الجمعة، 31 أكتوبر، 2008

لقاء/1997


الكاتب العراقي محسن الرملي:
لنستلهم جيل الـ 98 الإسباني بجيل عربي مماثل!
حاورته في مدريد: غيته الجباري


محسن الرملي واحد من الأقلام الأدبية الشابة التي برزت في السنوات الأخيرة في ميدان القصة العربية. وُلد شمال العراق ويقيم الآن في إسبانيا. صدرت له في الأردن مجموعة قصصية بعنوان (هدية القرن القادم)، وله مجموعة نصوص مسرحية بعنوان (البحث عن قلبٍ حيّ)، وقصص أخرى بعنوان (أوراق بعيدة عن دجلة). عمل في الصحافة ونشر العديد من المقالات والترجمات في الصحف والمجلات العربية. انتهى مؤخراً من كتابة سيناريو للسينما الإسبانية بعنوان (حِيرة المهاجر)، كما يواصل دراسته العليا لنيل شهادة الدكتوراه في الأدب الإسباني.. التقيته في مدريد وكان بيننا هذا الحوار:
*نبدأ من هنا، من إسبانيا.. ماذا تقول عن إقامتك فيها وعن ثقافتها؟.
ـ إن وجودي في إسبانيا يفيدني كثيراً للوقوف عن قرب من الحركة الثقافية العالمية، وذلك لأن الجديد في العالم يُترجم إلى الإسبانية قبل أن يُترجم إلى العربية بسنوات طويلة أحياناً، وتُطرح الأشياء هنا بوضوح أكبر مما هي عليه في العالم العربي وذلك بحكم الفارق في مجال الحُريات.. وقعتُ في حُب إسبانيا ولغتها وثقافتها، وأجدُ "ثربانتس" أعظم ما أنجبته الثقافة الإسبانية على الإطلاق. أما من الكُتاب المعاصرين فإن "خوان غويتيسولو" اعتبره أفضل كاتب إسباني يتفرد بخصوصيته الفكرية والفنية والحياتية، وهو يعيش في مراكش منذ أعوام طويلة، ويغرف من الينابيع الأصيلة للثقافة العربية ومن أعمدة التصوف الإسلامي.
*ماذا عن الأدب العربي في إسبانيا؟.
ـ بصراحة إن ما يُترجم منه إلى الإسبانية يعد قليلاً، إضافة إلى سوء توزيعه ووصوله إلى القارئ. وكان لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل أثراً كبيراً في تحريك عملية ترجمة الأدب العربي، ليس إلى الإسبانية فحسب، وإنما لجميع لغات العالم. ثمة جهود كبيرة تستحق منا الشكر يقوم بها مستشرقون إسبان أمثال مونتابيث وكارمن رويث وماريا برييتو، كما أن المثقفين العرب هنا، رغم قلتهم، يحاولون بلورة جهودهم لتشكيل نواة ثقافية عربية في هذه البيئة، فأصدروا المجلات وأنشأوا الأندية وغيرها. هذا وقد كان لوجود رمز ثقافي كبير مثل البياتي في مدريد أهمية كبيرة، فقد أقام هنا عشر أعوام تقريباً وصداقتي معه بدأت من هنا.
*قلت في محاضرة لك بالنادي الثقافي العربي في مدريد؛ أنك تفضل الأدب على التاريخ، وطالبت بفصل الأدب عن الأيديولوجيات.. أوضح ذلك..
ـ أعتقد أن الأدب أكثر تحسساً وصدقاً وتفصيلاً من التاريخ في الشهادة على الحياة، وأنه أكثر إنصافاً.. لأنه لا يكتفي بِذِكر حياة القادة والمعارك وغيرها، وإنما يتناول كل شيء: الناس البسطاء وتفاصيل حياتهم وأحزانهم وأفراحهم وحتى خيالاتهم.. أما عن فصل الأدب عن الإيديولوجيات فهذا ما كان عليه الأدب الخالص عبر تاريخه، فإن أيديولوجية الأدب والفن عموماً هي الإنسان وليس المنظومات المختلفة التي تسعى لتقييد الفن والإنسان معاً.. فالفن لا بد وأن يبقى حُراً. وإذا كان لا بد من أيديولوجية فلكل مبدع أو إنتاج إيديولوجيته الخاصة به، ألا وهي رؤية المبدع.. ثم هل بإمكانك أن تقول ما هي أيديولوجية شكسبير أو ثربانتس أو طاغور أو غيرهم؟.. لقد آن لنا أن نُحرر إبداعنا من هيمنة مختلف السلطات وخاصة في عالمنا العربي.
*هل هناك أزمة ثقافة.. وأزمة المثقف العربي؟.
ـ إنها أزمات كثيرة وأولها أزمة الحرية. والغريب أنني قد اكتشفت بأن إسبانيا لها ثالوثها المُحرّم مثل ثالوثنا العربي المعروف: الدِن، الجنس، السياسة. فقد حذرني صديقي الروائي الإسباني ماريو غرانده من نشر قصتي (لبن أربيل) بالإسبانية لأنها قد تسبب لي الإشكاليات!.. أو ربما قد تجر إلى طردي من إسباني!!.. فقد قارنت في هذه القصة بين كردستان العراق وإقليم الباسك، وذلك بعد أن زرت مدينة سان سباستيان، ووجدت تشابهات مدهشة بين شمال العراق وشمال إسبانيا؛ جغرافياً وثقافياً وسياسياً وحاضراً، وهكذا فإن قصتي تدخل في إحدى المحظورات الإسبانية الثلاث وهي: المَلك، الجيش ووحدة إسبانيا!.
*ما هو أثر تواجدك خارج الوطن على كتابتك، وفي إسبانيا تحديداً؟.
ـ القصص الأولى كتبتها داخل بلدي ولذلك فهي مشحونة بالمناخ العراقي الخالص، ومن بينها قصص عن أجواء الحرب وطبيعة العلاقات بالمكان والناس.. واللغة كانت عراقية صرفة. أما مجموعتي الجديدة (أوراق بعيدة عن دجلة) فكل شيء مختلف، بما في ذلك التقنية واللغة والحدث القصصي ويُلاحظ أن إسبانيا حاضرة في مجمل قصص المجموعة على اعتبارها المكان الآخر لرؤية الذات. كما تضمنت نقداً لإسبانيا وفيها مقارنات بينها وبين بيئتي السابقة، كما يجد القارئ في قصصي الجديدة لغة جديدة وجرأة أكبر وكثافة ومحاولات لمزج تقنيات جديدة أيضاً.
*يُلاحظ على كتابتك طابع الحزن الشديد وأحياناً التهكم المُرّ.. فلماذا؟.
ـ إن الكاتب يكتب عما يعرفه، وهذا ما عرفته في حياتي عبر فقدي لأخي وأبي وأمي وأحبتي ووطني. وأثناء خدمتي في الجيش أيام الحرب، كنتُ أمام الموت، كنت أرى موت أصدقائي أمامي، ثم أنني أرى بأن القتامة والحزن هو الوجه الآخر.. الوجه الحقيقي للحياة، فالحزن أكثر أصالة ودواماً من الفرح.. ومع ذلك فأنا أتذوق الحزن كتذوقي لبقية لحظات الحياة.. بل إنني ألعب على التشاؤم وأضحك منه أحياناً.
*كيف يقيّم إنتاج محسن الرملي؟.
ـ إن عملية تقييم إنتاجي يقوم بها غيري، وأعتقد بأن هذا ليس أوانها، على أية حال، فأنا ما زلتُ في بداية الطريق، أستكشف ذاتي وأدواتي وما حولي، وأتنقل بين حقول البحث والتجارب مثلي كمثل بقية زملائي من الكتاب الشباب عراقيين وعرب. وبالنسبة لي فإنني، حتى الآن، لم أقل ما أريد قوله. وما أسعى لإنجازه سيكون أكبر من كل ما أنجزته وربما سيكون مختلفاً عنه تماماً.
*ما هو جديد محسن الرملي؟.
ـ انتهيت من كتابة سيناريو للفلم السينمائي (حِيرة المهاجر) الذي يتناول قصة مهاجر عربي في إسبانيا، وأقوم الآن بترجمة عدد من قصصي لكي أنشرها بالإسبانية، إلى جانب مواصلة كتابتي للمقالات والمتابعات الصحفية واشتغالي على مسودة رواية منذ عام.
*و.. كلمة أخيرة؟.
ـ أود أن أشكر كل من شجعني بكلمة إعجاب.. وإلى أصدقائي من المثقفين العرب في إسبانيا أقول: أود لو نُوحد صفنا من أجل خلق حركة ثقافية عربية هنا.. بل وإنني أدعوهم لاستلهام تجربة جيل الـ 98 الإسباني وبلورة جيل 98 عربي يعيد قراءة أزمة الإنسان العربي ومحاولة طرح الرؤية لتجاوزها. وفي اعتقادي أن أزمة العرب الحقيقية هي أزمة وعي.. أزمة ثقافية قبل أن تكون أزمة سياسية أو اقتصادية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في مجلة (الأندلس) العدد 54 شباط 1997 إسبانيا.

ليست هناك تعليقات: