الثلاثاء، 30 مايو، 2017

صدور روايات محسن الرملي بالكردية

صدور روايات محسن الرملي بالكردية
 
http://www.almadasupplements.com/pdf/05-3934/21.pdf
المدى/أربيل: صدرت في أربيل الترجمة الكردية لروايتين من روايات الكاتب العراقي محسن الرملي، والثالثة في طريقها إلى الترجمة، حيث صدرت روايته (حدائق الرئيس) عن دار روزهه لات بترجمة من العربية إلى الكردية أنجزها الكاتب الكردي فيصل هموندي، وتتناول هذه الرواية أحداثاً ومواضيعاً كثيرة من تاريخ العراق على مدى نصف قرن، وكيف انعكست مجرياتها على حياة الناس البسطاء. الحروب، الحصار، الدكتاتورية، المقابر الجماعية وفوضى الاحتلال. وتعد هذه الرواية واحدة من أهم أعمال الكاتب، فقد تُرجِمت إلى أكثر من لغة وترَشحَت ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية/البوكر عام 2013م، كما حازت ترجمتها الانكليزية على جائزة القلم الدولي لعام 2017، وكتبت عنها صحف عالمية عديدة كـ(فاينانشيال تايمز) و(الغارديان) وغيرها، وقارنها بعض النقاد بأعمال لتولستوي أو لماركيز. 
أما الرواية الأخرى التي صدرت بالكردية، فهي (ذئبة الحُب والكتب) وذلك عن دار (ناوه ندى ئاوئر ANER)وبترجمة الشاعر الكردي المغترب شيرزاد هيني، وتتناول هذه الرواية موضوع الحب تحديداً وسط الظروف التي مر بها العراق في العقود الأخيرة فتنتقل شخصياتها الرئيسية بين العديد من البلدان كسوريا والأردن واليمن والسودان وليبيا والمغرب ثم انتقالا إلى اسبانيا. عراقيان، امرأة ورجل، يبحثان عن الحُب في ظِل الحُروب والحِصار والدكتاتورية والاحتلال والمغترَبات. "إنها رواية حُب تدعو للحُب في أزمنة تُهمش الحُب، لذا يهديها كاتبها الى كل الذين حُرِموا من حُبهم بسبب الظروف". كما يمزج فيها بعض سيرته الذاتية بالخيال، متقمصاً صوت المرأة، ومعبرا عنها بعمق.
هذا كما يعمل الكاتب والمترجم الكردي جمعة جبارى الآن على ترجمة رواية ثالثة للرملي إلى الكردية بعنوان (تمر الأصابع)، وبمناسبة صدور أعماله بالكوردية أشاد الكاتب محسن الرملي بنشاط الحركة الثقافية في كردستان ومنها حركة الترجمة، وتوجه بالشكر الخاص إلى مترجمي أعماله، وأضاف:"أنا سعيد بترجمة رواياتي إلى اللغة الكردية لكي يقرأها أخوتي وأصدقائي الأكراد ممن لم يقرأوها بالعربية أو بلغات أخرى، فالعمل الكتابي لا يكتمل إلا بقارئه، وبالنسبة لي كانت قراءة هذه الأعمال ستظل ناقصة لولا ترجمتها إلى الكوردية.. وخاصة أنها تنهل من ذاكرة مشتركة تحفل بالكثير من التفاصيل الإنسانية الموجعة والعذبة التي عشناها معاً في بلد دائم التقلبات والغليان اسمه العراق، ومن أجل الحفاظ على إنسانيتنا وسط تقلباته اللاإنسانية في أغلب الأحيان، تتناول هذه الأعمال دواخلنا التي تتمسك بحلمها وحقها بالحرية والحب كجزء من التمسك بحب الحياة في مواجهة الموت" وعبر عن أمله بأن يلتقي بشكل شخصي في كوردستان مع قرائه وأصدقائه من المثقفين الأكراد.
يذكر أن الدكتور محسن الرملي هو كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم، ولد في شمال العراق (الشرقاط) عام 1967 ويقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، وله ما يزيد على العشرين إصداراً تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والترجمات والرواية. منها رواياته: (الفَتيت المبعثَر) التي فازت ترجمتها الإنكليزية بجائزة أركنساس 2002 و(تمر الأصابع) و(حدائق الرئيس) و(ذئبة الحُب والكُتب) التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2015. تُرجِمت أغلب أعماله لأكثر من لغة، وشارك في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات والمعارض الدولية ومنها معرض أربيل الدولي للكتاب عام 2014. وهو يعمل حالياً أستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية في مدريد.
هذا وقد صدرت جميع أعمال الرملي الروائية بالعربية عن دار المدى، إضافة إلى كتابين مهمين من ترجمته.
*نشر في ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى)، العدد 3934 بتاريخ 28/5/2017م.

**ونشر في وكالة (باشطابيا) بتاريخ 19/5/2017م

الثلاثاء، 16 مايو، 2017

مقابلة قصيرة مع محسن الرملي / ذا ناشينال

مقابلة قصيرة مع محسن الرملي

ترجمة: المدى
نقلا عن صحيفة (ذا ناشينال)
رأس مقطوع. ثم  آخر، وآخر، حتى يتم العثور على تسعة رؤساء مقطوعة في قرية عراقية. إنها  مقدمة حية صادمة للعالم العنيف والفوضوي لرواية (حدائق الرئيس) لمحسن الرملي.
* بدا سؤالنا بريئا للغاية حول مصدر إلهامه لكتابة هذه الرواية.
يقول الرملي”في اليوم الثالث من رمضان في عام 2006، تلقيت أنباء عن ذبح  تسعة من أقاربي الذين كانوا صياما"،.”وجد سكان قريتي رؤوسهم موضوعة في  صناديق للموز، جنبا إلى جنب مع بطاقات الهوية الخاصة بهم، على جانب الطريق الرئيسي بالقرب من منزل عائلتي.
"لقد صدمتني هذه الاخبار وارعبتني، فقد كانت لدي ذكريات مع أصحاب هذه الرؤوس حينما كنا نلعب سوية ايام الطفولة”.
ومن المفهوم أن الرملي لم يكن لديه أي فكرة عما يجب القيام به، سوى اللجوء إلى شيء يعرفه: الكتابة. وبعد ست سنوات، نشرت حدائق الرئيس باللغة العربية، حيث تروي حكايات الأصدقاء الثلاثة عبد الله وطارق وإبراهيم وتدور احداثها حول  مآسيهم الشخصية ومآسي العراق في الفترة الواقعة ما بين الحرب مع إيران حتى سنوات ما بعد الغزو الأمريكي.
وقد تم إدراجها في قائمة الجائزة الدولية للرواية العربية البوكر لعام 2013، وقد صدرت أخيرا ترجمة لها باللغة الإنجليزية، من قبل لوك ليفغرين. وهو إنجاز مذهل.
يقول المؤلف وهو يتحدث  عن غايته من تأليف الكتاب. :”كنت أريد أن أقول إن الضحايا ليسوا مجرد أرقام يتم تسجيلها في الصحف، فداخل كل واحد منهم عالم كامل بحد ذاته"، "كانت لديهم عوائل وذكريات واحلام، وكان من أبشع الظلم هو ذبح هذا العالم بأسره وان ننسى ذلك بكل برود في غضون دقائق".
ورغم ان جميع هذه الوفيات موجودة في كتاب الرملي، فإن إنجازه الحقيقي هو جعل شخصيات طارق وإبراهيم وعبد الله مليئة بالحياة، وواقعية بل وذات مصداقية. واستمرار علاقتهم بطريقة ما على الرغم من الخسائر الباهظة التي يتكبدها من يعيش ببساطة في العراق.
يقول الرملي:”تلك كانت نوع العلاقة التي يقيمها الضحايا  بعضهم مع  البعض الاخر.
"إنهم امثلة  للناس العاديين، و لحياة ملايين العراقيين الذين سلط عليهم الظلم، ودفعوا ثمنا باهظا بسبب الدكتاتورية والعادات والتقاليد والحروب والعقوبات وما إلى ذلك - كل ذلك دون أي ذنب أو أي خيار لهم في هذه المسألة”.
