم من أجل التسامح والسلام".
يرسم كاتب الرواية عدة محطات في تاريخ العراق الحديث، ليقول من خلال شخوص الرواية وأحاديثهم إن العراق قد انغمر في أجواء مغبرة منذ بداية حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.

فصول مؤلمة
ويفرد فصلين يتحدث فيهما عن معاناة الأسرى العراقيين، الذين وقعوا بيد القوات الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وكيف كانت هذه القوات تقتل الأسرى العراقيين وتعذبهم بطريقة بشعة. وفي فصل بعنوان "ضيوف الجمهورية الإسلامية" يقول: "هناك، صفّونا في دائرة واسعة واختاروا أحدنا عشوائيا.. ربطوا ذراعيه بسيارتين، ثم سارت السيارتان على مهل باتجاهين متعاكسين حتى تخلّع جسده، أخذوا من صرخ معترضا وفعلوا به الأمر ذاته، ثم كرروا مع ثالث ورابع، حتى أُغمي على بعضنا" (ص 94).
ولا يترك ما حصل للعراقيين في حرب الخليج الثانية عام 1991، وما خلفته من قتلى ودمار ومن ثم حصار قاس.
وعن أول أيام الحرب الأميركية على العراق عام 2003 ، يقول الروائي "ما أن بدأت أولى غارات الطائرات الأميركية على بغداد، وتحديدا على القصور الرئاسية، حتى انهار كل شيء" (ص 237).
ويسجل الروائي الكثير من الوقائع والأحداث التي جرت في العراق، لكنه يضع حداً فاصلاً بين حقبتين، الأولى قبل الغزو الأميركي، منتقدا الحكومة في تلك الفترة في العديد من الجوانب، لكنه يجد في حقبة ما بعد الغزو عام 2003 واقعاً مؤلماً ومأساوياً في العراق.


مأساة يومية
يدين الروائي محسن الرملي ما جرى في العراق، فالقتل والاختطاف والتهجير هي عناوين تصدرت كل شيء في عراق ما بعد الغزو الأميركي، ويجد أن على الكاتب أن يوثق جوانب المأساة اليومية، التي عصفت بهذا البلد وما زالت تتململ هنا وهناك، وقد تتفجر مرة أخرى، منطلقا من المسؤولية الملقاة على الكاتب والأديب إزاء أهله وبلده، لتحصين البعض من الانجرار وراء الفتنة.
على مدى 28 فصلا يوغل الكاتب محسن الرملي عميقا في البيئة العراقية، ويقترب من أجواء القرية بكثير من التفاصيل الدقيقة، مثلما  تجده ملمّا بحياة البداوة، وفي المدينة يعيش تفاصيل أهلها وحياتهم اليومية أيضاً.
قد يجد الروائي صعوبة في رصد الظواهر التي أفرزتها حقبة الاحتلال في العراق، حيث اختلطت الكثير من الأوراق إلى درجة أن الكثير من العراقيين، بمن فيهم أدباء وكتاب، باتوا يعتقدون أن هناك قصدا في خلط الأوراق لكي تبقى الصورة مشوشة وضبابية.
وقد يكون هذا الأمر أحد عوامل تأجيل الكثير من الكتاب والشعراء أعمالهم الأدبية، التي تبحث في تلك الظواهر الاجتماعية بصورة عامة وتعمل على معالجتها من زاوية إبداعية.
وكان الرملي قد أصدر روايتين هما "الفتيت المبعثر" و"تمر الأصابع"، وتدخل روايته الجديدة ضمن ما يمكن تسميته بأدب الاحتلال الأميركي للعراق.

*المصدر:الجزيرة
----------------------------------------------
*نشرت في موقع قناة (الجزيرة) بتاريخ 30/11/2012م.

لقاء مع محسن الرملي/ في قناة الشرقية

 

لقاء مع محسن الرملي
 في قناة الشرقية
في برنامج (ظهيرة الجمعة)
إعداد وتقديم الإعلامية: رقية حسن
بتاريخ 16/11/2012
Entrevista con el escritor y poeta iraquí
Muhsin Al-Ramli
por el canal árabe ALSharqiya TV
en 16/11/2012


