الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

الطماطميّة / د. محسن الرملي

تراث
الطماطميّة
د.محسن الرملي
ـــــ يا أخي، هؤلاء مجانين وعديمو الإحساس.
قال لي ذلك ونحن نشاهد في نهاية نشرة الأخبار الإسبانية خبراً عن مهرجان التراشق بالطماطم (لاتوماتينا La Tomatina) الذي يقام سنوياً في بلدة بونيول في بلنسية، فسألته: لماذا؟ وأجاب طويلاً بالتحدث عن التبذير والاستهانة بالنعمة ولماذا لا يتبرعون بهذه الأطنان من الطماطم إلى الفقراء وما إلى ذلك، فقلت له: ليتنا مثلهم نتراشق بالطماطم في عالمنا العربي بدل أن نتراشق بالدماء.
أخبرته أنه وبفضل هذا المهرجان، تعيش آلاف الأسر التي كانت فقيرة في هذه القرية الصغيرة والقرى المجاورة لها، والتي كانت تعاني في بيع محاصيلها الزراعية ومنها الطماطم، بحيث أن إحدى الحكايات التي تقال عن أصل هذا الاحتفال تشير إلى أنه قد بدأ بعراك بين فلاحيْن بسبب التنافس في تنزيل أسعار الطماطم وكسادها، فانقسمت القرية إلى فريقين تتراشق بالطماطم، وفي تلك الأثناء مرت مجموعة من السياح ووقفت تتفرج على هذه الحرب، عندها انتبه الفلاح البادئ بها فقال لهم: هذه احتفالية والفرجة عليها أو المشاركة فيها ليست مجانية. وراح يبيع الطماطم على عليهم في أكياس كي يشاركوا، فوجد نفسه قد جمع من المال ما يفوق قيمة كل ما كان لديه وما لدى خصمه. حكاية أخرى تقول بأنها بدأت عام 1945 أثناء احتفالات استعراض الدمى العملاقة، حيث تعارك بضعة شباب فيما بينهم وراحوا يتراشقون بالطماطم التي أخذوها من البقالات في الساحة، واشترك معهم عدد كبير من الجمهور، وفي الأعوام اللاحقة صاروا يأتون بأكياس الطماطم من بيوتهم حتى تحول هذا الأمر تدريجياً إلى فقرة من هذه الاحتفالات، حكاية أخرى تقول بأن شباباً كانوا ينصتون إلى مطرب في هذه الساحة ولأن صوته كان قبيحاً جداً أخذوا يرمونه بالطماطم ثم اتسعت دائرة التراشق لتشمل كل المستمعين... وأيّ كانت الحكاية، لكنها تحولت إلى تقليد سنوي وصارت من أشهر الاحتفالات السياحية في العالم، تقام منذ سبعين عاماً في آخر أربعاء من كل أغسطس وفي سنة 2013 تم تحديد عدد المشاركين بـ 22 ألف وببطاقة ثمنها عشرة يورو، بعد أن وصل عددهم إلى 45 ألف سنة 2012، يحملون أكثر من تسعين جنسية من محتلف أنحاء العالم، يستمتعون لبضعة ساعات بالتراشق بما يقارب المائة طن من الطماطم تحملها 6 شاحنات ويقوم على الحراسة 500 رجل أمن، كما تقام على الهامش العديد من النشاطات الفنية والثقافية والاجتماعية والحفلات الموسيقية ونشاطات خاصة بالأطفال، ويحضرها للتغطية أكثر من مائة صحفي، وأصبحت ساحة القرية وشوارعها ميدانا لتصوير العديد من الأفلام الوثائقية والسينمائية بعد ان كانت مهجورة، وكل هؤلاء يحجزون مبكراً في الفنادق وينفقون في المطاعم والأسواقها والمواصلات مما أنعش السياحة بشكل مذهل في هذه القرية وفي القرى المجاورة لها. علما أن الطماطم المستعملة هي الأرخص لأنها من تلك الليّنة التي لا تباع وقد ترمى إلا أنها صارت مصدراً لتحريك وجلب الملايين من اليورو... فهل تسمي هذا تبذيرا أم حسن استثمار عبر خلق تقاليد وتراث يجلب للناس البهجة والمال ويزيد من التعارف فيما بينهم؟
صمت صاحبي قليلاً، ثم كرر ما قلته له سابقاً: ليتنا مثلهم نتراشق بالطماطم في عالمنا العربي بدل أن نتراشق بالدماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (تراث) الإماراتية، العدد 193 نوفمبر 2015م