رحلة عبد الله تعطي الكتاب عنوانه: حيث ينتهي به المطاف الى العمل في الحديقة الشاسعة للرئيس العراقي - ولكن بالطبع فان عملية الحفر في الأرض ليست مهمة عادية كما قد يبدو تحت حكمه
* ومن المثير للاهتمام أن اسم صدام حسين لم يذكر قط، مما يجعل من رواية  حديقة الرئيس تعبيرا عن أي نظام شمولي.
- "
نعم، هذا صحيح"، يوافق الرملي
"وهناك سبب شخصي أيضا: لا أريد أن أذكر صدام حسين بالاسم في أي من أعمالي الأدبية، فهو الذي قتل أخي والعديد من أقاربي.
"
أشعر أن القيام بذلك من شأنه أن يلوث نصوصي، وفي أعمالي، قد تجد أسماء لكل شيء – حتى لحمار - ولكنك لن تجد اسم صدام حسين".
فر الرملي من العراق الى الاردن بعد ”ثلاث سنوات مثل الكوابيس امضاها في الخدمة العسكرية” ثم غادر الى اسبانيا في 1995 حيث يعيش الان.
هناك خط مخيف في الكتاب يبدو أنه يلخص ما كان يعنيه  العيش في تلك الفترة في العراق، وكما قال عبد الله لإبراهيم:”لا توجد طريقة يكون فيها الموت أسوأ من الحياة
وقال الرملي:”عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية، كان عمري 13 عاما، وكانت جثث القتلى تصل كل يوم.
"
استمرالموت دون توقف حتى اليوم، لأن قريتي كانت تحت سيطرة داعش لمدة عامين ونصف
"بسبب الكثير من الطرق البشعة للموت في العراق، فان معظم الناس يتوقون إلى ميتة طبيعية - في الواقع، سمعت والدتي تدعو من الله أن يميتها ميتة عادية.
"
أنا نفسي كنت اتوق للموت عدة مرات".
في حين أنه عانى أكثر مما يمكن ان يتصوره معظمنا  في أسوأ كوابيسه فان روايته حدائق الرئيس استطاعت بطريقة او اخرى ان تحتفي بالمشاعر الإنسانية لأبطالها
يقول الرملي:”ليس هناك حياة بلا أمل"، وإمكانية أن تصل الترجمة التي قام بها  ليفغرين الآن إلى جمهور أوسع هي شعلة منيرة للضوء.
وقال”وسوف تنقل  أصوات شعبي، اضافة الى معاناتهم، لأكبر عدد من الناس في العالم"،.
واضاف”ان شعور الاخرين بالام ومعاناة  الضحايا سيخفف من تلك المعاناة ويجعلهم يشعرون بالتضامن الانساني".
ويختتم الكتاب أيضا بعبارة “للرواية بقية"، وقد كشف الرملي أنه في منتصف الطريق لانهاء الجزء الثاني منها. وقد تكون لغته مفاجأة لعدد قليل من الناس.
- "أعتقد أن التتمة ستكون أكثر متعة، وأكثر إثارة،.
"
سأجعل القارئ يضحك أكثر من البكاء هذه المرة، وليس لأن ما يحدث هو مضحك، ولكن لأنه عندما تصل المأساة ذروتها الأكثر إيلاما، فأحيانا لا يوجد شيء يمكننا القيام به بعد الدموع سوى الضحك.
عن: ذا ناشينال


*ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى)، العدد 3911 بتاريخ 30/4/2017م بغداد.