الخميس، 18 أكتوبر، 2012

"حدائق الرئيس" صرخة روح تبحث عن السلام / محمد عبدالكافي

"حدائق الرئيس" صرخة روح تبحث عن السلام
                    محمّد نجيب عبدالكافي
قرأتها بتمعّن وألم، وبنوع من الإعجاب بالمؤلف، لكنّني عجزت عن تصنيفها بدقة. فهي تصلح كرواية، كمسرحية وكوصف تاريخي بنقل صحفي، لوضع ما، في بلد ما، في زمان ما! بل وفي نصها نوع من طرح موعضة وتنديد وتشهير وحسرة وأوجاع. فلعلّها كلّ تلك الأصناف التي ذكرت مجتمعة، جاءت في شكل ما اعتدنا تسميته بالرواية. فإن هي كذلك، فهي إذن من الصنف النّادر في هذا الجنس أو اللون الكتابي الأدبي.
إني أتحدّث عن آخر ما قرأت من إنتاج الأديب العراقي المغترب، الصّديق الدكتور محسن الرملي، بعنوان "حدائق الرّئيس". وأكاد أقول هنا، ليتني لم أكن للكاتب صديقاً، رغم اعتزازي بهذه الصّداقة، وذلك كي لا يؤخذ قولي عن إنتاجه مأخذ التحيّز أو المحاباة والمجاملة. لكن عزائي في هذا، هو أنّ من عرفني قد عرف بأني لا أجامل، وأني أعتبر قولة الحقّ، من الفرائض في مذهبي الشخصي وسلوكي، كما سبق وأن فعلت، فقد سلكت هذا السلوك، وقلت الحقيقة، وقلت لا، في وجه الظلم وأصحابه منذ مقارعتي للاستعمار فيما سبق من العمر. لذا أقول بكلّ اطمئنان وإيمان، أني فرغت من قراءة "حدائق الرّئيس" بيقيني أنها عمل جيّد، صادق، جذّاب، مكتمل شروط القصّة، ومستلزمات النقل الصّحفي، وجاذبية اللّوحات الوصفيّة، وخصائص المسرحية.
إنّ الكاتب المجرّب محسن الرّملي، يقدّم لنا عراقه الذّبيح، بصدق وأمانة ودقيق وصف، فيجعلنا نعيش عن قرب أحلامه وآماله، عثراته وأحزانه، آلامه واحتضاره، بعد إطلاعنا على الكثير من عادات أهله، وسلوكهم، تعايشهم، حبهم، كراهيتهم، صدقهم، كذبهم، فنتعرّف على شعب يعبر فترة حرجة صعبة من حياته، لكنه يحتفظ بإنسانيته، إنسانية بشرية بما فيها من خصال وعيوب، وطموحات وخيبات، ونجاح وفشل، فنلمس الواقع في تلك الديار حتى وكأننا في ربوعها.
كل هذا جاء بلغة سليمة، اللغة السّائدة اليوم، والتي أعتبرها قريبة للصحافة، إن لغــة "حدائق الرّئيس" لغة سلسة مستساغة، مفعمة بخاصية هذا الكاتب وهي جرأته على استعمال عبارات، قد نعتبرها، وأنا بالخصوص، جريئة أو بذيئة، رغم أنها من المتداول السيار المستعمل بين أفراد مجتمعاتنا صغارا وكبارا، كلّ حسب وسطه وحالته. فمحسن لا يتأفف من استعمال تلك العبارات، فيزداد عمله بهذا صدقا وواقعية، ويضيف إلى وصفه لونا يقرّب القارئ ممّا هو واصف له.
لم يكتف الكاتب القدير محسن الرّملي بالسّرد والحكي، بل طرح موعضة وحذّر وندّد وانتقد ونصح، متجنّبا محاكاة الخطباء، أو التشبه بالمسيّرين الموجهين، مكتفيا بإبداء آراء وشذرات نفسية، فتطفو الإنسانية في أسمى معانيها، وكل هذا دون التعرّض أو تسمية أيّ شخص أو الدّخول في متاهات السياسة، رغم هيمنتها على كلّ الرواية.
قد يجدر بي التوسّع في القول والتعريف بهذا العمل، لكني لم أنو النقد ولا التقديم، بل هو رأي، مجرّد رأي عنّ لي فحبّرته. لذا أختم بمقتطف ممّا قرأت فاستحسنت، ليس هو الأفضل ولا الممثل المبرهن على كلّ ما تقدّم، لكنه صوت نفس تدعو للتسامح أو صرخة روح تبحث عن السلام الذي افتقدناه في أقطارنا العربيّة، وهو ما يحتاجه العراق الضحية. يقول محسن، على لسان أحد أبطال روايته: "وإن لم يكن السّلام هو الغاية الأخيرة، فعلى الأقل، ليكن محطّة راسخة لنا نتمكّن فيها من التفكير بغاياتنا الأبعد، ومن محطّة السّلام هذه سننطلق نحو تلك الغاية الأبعد ثمّ الأبعد... وهكذا انطلاقا من محطّة كانت غاية إلى محطّة أخرى صارت غاية جديدة وصولا إلى الهدف أو المعنى الأخير، أو ربّما مواصلة البحث، فعلى الأقل نكون قد ضمنّا محطّة سلامنا الأولى التي سنعود إليها كلما أعيانا البحث أو أخطأناه، أو لمجرّد أن نستريح. نعم... السّلام."
.. إنها تنهّد مكلوم، يحمل الدرس والعبرة ورسم الطريق. فهل من سائر على الدرب؟