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

عن: حدائق الرئيس / فائز وفراس

عن: حدائق الرئيس
كتب: فائز المصري
رواية بوكرية بكل المقاييس، أبدع فيها حقيقة الكاتب المتميز د.محسن الرملي وأمتع، لا سيما أنه لعب حبكتها الكتابية بتقنية "فلاش باك" التغذية العكسية التي عادة ما تقتضي من الكاتب مهارة استثنائية في طبيعة البناء السردي للنص الروائي، مع موازنة مُحكمة في عملية تبادل الأدوار بين أبطال العمل الروائي بوجه عام.
في حدائق الرئيس، هنا العراق الأصيل بكل ألوان الطيف السياسي تجدهُ ماثلاً أمامك كقارئ ضمن محكية روائية تؤرخ بسلاسة نصية راقية لعدد من الحقبات السياسية الدامية التي ألمت بهذا البلد وأهلهِ على إمتداد نصف قرن من الزمان.
فمن خلال ثلاث شخصيات محورية هي: طارق بن ظاهر، عبدالله كافكا، وإبراهيم الدمشقي يسطر صاحب (تمر الأصابع) و(ذئبة الحُب والكتب) واحدة من أجمل المحكيات الروائية العراقية المعاصرة، وأكثرها غوصاً في أتون وجع الإنسان العراقي من خلال استعراضه المتقن والرمزي لسير أبطال عمله الثلاث، ودون إغفال من الكاتب لضرورة استحضار "العراق" المثخن بجراحه دوماً في خلفية المشهد الروائي للعمل ككل.
"حدائق الرئيس" توليفة روائية مفعمة بتفاصيل الحكاية الإنسانية الشفيفة، والممزوجة بعذابات الواقع البائس لبلد ارتهنت مصائره على الدوام لصالح قوى البطش والجبروت والطغيان، ليدفع الإنسان العراقي البسيط وحده ثمن ذلك كله من عذاباته، ودموعه، ودمه، ومستقبله.
آمل أن تكون هذه الرواية نقطة تحول حقيقة في جوهر ومضمون وعي وإدراك كل إنسان عراقي، متطلع بصدق لغدٍ أفضل، وعراق أمثل بإذن الله. أقول ذلك وكلي ثقة بأبناء العراق من الجيل الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

كتب: فراس شلال الطائي

من أهم وأعظم الروايات العربية، بل هي وحدها تأريخ وطن كامل، بشعبه وأرضه ومأساته الجتماعية والدينية والسياسية والنفسية.
رواية (حدائق الرئيس) للكاتب الشاعر العظيم جدا محسن الرملي من العراق مقيم في 
طبعا من الجمال والحظ الحسن أن تعثر على معلم يعلمك الحياة من خلال منجزه الروائي. 
تشعر بالفخر وانت تسمع هكذا رواية تحمل ملامحنا، أحزاننا، وجوعنا، هزائمنا، وابتساماتنا الباهتة.
موتنا الذي يطاردنا من حرب الى حصار من طاغية الى طائفيين من مجرمين قتلة الى سياسين جبناء.
موت بشبهنا بكل عراقيتنا وعربيتنا وإنسانيتنا.
تلك الرواية حين تراها اليوم وهي تقرأ ظلامنا الى شعوب أخرى 
تبتسم ابتسامة شبيهة بطفولة..