(حدائق الرئيس) بالانكليزية للكاتب محسن الرملي/عن: الغارديان

صدور الترجمة الانكليزية لرواية
 (حدائق الرئيس) للكاتب محسن الرملي

ترجمة:المدى
نقلا عن صحيفة (الغارديان) البريطانية
بمناسبة  صدورالترجمة الانكليزية لرواية (حدائق الرئيس) للكاتب العراقي محسن الرملي  عن دار ماكليهاوس برس للنشر.‏ نشرت صحيفة الغارديان مقالا استعرضت فيه  أحداث الرواية:
منذ عام 1980، وشعب العراق يعاني من حروب لا نهاية لها، فضلا عن الانتفاضات واعمال القمع والعقوبات وما خلفته من أمراض.
تقدم لنا  رواية حدائق الرئيس، التي صدرت باللغة العربية في عام 2012 والتي ترجمها بشكل رائع لوك ليفغرين، قصة ملحمية عن هذه التجربة من منظور عراقي.
"إذا كان لكل ضحية كتاب، فإن العراق في مجمله سيصبح مكتبة ضخمة، من المستحيل على الإطلاق فهرستها". بطل الرواية هو إبراهيم، الملقب ب”المؤمن بالقسمة والنصيب"، الذي تروى حياته بأكبر قدر من التفصيل في  الرواية  وشكلت حادثة  اكتشاف رأسه مقطوعا وموضوعا  في صندوق  للموز في عام 2006بداية  الرواية وخاتمتها. وأصدقاء إبراهيم منذ الطفولة، طارق”المندهش”وعبد الله، والمعروف باسم”كافكا"، هم أيضا شخصيات أساسية في القصة
طارق هو مدرس، يضع العطر دائما  ذو ابتسامة عريضة  وإمام مسجد. وهذه الصفه حمته من الذهاب الى الحرب، وبقي في قريته، حيث كان يقوم بحراسة احدى مؤسسات النظام الحاكم. اما عبد الله، الذي كان يلقب”بامير المتشائمين”والذى يصف الاحداث المعاصرة بانها”تاريخ قديم، وضائع، وميت"، فقد استدعى الى الخدمة العسكرية  بسبب اندلاع الحرب مع ايران ووقع في الاسر وظل فيه  طوال التسعة عشر عاما التي تلت ذلك التاريخ مع ما يقرب من 100 الف اخرين من الجنود.وتصف الرواية حياته في الأسر 
لا يمكن تلمس اي  منحى طائفي  في سرد.الرواية  رغم ان الشخصيات الرئيسية، من شمال بغداد، بافتراض انها تنتمي الى طائفة معينة، وما لم يكن  القارئ ذو معرفة مسبقة  خارج سياق النص فلا يمكنه ان يتحقق من هذا الافتراض. وتنقل شخصيات الرواية  من خلال المناظر الطبيعية الجميلة في البلاد والحروب الرهيبة التي عاشتها إحساسا واضحا بمعاناة الأمة العراقية مع ازدراء دائم للنزعات القومية الاقصائية والدعائية.”عندما أنظر إلى علم أي بلد"، يقول عبد الله  احدى شخصيات الرواية عند إطلاق سراحه:”لا أرى شيئا أكثر من خردة من القماش خالية من أي لون أو معنى
اذا كان ما تتميز به شخصية  عبد الله هو العدمية، فإن سمة  إبراهيم هو الاستسلام للاقدار”كل شيء  مقدر ومرسوم”كما يقول، و لذلك يسمي ابنته قسمة،”. وبعد ان يصبح عقيما اثر استنشاق الغاز السام في حرب إيران، ويصاب بالعوق خلال غزو الكويت حين يفقد قدمه، يجد وظيفة في الحدائق التي تاخذ الرواية عنوانها منها. في تلك الاماكن الشاسعة  داخل بغداد، التي رصعتها قصور صدام حسين، يختلط ماء النافورة بالعطور والجِمال التي ترعى بين شتلات الورد والتماسيح التي تسبح في برك السباحة.و بطبيعة الحال، كانت أهوال تحدث تحت هذا السطح
كانت ابنته  قسمة  امرأة مستقلة، طموحها لا حدود له، وعلاقتها متصدعة  مع والدها. وكإن تصوير الكاتب  لندمها  غير المعلن عن كونه والدها،تصويرا  رائعا وغنياً بالاحاسيس القوية
اما القرية التي تدور فيها احداث الرواية والتي  لم يكشف عن اسمها، حيث كانت"كل قصة تحدث فيها تصل إلى أذان الجميع في نهاية المطاف) فتصفها  الكثير من صفحات الرواية المتدفقة بسرعة. و يصورها الكاتب بشكل  مكثف كما فعل   ماركيز في وصفه لقريته  ماكوندو، حين صور شخصياتها، من رئيس البلدية إلى الرعاة،  بشكل رائع.. حبكة الرواية حاذقة، ومحنكة ذات  احداث متنوعة، ومليئة بكشف الأسرار. ومن بين الفصول المذهلة التي كتبت حقائق عن الأوضاع في الكويت المحتلة، حيث لم يكن امام الجنود العراقيون من خيار سوى نهب المدينة أو الموت في الصحراء، فضلا عن صور حية للمجزرة على الطريق المدمر إلى البصرة، وسقوط بغداد الفوضوي على يد الأميركيين في عام 2003. والواقعية المهلوسة، التي رسمت  بتفاصيل رمزية، تصل إلى الحد الذي تذكرنا بفاسيلي غروسمان، كما يحدث عندما يرفع إبراهيم المصاب عينيه ويرى كلب برأس آدمي... ولكن بعد ذلك يصحح السارد له الامر: لا، انه كلب يحمل بين فكيه رأسا.مقطوعا
في بعض الأحيان ينحى اسلوب الكتابة الى ان يتشبه بتولستوي الى حد بعيد، في تركيزه على التفاعل بين الشخصيات خلال تدفق نهر الزمن”الذي يمر من بينهم  ومن حولهم"، وفي إحساسه بالحياة الفردية وتواصلها مع المجتمع على نطاق أوسع. على سبيل المثال، فإن مشاغل أم إبراهيم،، تجعله يشعر بأن حياته كلها كانت مجرد قطرة عادية أخرى وسط محيط هائل  من قطرات لا حصر لها تتألف من كل شيء من حوله: الناس وقصصهم وكينونتهم وممتلكاتهم”.
الرواية منسوجة من القصص الحقيقية التي عاشها المؤلف، أو رويت له، وهو يعمل الآن استاذا جامعيا ويعيش في مدريد وقد قام بترجمة كتاب دون كيشوت، فضلا عن كونه من نجوم الأدب العربي المعاصر. أعدم صدام حسين شقيقه، الشاعر حسن مطلك، في عام 1990
وعلى الرغم من جذورها المحلية الراسخة في سياقها، فإن اهتمامات (حدائق الرئيس) عالمية ايضا. إنها بحث عميق في الحب والموت والظلم، وتأكيد لأهمية الكرامة والصداقة ومعنى الحياة وسط القمع. احداث الرواية بلا شك مأساوية، ولكن فيها لمسات خفيفة من الفكاهة التي تجعل من قراءتها متعة كبيرة. ولحسن الحظ، فإن كلماتها الأخيرة كانت"للحكاية بقية"
                                                                                            عن: الغارديان
https://www.theguardian.com/books/2017/apr/22/the-presidents-gardens-by-muhsin-al-ramli-review#img-1
 

*ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى)، العدد 3911 بتاريخ 30/4/2017م بغداد.

الاثنين، 15 مايو، 2017

إشراقة الشِعر / أمير تاج السر

                                             إشراقة الشِعر
أمير تاج السر
التقيت منذ أيام في أبوظبي بالصديق الشاعر والروائي العراقي محسن الرملي، الذي يعتبر واحدا من أفضل الأصوات الشعرية والروائية في جيلنا، ومثلي بدأ شاعرا، لكنه لم يتخل عن الشعر أبدا، ويكتبه باستمتاع شديد، جنبا إلى جنب مع الرواية التي أبدع فيها أيضا. متحدثا عن بلده العراق تاريخا وحضارة وانتكاسا، وما زال هنا في قصيدة وهناك في رواية، يبدع، وقد حصلت روايته «حدائق الرئيس» التي صدرت بالعربية منذ سنوات، وكانت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر، ومؤخرا بالإنكليزية، على أصداء كبيرة، في الغرب، وما تزال تحصد كثيرا من الأضواء، مؤكدة على عظمة الأدب العربي، حين يترجم بحياد، ويقرأ بعيدا عن عنصرية التلقي، التي دائما ما تطال آداب العالم الثالث، خاصة العالم العربي.
في ذلك اللقاء العابر، بسبب أنني كنت على موعد مع السفر، طلب مني محسن أن أعود إلى الشعر من جديد، وهو الطلب نفسه الذي حدثني به صديقي الشاعر محمد سليمان، منذ سنوات، مسجلا لوما لي بأنني تركت الشعر مبكرا جدا، وكان في إمكاني أن أجعله أخا للرواية، بدلا من هجره.
قال محسن إن الشعر الآن يستعيد مجدا مفقودا، بعد أن تكالبت الأقلام على كتابة الرواية وهدت حيلها، ليستيقظ ويبدأ في رسم خطوات جديدة على درب الإبداع، وتخطيط مستقبل مشرق في أسواق البيع الإبداعي، وأن أمريكا اللاتينـــــية، بسحـــريتها وغرائبيتها، تقيم سنويا مهرجانات حاشدة للشعر، يطوف فيها الشعراء المدن والقرى، ويحصدون جماهير، لن يحصدها كتاب الرواية، أيضا توجد حوافز كثيرة للشعراء، وتوجد جوائز، ويوجد التفات جيد، حتى في العالم العربي.
في الحقيقة كان الكلام جميلا، وهذا التغزل في الشعر لم يكن مجرد غزل عابر، إنما هو نتاج مشاهدات عن تجارب، خاضها ويخوضها محسن وغيره من الكتاب الشعراء، الذين أصروا على وجود الشعر في حياتهم، مزاحما للرواية، وأعتقد أن الحالات الطارئة المشحونة بسعرات عالية من التشنج، تكتب قصيدة والحالات الخامدة التي تتطلب وقتا من التفكير، ووقتا من الرسم والكتابة والحذف والإضافة،، تسعها الرواية. ويأتي وقت أحيانا أن يكتب الشاعر قصيدته، ويأتي الروائي داخله، ليحولها إلى ملحمة روائية، والمتتبع لروايات كثير من الروائيين العرب والغربيين، الذين كانوا شعراء وظلوا شعراء، أو هجروا الشعر، يجد تلك الإشراقات الشعرية دائما، يجد اللغة البسيطة المستوحاة من لحم القصائد، والعبارات الرنانة التي لن تخرج إلا من قلب شاعر، إضافة للمشاهد الحية التي يكتبها السرد، وعندي نموذج ممتاز لكتابة حداثية، في رواية «ابن القبطية» لوليد علاء الدين، الصادرة من عام تقريبا، هذه رواية حية، وإضافة بديعة للرواية، وكونها رواية أولى لشاعر كان مخلصا للشعر، أضاف لها الكثير من الجماليات.
وتأثرا بكلام الصديق محسن، بدأت أنفض الغبار عن مجموعات شعرية، لشعراء معاصرين، كنت قرأتها منذ زمن، ولم أعد إليها مؤخرا، وأيضا أدرجت في قراءاتي بعض القصائد الحداثية لشعراء شباب، وقد عثرت على تلك المعاني التي تلهم الشعوب، واضحة بلسان الشاعر وليس بلسان شخص بديل داخل رواية طويلة، ربما لن يكملها أحد..
القصيدة تتغنى بكل شيء وترقص أيضا، وممكن أن تلمع داخل نص روائي إن وضعها الروائي داخله، وقد اعتدت صياغة قصائد وأغنيات ووضعها داخل نصوص روائية، تحتاجها، مثل أن يكون أحد الشخوص شاعرا أو مادحا، أو مطربا يحتاج إلى أغنيات، وفوجئت مرة أن أحد المغنين انتزع واحدة من تلك القصائد، ورددها من دون أن يشير إلى أنها نص في رواية، كتبتها إحدى الشخصيات، لكني كنت سعيدا رغم ذلك.
الآن في رأيي كثرت الحاجة إلى الشعر، ذلك الذي يذكر الشعوب، وفي جمل قليلة مختصرة، بأنهم شعوب، لهم أوطان توشك على الضياع، وينبغي إنقاذها، ويذكر الإنسان، بتلك الصفات الغالية التي تساقطت من إنسانيته، ولم يهتم بلمها، فالحماس الذي ينتج من قصيدة مشتعلة، كان في الماضي كفيلا، بإشعال الدنيا، وأظنه الآن، إن عاد الشعر إلى عافيته الأولى، سيفعل ما كان يفعله، ودليل على ذلك أننا ما زلنا في مواقف كثيرة، نستعين بأبيات للشابي، والبارودي وأحمد شوقي، وحتى جيل عبد الصبور، وأمل دنقل، وكل الذين كتبوا قصيدة حداثية، فقط ترتدي ثياب الحماس الأولى التي كانت مفصلة للشعر، وشخصيا آردد فجأة وفي كثير من الأحيان، قصيدة عظيمة، لشاعر شاب، هي «ما لم تقله زرقاء اليمامة» لمحمد عبد الباري.
لنتحدث قليلا عن قصيدة النثر، تلك الصيغة الأخيرة التي وصل إليها الشعر، بعد تجارب كثيفة في شعر التفعيلة، وهي الصيغة المتعارف عليها الآن، حين نتحدث عن الشعر. هذه القصيدة، وأعني النثرية، تحتمل تعبئتها بالجماليات أكثر من غيرها، وفيها صور عظيمة، وتطرب حقيقة، ولا تحتاج إلى وضعها في قالب تقليدي، من أجل استيعابها والتفاعل معها، وقد لاحظت أن شعراء عديدين من أجيال متنوعة، وحتى من الذين كانوا يكتبون العامودي، والتفعيلة، الآن يكتبونها، وأحس بتجدد عظيم في كتاباتهم.
سؤال: هل يمكن لهذه القصيدة الحداثية، أن تثير الحماس إن تناولت مواضيع تهم الناس فعلا؟
نعم بالتأكيد، والذي يتابع ما ينشر الآن، متناولا حالات الشعوب العربية المختلفة، من حروب ودمار وتشتت، ومحاولات البحث عن أوطان بديلة، يدرك أن الشعر موجود، ويواكب الأحداث، بصورة عظيمة ومشرقة.
عموما، هي التفاتات تحدث فجأة، لأشياء جميلة في حياتنا قد نكون نسيناها وانشغلنا بغيرها. كنا نعشق الشعر، ونتبارى في كتابة القصة القصيرة، ثم جاءت الرواية لتشغلنا زمنا، والآن بدأ الشعر يشرق، وأيضا القصة القصيرة، التي رصدت لها مؤتمرات أيضا، ورصدت لها جوائز كبرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (القدس العربي)، العدد 8825 بتاريخ 15/5/2017 لندن.