-----------------------------------
*نشرت في صحيفة (أندلس برس) العدد 28 بتاريخ 19/10/2012م. مدريد
 

الخميس، 23 أغسطس، 2012

تعليب الموت.. في رواية (حدائق الرئيس) / د. طلعت شاهين

 
نصف قرن من عمر الوطن في «حدائق الرئيس» للعراقي محسن الرملي
تَعليب الموت
                                    د. طلعت شاهين
” في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها، ومع كل رأس بطاقته الشخصية التي تدل عليه لأن بعض الوجوه تشوهت تماما بفعل تعذيب سابق لقطعها، أو بسبب تمثيل بها بعد الذبح، فلم تعد ملامحها التي عرفت بها على مدى أعوام حياتها المنتهية، كافية للدلالة عليها”، بهذا المشهد المرعب يبدأ الروائي العراقي الدكتور محسن الرملي روايته الجديدة “حدائق الرئيس” الصادرة مؤخرا عن دار ثقافة للنشر والتوزيع في أبوظبي، وهذه الرواية الثالثة بعد روايتين سابقتين “الفتيت المبعثر” و”تمر الأصابع” وعدد من المجموعات القصصية والشعرية المتميزة، أثبت فيها قدرته على امتلاك ناصية الكتابة في القصص القصيرة والشعر بلغة خفيفة ممتزجة بالتهكم حتى في وصفه للمشاهد القاتمة، وتسيطر “تيمة” الحرب وتوابعها على معظم إبداعه وهو الذي عاشها طفلا ومجندا كادت تدمره مع ما دمرت خلال سنوات لم تعرف العراق فيها سلاما، وانتهت بلجوئه إلى أسبانيا عله يجد فيها الراحة، فدرس لغتها، وتخصص في أكبر إبداع بها “دون كيخوته” وربما كان هذا له تأثيره على طريقته في السرد الساخر.
إلا أن هذه البداية التي تحكي الحدث بهذه اللغة اللاذعة، جمعت أبناء القرية وفرقتهم عندما تنازعوا دفن تلك الرؤوس، ما بين مؤيد ورافض انتظارا للعثور على جثث هذه الرؤوس نفسها لينتصر في النهاية الرأي باللجوء إلى رأي الدين عبر شيخهم الذي كانت فتاواه عن “الموت” دائما دون أن تقدم لهم فتوى تأخذهم إلى الحياة خوفا من النظام القائم، وكان رأيه أن الدفن المؤقت يحفظ للقتلى كرامتهم إلى حيث استكمال طقوس الدفن بعد العثور على ما تبقى من هؤلاء.
هذه البداية تتخلق منها مواقف وشخصيات قدمت نفسها بعد ذلك على أنهم “أبناء شق الأرض”، إنهم ثلاثة من أبناء القرية جمعتهم الصداقة منذ الطفولة وتضامنوا لإخفاء نسب واحد منهم مجهول الأبوين ليصبحوا معا أبناء هذه الأرض التي أنجبتهم وتحولت أحداث حياتهم إلى جزء لا يتجزأ من تاريخ الوطن “العراق” خلال النصف قرن الأخير الذي شهد أحداثا دامية لم يتوقف نزف جراحها حتى اليوم، ومن هنا كانت أيضا نهاية الرواية المفتوحة بتفرق امتدادات تلك الشخصيات في مواقفها تعبيرا عن ما يشهده العراق الآن من تفرق وتحزب، لأن الرواية اتخذت الشكل الدائري، تبدأ وتنتهي بالمقطع نفسه، لأنها ترى أن الحياة ليست سوى دوائر تتداخل مع بعضها لتشكل في النهاية الدائرة الكبرى.
صناديق الموز هذه والرؤوس المقطوعة التي تحتويها تفتح من البداية الطريق أمام تشكيل درامي يشي بدموية المشهد، وفي الوقت نفسه بتناقضات هذا المشهد، ليست هناك أكثر سخرية من أن هذه القرية لا تعرف الموز، فيأتيها الصندوق خاليا من تلك الفاكهة المنتظرة ويحمل في باطنه ما يدمي القلوب بدلا من أن يرطبها، ومن تلك اللحظة نتعرف على الشخصيات الرئيسية التي تشكل حياتها محور الرواية: عبد الله كافكا وإبراهيم قسمة والشيخ طارق، أسماء تحمل معانيها في ألقابها أو كنيتها، تعيش متدخلة وتتقاطع حياتهم فيما بينهم لتشكل ذلك المزيج من تاريخ العراق خلال النصف قرن الأخير، لكل حياة دائرة قد تبتعد عن الدوائر الأخرى لكنها سرعان ما تتقاطع وتلتقي لتأخذ القارئ إلى الدائرة الأخرى حتى تصل به في النهاية إلى الدائرة الكبرى التي هي الرواية.
عبد الله كافكا، وكما هو واضح من كنيته شخص عدمي متشائم يمارس العدمية انطلاقا من نسبه المجهول الذي يكتشفه في النهاية ولكن اكتشاف هوية الأبوين لا يدفعه إلى الانطلاق بحثا عن الأب يزداد عدمية، ويقرر البقاء إلى جوار قبر الأم المغدورة، فالحياة لم تمنحه شيئا، لم تدعه يسير في حياة عادية بل أخذته الى حرب لا يعرف عنها شيئا ليسقط أسيرا ويعاني ويلات الاسر في ايران، وبعد العودة يقر أن يكمل حياته على طريقته بعد أن حرموه الحياة بفقدانه حبيبته سميحة دون سبب واضح.
وإبراهيم قسمة الذي يجد نفسه غارقا في تلك الحروب التي تعيشها بلاده أيضا ودون أن يعرف سببا لها نتيجة يأسه من نهاية لتلك الحروب تزوج مبكرا وأنجب ابنته “قسمة” في سنته الأولى في الجيش، ولكن شيئا منعه من الاستمتاع بطفل كان يريده، وفشلت كل محاولات زوجته في اللجوء إلى كل ما تعرفه العجائز لتحقيق أمنيته، خلال تلك الحروب التي استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة الكيماوية والجرثومية تركت أثرها عليه ليكون ضحية لشيء لا يعرفه، ولم تكن لديه رغبة في معرفة أكثر من ذلك.
ومن مغامرة الحرب مع إيران استيقظ الجميع على دبابات العراق في شوارع الكويت واستدعاء الجنود لحرب جديدة، حرب مدمرة هدفها المواطن قبل أن يكون لها هدف آخر، عاش إبراهيم الحرب الجديدة ليفقد أصدقاء جدداً عرفهم في طريق هروبه من القصف الأمريكي. وأيضا فقد قدمه ليصاب بعاهة لم تصبه في معارك العراق السابقة، يبدو انه لا أمل حتى لمثل هذا المسالم الراضي بنصيبه في حياة هادئة يداعب فيها طفلته الوحيدة في هدوء.
طارق المندهش محظوظ مثل أبيه لم يذهب إلى الحرب لأنه كان معلما في مدرسة القرية وإمام مسجد وله معارف فلم تكن مهمته في التجنيد سوى نوبات حراسة خفيفة سرعان ما هجرها عندما شاهد انهيار النظام، فتفرغ لحب النساء والأناقة في الملبس وممارسة متع الحياة.
وبعد أن اتخذ كل منهم طريقة في ممارسة الحياة في القرية سنحت الفرصة لإبراهيم أن يذهب إلى بغداد للعمل في حدائق الرئيس، بستانيا يرعى الورود، ولكن الورود لم تكن ورودا بل أصبحت دفن جثث معارضي الرئيس في تلك الحدائق.
وبعد أن استيقظ الناس في العراق على حرب جديدة هدفها المعلن إطاحة الرئيس، ولكن نتيجتها الحقيقية دمار البلاد، لتعود رأس المسكين إبراهيم قسمة في صندوق موز لا يعرفه سكان القرية، وليجتمع الأصدقاء مجددا هذه المرة بشكل مغاير:عبد الله كافكا وطارق المندهش ورأس إبراهيم قسمة الذي حلت في تلك الحلقة محلة ابنته “قسمة” ذاتها وبعد إلحاح قرروا البحث عن جسد إبراهيم لدفنه مع رأسه، ولكن اكتشف كل منهم أن طريقته في الحياة مختلفة، عبد الله كافكا قرر العودة إلى حياته العدمية لأنه لا شيء في الحياة يستحق المغامرة، وقسمة اكتشف أن مرافقة طارق للبحث عن جثة أبيها هدفه آخر، فقد أصبح كل شيء ”خليط غير متجانس، مزيج من ملوحة وحموضة وحلاوة ومرارة، أحجار تتطاحن وسط مرجل قيح يغلي في جوفها“.
حدائق الرئيس” للكاتب محسن الرملي، انعكاس لنصف قرن من حياة وطنه العراق، حروب متواصلة، أناس يذهبون إلى المذبح دون أن يعرفوا لماذا، أسرى ومفقودون وقتلى، ولا أحد يفهم ما يحدث له، وكل فرد يجد نفسه في موقف ذاتي يبعده عن الانتماء إلى الآخرين حتى في لحظات التضامن.
---------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الاتحاد) الأماراتية بتاريخ 23/8/2012م

الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

حوار مع د. محسن الرملي / أجراه: محمد الأصفر


د. محسن الرملي :
المثقف العربي واجه الديكتاتوريات عندما كانت الشعوب صامتة

 حاوره: محمد الأصفر

الكاتب العراقي محسن الرملي واحد من الأسماء الأدبية التي برزت في الأدب العربي المعاصر في السنوات الأخيرة، فهو يكتب بالعربية والإسبانية وترجمت بعض نصوصه إلى لغات عديدة، وإضافة إلى رصيده من إصدارات في الرواية والشعر والمسرح والترجمات وصلت إلى عشرين كتاباً منها روايتيه الفتيت المبعثر وتمر الأصابع، ها هو يصدر الآن مجموعة قصصية رابعة في الأردن تحمل عنوان (برتقالات بغداد وحب صيني)، التقيناه بعيد وصوله من مشاركة في معرض غوادالاخارا الدولي للكتاب في المكسيك، ليحدثنا عن مشاركته في معرض المكسيك للكتاب وعن إصداره القصصي الجديد (برتقالات بغداد وحب صيني) :

ـ كيف وجدت حضور الثقافة العربية في المكسيك؟
ـ للأسف، يكاد حضور الثقافة العربية أن يكون معدوماً في المكسيك وفي عموم أمريكا اللاتينية، بينما يفترض أن يكون تقاربنا وتعاوننا أكبر، وخاصة أن ليس بيننا وبينهم أي عداء تاريخي فلم نحتلهم ولم يحتلوننا كما فعل الأنكليز والفرنسيون والأمريكان، كما أن القوى الكبرى صنفتنا وإياهم على أننا من العالم الثالث، وثمة عوامل مشتركة كثيرة بيننا وبينهم من حيث الحس الثقافي العاطفي والعائلي وتسليط الديكتاتوريات علينا، وكذلك وجود أعداد لا يستهان بها منهم من أصول عربية برزت بينها شخصيات كبيرة في الثقافة والسياسة والاقتصاد والفنون. حين سألت إدارة معرض غوادالاخارا، وهو أكبر معارض الكتاب في أمريكا اللاتينية، عن سبب الغياب العربي، قالوا بأنهم يتمنون أن يخصصوا إحدى دوراته للثقافة العربية ولكنهم كلما خاطبوا الجهات العربية عبر سفاراتها منذ أعوام يقولون سندرس الموضوع ولا يردون.

ـ بدأت بالقصة ثم انتقلت الى الرواية والآن تعود إلى القصة مجددا، كيف كان هذا التجوال؟
ـ  نعم أنا بدأت بالقصة القصيرة ولكنني لم أنقطع عنها وليس في نيتي فعل ذلك، فهي من أرقى الفنون الأدبية وأصعبها بعد الشعر، إلا أنها لا تكفيني أحياناً عندما أريد التعبير عن مواضيع أو قضايا كبيرة، وهذا ما كان يحس به ويقوله حسن مطلك أيضاً، وأتصور أن غالبية الكتاب لديهم هذا الشعور، وخاصة أن الرواية فن مطواع وقابل لاستيعاب مختلف الأجناس الأدبية وللتكيف مع شتى التحولات المعاصرة.

ـ في فترة ماضية اهتممت بروايات أخيك الشهيد حسن مطلك وقمت بنشرها، أين تلتقي مع أخيك إبداعيا؟ في الرؤى، في الأسلوب، في الإحساس بالعراق وظلم الديكتاتورية؟
ـ لازلت وسأبقى مهتماً بنشر بقية أعمال أخي حسن مطلك ولن أشعر بالراحة إلا أن أتم نشرها كلها، أولاً لأنها تستحق ذلك وثانياً كنوع من المقاومة والتحدي للديكتاتورية التي أخرست صوته وهو في عز عطائه، أما عما نلتقي به، فربما ببعض الرؤى والإحساس بالعراق، فيما نختلف بالأسلوب ولا أجرؤ حتى على إجراء مقارنة بشأنه، لأن أسلوبه متفرد ولا أتردد في وصفه كجوهرة أو تحفة من تحف الأدب العربي الحديث.

ــ كيف ترى المشهد الثقافي العربي في ظل الثورات الحالية؟
ـ أعتقد بأن الوقت لازال مبكراً لتقييم ذلك، فعدا أن الثورات العربية لم تكتمل أو لم تحقق أهدافها بعد، فإن الثقافة الحقة ليست عبارة عن ردود أفعال مباشرة وإنما تحتاج إلى وقت، إلى مسافة زمنية عن الأحداث كي تقدم رؤيتها بشكل أنضج، وأتوقع أن تحدث تحولات إيجابية لاحقاً على المشهد الثقافي العربي، والعالم ينتظر منه الكثير. وأنا لا أتفق مع الذين هاجموا المثقف واتهموه بالتقصير وطالبوه بالمشاركة الفيزيائية في الثورات، ذلك أن أدوات المثقف أو المبدع مختلفة، كما أن المثقف العربي كان يواجه الدكتاتوريات في أعتى قوتها وبطشها حين كانت الشعوب صامتة وكم من مثقفينا ومبدعينا عانوا السجن والقتل والتشريد فيما لم تخرج أية مظاهرة من أجلهم!، والأمة التي تهمش أو تقلل من شأن مبدعيها إنما تقلل من شأن هويتها ونفسها.
ـ بين الصين وبغداد عدة طرق، منها طريق الحرير، وبغداد والصين مكانين مثخنان بالتاريخ والحضارة، هل من علاقة بين سور الصين العظيم وبرج بابل ومكتبتها؟
ـ  الصين أمة عظيمة وجهة أخرى من العالم لازالنا مقصرين في معرفة ثقافتها وبالتعامل معها في الزمن الراهن فيما كان أجدادنا على صلة وتبادل أفضل بحيث ساهما معاً بالتأثير وإغناء الثقافة العالمية الإنسانية، وبالفعل ثمة أشياء كثيرة تاريخية وثقافية واقتصادية تربطنا، وكلانا نحسب على الفلسفة والثقافة الشرقية الأمر الذي سيجعل تفاهمنا أسهل ومن تلاقح ثقافتنا قوة مؤثرة ومثيرة للإنسانية جمعاء وخاصة في زمن نلاحظ فيه الإنهاك الذي يصيب الكثير من مفاصل الثقافة الغربية فكرياً وروحياً واقتصادياً.

ـ يقولون أن الامبراطور الذي بنى سور الصين العظيم كان قد أحرق كل الكتب التى في الصين وفي بغداد هناك دار الحكمة التى حرقها المغول.. هل من حريق إبداعي داخل قصصك هذه يمكننا الاستئناس بنوره ودفئه؟
ـ أظن وآمل بأن القارئ لكتابي هذا لن يشعر بالخيبة وبأنه سيجد فيها شيئاً يعجبه، ففي مجموعتي القصصية (برتقالات بغداد وحب صيني) أنواع من الاحتراقات، إذا جاز التعبير، وهي تتطرق لعدة قضايا منها عن سلوك المثقف الشاعر بمواجهة الحرب والاحتلال، ومنها عن الحب والهم الوجودي وعن الذاكرة والهجرة وتلاقي الثقافات المختلفة وغيرها، وفي قصة (حب عراقي ـ صيني)، على سبيل المثال، تجد نموذجاً لهذا الذي ذكرناه عن العراق والصين.
-----------------------------
*نشر في موقع (المأنوس) الليبي، بتاريخ 19/8/2012م
  محمد الأصفر / أصيلة