الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

حوار / أجرته: خلود الفلاح


الروائي العراقي محسن الرملي

لم تعد للمكان أهمية في طبيعة رؤيتي للحياة

حاورته: خلود الفلاح

محسن الرملي روائي وقاص ومترجم عراقي، هذه المكونات تتداخل مع بعضها لحظة الكتابة لتستفيد كل واحدة منها من الأخرى. في كتابه (ليالي القصف السعيدة) يرى العالم في حالة تأهب دائم للقصف وفي رواية (الفتيت المبعثر) الحائزة على جائزة أركنساس الأمريكية عام 2002 بعد ترجمتها للانجليزية يصف حالة شعبه في ظل ظروف الحرب العراقية ـ الإيرانية.
وفي (تمر الأصابع) الصادرة بالاسبانية والعربية الدائرة أحداثها بين العراق وإسبانيا فتتطرق إلى ثنائيات عدة كالحب والحرب والدكتاتورية والحرية والهجرة والتقاليد والحداثة والشرق والغرب. لذلك قال عنها الكاتب الإسباني رافائيل ريج بأنها: رواية تطرح علينا أسئلة نخشى طرحها على أنفسنا وتكشف لنا ما نجهله عن أنفسنا نحن الإسبان وهي في الوقت نفسه بمثابة رحلة للتعرف على الذات من خلال التعرف على الأب.

*ما هي الرواية؟.
ـ هذا سؤال كبير وواسع كما ترين، لذا فإن الكثير من الكتب والدراسات قد سُطرت عنه وبمختلف اللغات بحيث أنه يصعب حتى حصر التعريفات الخاصة بالرواية لكثرتها، ولكن، إذا كان لابد من إجابة موجزة تعبر عن رأيي في وصف الرواية فأعتقد بأنها: كتاب يهدف إلى منح المتعة والمعرفة عبر حكاية مروية بشكل جيد.

*كان لكل جيل روائي ما يميزه، كانت هناك أزمات جماعية وأحلام. الرواية اليوم عمل صرفي فردي، أنها خارج التاريخ العام للشخصيات والكاتب. هل هذا ما يحدث فعلاً؟.
ـ الرواية كشغل وكعمل إبداعي، نعم هي عمل فردي ولكنها ليست خارج التاريخ العام للشخصيات والكاتب أبداً مهما أغرقت بالفردانية أو الفانتازيا أوالترميز أو التجريب.. بل هي انعكاس أو نتاج يتمخض عنهما. أما الأزمات الجماعية والأحلام فهي موجودة دائماً طالما وجد الإنسان، وبالفعل تبقى هناك بعض السمات المشتركة التي تميز أعمال كل جيل سواء أكان ما يتعلق منها بالشكل أو بالمضمون وإن اختلفت الرؤى والأساليب من كاتب إلى آخر وأحياناً من كتاب إلى آخر للكاتب نفسه.


*يقول بورخيس " أن الكتب الحقيقية تحتاج إلى زمن طويل كي تقرأ من جديد؟ هل تتفق مع هذا القول؟.
ـ بورخس ذكي وبارع في إطلاق العموميات وصياغة الأقوال المتفلسفة بحيث تبدو كحكمة، ولكن هذا لا يعني بأن كل ما يقوله صحيح ومطلق وقطعي في أحكامه، فمن ذا الذي يستطيع الجزم بأن كتاباً ما هو حقيقي والآخر ليس كذلك؟! وما معنى (الكتاب الحقيقي) إذا كنا أصلاً حتى لم نتفق على مفهوم واحد للحقيقة؟!. إن الكتب تقرأ في كل زمن ومنذ صدورها، وكل قراءة لكتاب يقوم بها شخص آخر هي قراءة جديدة بما في ذلك قراءة المتلقي الواحد نفسه إذا ما أعاد القراءة. لكل كتاب الحق في الوجود، بغض النظر عن نوعه ومستواه، مثلما أن لكل إنسان هذا الحق، وفي الكتب تعبير عن آراء وعما يريد قوله الإنسان، والواجب أن تكون حرية القول والتعبير عن الرأي مكفولة للجميع، ومثلما يصعب علينا تصنيف الناس بكون هذا إنسان حقيقي وهذا لا، فكذلك هو الأمر مع الكتب.

*روايتك" ليالي القصف السعيدة" تأملات فلسفية في وجودنا الإنساني أكثر منها سرد لحكاية. مارايك؟
ـ كتابي ليالي (القصف السعيدة) ليس رواية بالضبط وإن كان يمكن عده كذلك لأنه بمجمله يتمحور حول مفردة واحدة هي (القصف) يتأملها، يؤولها، يقلبها على وجوه معانيها ويتعمق فيها بحيث يتخذ منها نافذة للنظر إلى العالم، وهذه ليست بتجربة جديدة في الآداب العالمية، فهناك أكثر من عمل بالإسبانية والبرتغالية من هذا النوع.. نعم في هذا الكتاب تأملات فلسفية تتعلق بوجود الإنسان وفيه حكايات وقصائد ومعلومات تاريخية وجغرافية ولغوية وصحفية وغيرها. حاولت فيه أن أستثمر بشكل أوسع بعض الإمكانات الغنية التي يتيحها لنا فن السرد ومن ذلك أنني استخدمت تقنيات الكولاج السردي، أسلوب اليوميات، الاعترافات، المحاججة وفن القصة القصيرة وسواها. أتمنى لو يتم تسليط المزيد من الضوء على هذه التجربة.

*رواية "تمر الأصابع" الصادرة مؤخرا بنسختها العربية حدثني عن أجواءها الإبداعية؟.
ـ تدور أحداث هذه الرواية بين العراق وإسبانيا؛ في البلدين اللذين أنتمي إليهما وأحمل جنسيتيهما ويتقاسمان محبتي وهمومي وحياتي، وعليه فإن في هذه الرواية صدى كبير لجوانب من تجربتي الشخصية ومشحونة بالثنائيات التي منها: الشرق والغرب، الحرية والدكتاتورية، المعاصرة والتقاليد، الدين والعلمانية، الشخصي والعام.. وغيرها. كما تحاول وصف التحولات في المفاهيم تجاه قضايا كهذه على مدى ثلاثة أجيال وذلك عبر شخصيات الجد والأب والإبن. كان الاستقبال لهذه الرواية بالإسبانية إيجابياً ومرضياً بالنسبة لي وآمل أن يكون الأمر كذلك بالعربية أيضاً.

*لديك مجموعة أعمال مترجمة من الاسبانية إلى العربية. هل يمكننا اعتبار الترجمة نوع من أنواع الكتابة ؟ وهل يمكن لعملية الترجمة ان يكون لها انعكاس في طبيعة ما تنتجه من أعمال إبداعية؟.
ـ نعم، بلا أدنى شك، فالترجمة تكاد تكون إعادة كتابة أو كتابة ثانية للنص، وكما وصف محمود درويش مترجمه بأنه شريك له بكتابة الكتاب باللغة الأخرى. فالمترجم يعمل ويقف طويلاً عند المعاني والمفردات والصياغات ويجتهد بالبحث عن الأدق منها والأنسب، بشكل يشابه جهد الكاتب الأصلي أحياناً. وحتماً أن ممارسة كهذه سيكون لها انعكاسها المؤثر على النتاج والأسلوب الشخصي في الكتابة.. وقد اشتركت في أكثر من ندوة أو مؤتمر بهذا الخصوص ومنها ما تمحور حول مسألة (مبدعون مترجمون أو مترجمون مبدعون) الذي نظمته جمعية الكتاب والمترجمين الأسبان ضمن نشاطات معرض الكتاب في مدريد قبل أعوام، فكنا جميعاً ومن مختلف الجنسيات والثقافات متفقون على أنه يكاد يكون من المستحيل أن يفلت عمل إبداعي لمترجم من التأثر باشتغاله بالترجمة، ولدينا في ثقافتنا العربية الكثير من الأمثلة التي فيما لو تفحصنا أعمالها بدقة لتمكنا من تشخيص أثر الاشتغال بالترجمة عليها، وأذكر من بين هذه الأسماء على سبيل المثال: جبرا إبراهيم جبرا، حسب الشيخ جعفر، صلاح نيازي، عبدالهادي سعدون.. وغيرهم.

*روايتك " الفتيت المبعثر" تسرد الحياة اليومية لشعب بأكمله من خلال شخصية قاسم، عجيل، محمود، وردة والراوي. ما الذي تريد ان تقوله الرواية عن إنسان وعالم اليوم؟.
ـ حاولت في روايتي (الفتيت المبعثر) أن أعبر وأصف حال الشعب العراقي من خلال اتخاذ عائلة كعينة منه ورمزاً له، وخاصة في عقد الثمانينات في ظل ظروف الحرب العراقية ـ الإيرانية، إلا أنني عمدت إلى عدم تسمية ذلك بشكل مباشر ولم أجعل أحداث الرواية تدور في أرض المعركة مثلما أنني لم أصف نيران الحرب مباشرة وإنما حاولت وصف انعكاساتها على الإنسان فرداً وعائلة ومجتمع، الأمر الذي أعتقد بأنه يجعلها صالحة للتعبير عن هموم أي إنسان في عالمنا عندما يكون واقعاً تحت ظروف حرب خارجية وقمع داخلي، إنها رواية تدين الحرب والقمع بالتأكيد وفيها حس تحريضي ضدهما، وإنه لمن المؤسف جداً أن البشرية لا زالت تتعامل بمنطق الحروب حتى اليوم على الرغم من كل ما وصلت إليه من درجة عالية من الوعي والتحضر. أريد أن أقول لإنسان وعالم اليوم بأن الحرب فعل همجي ولا تليق به.. فحتى المنتصر فيها هو خاسر في صميم إنسانيته.

*كثيرا ما نسمع ان الغربة هي المنفى. محسن الرملي كيف يصفها؟.
ـ شخصياً، وبحكم تنقلاتي وعيشي بين أمكنة عديدة، لم تعد للمكان أهمية كبيرة في طبيعة رؤيتي للحياة، وإنما الزمن والحس الوجودي الإنساني هما الأهم بالنسبة لي، فالزمن هو حياتي، هو أنا، والإنسان هو أنا.. أما المكان فهو شيء مادي وخارج عن ذاتي مهما كان نوعه أو تأثيره، لذا فإن أحدنا قد يشعر بالغربة بل وبالنفي أحياناً حتى وهو يعيش في بلده وبين أهله وعائلته. أما فيما يتعلق بالأمكنة أو البلدان فقد صرت أرى بأن أهم ما أحتاجه منها هو أن يتوفر فيها شَرطيّ: الأمان والحرية.
----------------------------------------
*نشر في صحيفة (العرب) بتاريخ 9/9/2009م لندن.
أو
الشاعرة والإعلامية الليبية خلود الفلاح

ليست هناك تعليقات: