الأربعاء، 4 مارس، 2009

حوار / أجراه: خالد محمد


حوار خاص مع محسن الرملي عن (الفتيت المُبعثَر)

أجراه: خالد محمد

*تحدثنا طويلاً وفي أكثر من مناسبة عن (الفتيت المبعثر) وغالباً ما كان يمتد بنا الحديث إلى قضايا أبعد وأعمق تخص الأدب عموماً، أرى أن نسجل هنا ولو جوانب قليلة من هذه الأحاديث، وسأسوق بعض التساؤلات التي طرحها علي بعض طلابي أو سمعتها من أصدقاء وبعضها أسئلتي أنا.
ـ أسئلتك مهمة وجميلة دائماً يا خالد، وهي بالنسبة لي، بحد ذاتها تصلح لقراءات مختلفة للرواية، بل وتنبهني إلى أشياء أنا نفسي لم أكن واعياً بها على هذا النحو عند الكتابة. وعليه فسوف أجيبك على قدر معرفتي.. وطبعاً لن أصل إلى إجابات تريدها أنت حقاً لأن رؤيتك لها خصوصيتها حتماً، وهو أمر بديهي أن تختلف رؤية أو فهم كل قاريء لأي نص عن قارئ آخر للنص نفسه.
*الراوي والذاكرة: الرجوع إلى الماضي سمة أساسية في رواية (الفتيت المبعثر). لكن هل على القارئ أن يثق بالراوي؟ ما درجة الوثوقية براو يعاني من انقطاع الأخبار عن الأهل ويعتمد بدرجة أساسية على الذاكرة؟.
ـ الذاكرة بشكل عام هي ليست شيء ميت أبداً، وكل شيء حدث قبل دقيقة واحدة من هذه اللحظة هو قد أصبح ماضي وجزء من الذاكرة، فهل يعني هذا بأنه لا قيمة له؟.. على الإطلاق.. كل الأعمال الأدبية في العالم هي ذاكرة، وكل الفعل الحاضر هو أصلاً نتاج ذاكرة وحتى الأفعال المستقبلية هي امتداد للذاكرة وتحقيق لها بشكل ما. أي إنسان كبير السن طاعن في الشيخوخة، عندما تجلس معه وتعتقد أنك تحادث حاضراً، وبأنه ابن الحاضر ففي الحقيقة ليس الأمر كذلك، لأنه هو يعيش في ذاكرته ويروي لك عن ذاكرته، أي شيخ إسباني مثلاً سوف يتعبك من كثرة ما سيرويه لك عن الحرب الأهلية وفرانكو كأن الأمر يحدث الآن لأنه هو يعيشه فعلاً.
حسناً، الراوي غير مفصول عن الذاكرة وإنما يعيشها فعلاً بتفاصيلها لذا يرويها بحرارة وبفعل الحاضر بل أحياناً حتى يستخدم الفعل المستقبل لها، لذا يمكن الوثوق به لأنه يعيش مناخ الرواية الآن وليس لأنه يروي ذاكرة، ثم أنه بانقطاع الأخبار عنه لا يعني أنه منفصل وها هو يخبر في كل سطر عما يحدث.
الرواية تبدو بشكلها السطحي وتقنيتها قائمة على تدوين ذاكرة ماضية ولكنها في أسلوبها حقيقة هي تتحدث عن فعل حاضر ينمو ويتفاعل ويتطور مع السرد نفسه، والأهم أن الراوي يعيشه ومازال يعيش فيه أثناء كل ذلك، والدليل أن كل حياته هي هذا الذي يرويه فيما لا يتحدث كثيراً عن وضعه الحالي وتفاصيل حياته في الغربة وما إلى ذلك لأن حياته الحقيقية هي الذاكرة أو هذا الذي يرويه ويعيشه.. من هنا يفترض الوثوق به والتعامل معه لأنه يتحدث عن حاضره هو الذي يعيشه.. يعني كمثال الشخص كبير السن الذي أشرت لك إليه سابقاً.
*وماذا عن هذه العلاقة المتداخلة حد الإلتباس أحياناً بين الراوي والمؤلف؟.
ـ هذه الرواية قائمة في أغلبها على أحداث وشخصيات واقعية لذا يتم أخذها أحياناً دون تناسق منطقي لدلالات مشتركة بينها على الصعيد الأدبي. وبالنسبة للراوي والمؤلف، فكما تعلم، بأن هذه إحدى قضايا النقد الأدبي الكبرى، وهي من القضايا الغنية حقاً لأنها قابلة لتأويلات لا حصر لها. الأمر في روايتي لا يختلف عن غيرها، مثال ذلك: من هو الراوي في الدون كيخوته؟ من هو الراوي في القرآن؟.. وغيرها( في هذين النصين العظيمين حتى الآن لم يتمكن أحد من تشخيص الراوي بشكل نهائي، وهذا يصب في صالح الفتيت كونها تعلمت أو تحتوي على إحدى سمات نصوص عظيمة خالدة كهذه.. أليس كذلك؟). هنا يمكن الاستفادة من مفهوم (المرايا) الذي تحدث عنه النقد أكثر من اللازم، وهو كحل إجرائي معقول في محاولة الفهم أو تقريب الفهم.
إذاً نستطيع القول أن الراوي في الفتيت هو شخصية استلخها أو فصلها المؤلف عن ذاته ـ وهي منه ـ لتقوم بالروي، لذا فالتداخل بينها وبين المؤلف كبير جداً. يمكن بشكل آخر أن يكون أحد أخوة المؤلف كنوع من التقمص والتقابل للعائلة التي يروي عنها وهي عائلة (العمة) لذا نجد الراوي يكون لنفسه عائلة مقابلة تقريباً؛ منه شخصياً ومن أخوته المؤلف وحسن مطلك المشار إليه أيضاً والأب الذي يأخذه إلى مقهى القرية.
المناخ والمرحلة التي تجري فيها الرواية هي مرحلة شائكة ومعقدة في ظل الدكتاتورية والحروب لذا كل الشخصيات تضطر للبس الأقنعة والازدواج أو الازدواجات والانفصامات التي من أبسطها وجه مكشوف ينافق للحكومة وآخر خفي يعارضها. كذلك المغترب المنفي الذي تعرف أنت انفصاماته، هنا يكون منطقي تقبل أن يكون الراوي هو إحدى شخصيات المؤلف وليس المؤلف نفسه بكامله، تم تكليفها بروي هذا الجانب.
*في هذه الرواية وفي العديد من نصوصك الأخرى نجد دائماً شخصيات كردية أو كلمات وإشارات إلى أشياء ومناخات كردية، إلا أننا لا ننتهي إلى الإمساك برؤية واضحة عن هذه القضية!.
ـ إن الإشارات القليلة عن الكورد في هذه الرواية، وحتى في أعمالي الأخرى، هي مجرد تلميحات وصفية وليست حاسمة بحيث يمكنها أن تشكل رؤية نهائية للقضية، وليس من مهمة العمل الأدبي القيام بذلك أيضاً، وهذا الوصف لا يعني بالضرورة تعبير عن موقف أو طرح كامل وواضح لمسألة كبيرة وشائكة.. وإنما هو اشتغال وتلمس أدبي لها بصيغة ما. إنه مجرد محاولة وصف لصورتها في الذهنية العراقية بمجملها، يعني أن الأكراد طوال تاريخهم يحلمون بدولة منفصلة، ونحن بقية العراقيين نفهم هذا ونحترمه ونقر بأنه حق من حقوقهم ولكننا في الوقت نفسه لا نريد لهذا الانفصال أن يحدث أبداً ربما لحبنا لأن يبقى الوطن موحداً ومتنوعاً على النحو الذي عرفناه ولشعورنا بأن العراق سيكون ناقص وغير العراق الذي نريده فيما لو انفصل عنه الأكراد، كلنا نحمل هذا الارتباك والغموض تجاه هذه القضية في دواخلنا.
حسناً؛ لو أعدت قراءة المقطع الموجود في الصفحات 9 و10 ويبدأ بكلمة (تسللتُ..) وينتهي بكلمة ( .. في الحلم) ستجد أن هذا المقطع وبكل كلمة فيه يصف أو يعبر بعمق عن هذه القضية. يعني أن الأكراد وطوال تاريخ نضالهم من أجل تحقيق حلمهم كانوا ينوعون أو حتى يتخبطون أحياناً في طرق وسبل النضال وفي التحالفات والأسلوب وغيرها، لذا تجد أن السيارة التي يقودها السائق الكردي (ليلاً) معطلة الأضواء/راعدة/ تسير في دروب ملتوية صاعدة هابطة وهو سكران/ ودليله هو ضوء القمر (يعني الحلم البعيد في ذهن الكردي) وأغانيه كلها عن القمر/ ونحن أيدينا على قلوبنا. نضال الأكراد تحصن في الجبال وأوديتها وقممها وغاباتها دائماً لذا هم كالشجيرات التي تتمسك بالجبل /كتمسك الأطفال بظهور أمهاتهم. وحين ينتهي المقطع بأنها (جنة أخرى في الحلم) هذا القول له أكثر من دلالة وكل وفق تصوره: الراوي كشخصية عراقية غير كردية، يتمنى بقاء وتحقيق والعيش في هذه الجنة الأخرى، ويقصد (بالأخرى) شيئين؛ الأول أن يكون حالها على ما ليس عليه الآن، والثانية، (أخرى) لأنه ذاهب إلى جنة حلمه الأخرى أوربا/ إسبانيا.
هنا نعود إلى الأبيض الذي كان يسكبه الكردي الآخر وقتل البقرة، إنه أيضاً نوع من الدلالة على التخبط الكردي في أساليب نضاله، فهو يقاتل بحسن نية/ نية صافية بيضاء هي تحقيق حلمه، لذا يقتلون من يعتقدون بأنهم ضارين أو (حشرات) طفيلية تضر بنمو حلمهم، لكنهم خلال ذلك ووسطه قاموا أيضاً بقتل الكثير من الأبرياء وقتل النافعين بل بطعن الوطن أحياناً في الصميم ومن ذلك أنه قتل البقرة التي تعطي الحليب (هل يمكن الرمز للوطن هنا بهذه البقرة مثلاً!)، قتلها تحت تأثير جمال الحلم حين رأى جمال وردة، وكون الشخص الذي جاء لقتل الحشرات كردي له دلالة من وجه آخر، هي كون الكردي يمكن أن يكون مساهماً فعالاً ببناء ونفع البلد العام / العراق. الأبيض هنا حسن نية الكردي، وارتباط الجمال والموت معاً. ولسبب ما، ثمة ارتباط دائم لثلاث مفردات كلما ذُكر الكورد، وهي الجمال والحب والموت!.
الإشارة الأخرى المرتبطة بالأمر والتي أعجز تقريباً عن تفسيرها، هي أن الكردي رسم قلباً خرقه بسهم أبيض في النهاية، وهذا في بداية الرواية، وفي نهاية الرواية تقوم وردة بوضع سهم بالأسود يخرق القلب الذي رسمه قاسم وبالتأكيد هذان القلبان المخروقان بسهم مرة أبيض ومرة أسود لهما علاقتهما القوية وارتبطاتهما ببعضهما لأنهما في نهاية الأمر هما القلب نفسه. لهذا فوردة تقوم بفعل هذا الأمر وخط السهم بكسرة خبز متفحمة وهي تتذكر السهم الذي رسمه الكردي قبل أعوام وتشير إلى مقتل البقرة الحلوب (الوطن؟؟).
*اللون الأبيض. لا بد من تكوين صورة متماسكة للون الأبيض في الرواية. فله أكثر من دلالة في أكثر من موضع.
ـ عن اللون الأبيض، إضافة إلى المعنى المتعارف عليه من أنه مرتبط بالنقاء والصفاء والبراءة، يمكن تأويله بأشكال إضافية أخرى في الفتيت، مثل ارتباطه بالموت والجمال، بالنسبة للموت كما تعلم أننا نكفن بالأبيض في الثقافة الإسلامية، وفي كل الثقافات يتم الحديث عن الميت بشكل مختلف يجعل منه أفضل منه حقيقة أو أفضل مما لو كانوا سيتحدثون عنه وهو حي ويوجزها الإسلام باذكروا محاسن موتاكم، شيء يشبه بتبيض ساحته من مساوئ سيرته، كذلك الأمر مرتبط بكون الإنسان في حقيقته يجهل ماهية الموت ولا إجابة له عنها، أي أن ذهنه أو صفحة فهمه للموت بيضاء لحد الآن. في الإسبانية وفي كثير من الثقافات الغربية يتم التعبير عن فقدان الإجابة والصمت أو الارتباك بالقول: بقيت/ أو بقي في أبيض أو بأبيض (ليس لها ترجمة دقيقة لأنها تعبير جاهز)، هنا يأتي لون النهرين أبيض كونه شاهد دائم على كل الموت العراقي.. شيء شبيه بالكفن أو برايات قبور الرجال الصالحين، كذلك لإكمال ألوان العلم العراقي في لوحة قاسم واللون الأبيض كما تعلم يتوسط العلم العراقي كما يتوسطه النهرين، السمة الأخرى هي دلالة الأبيض على الجمال، ومن ذلك دهشة قاسم بذراع حسيبة الأبيض وربطه لجمالها ببياض ذراعها، جمال النهرين. السم الأبيض الذي بقي الموظف الكردي يصبه في طست ماء البقرة كان بسبب أنه أُخِذ بجمال وردة عندما رآها فظل يسكب الأبيض، وهنا يفترض تذكر معادل سكب المني الذكري، أي فيه إيحاء جنسي وكأنه كان يعبر عن شهوته أو اشتهائه لوردة. عن قاسم وحسيبة والأبيض، يظل الأبيض مرتبطاً بالموت والجمال، أي حيرة قاسم كفنان أمام سؤال الموت وانشغاله كفنان بالجمال على مدى حياته، نوع من تجاور الإشكاليتين في ذهنه وتكوينه. الجمال والموت... والأمر ـ بالطبع ـ يحتمل المزيد من التأويلات الأخرى.
*في الحقيقة إن مسألة الألوان عموماً في (الفتيت المبعثر) واللون الأبيض تحديداً ودلالاته لوحده يستحق دراسة خاصة وباب لقراءة الرواية.
ـ بالمناسبة خالد.. هل تصدق بأن أحد طلابي الأمريكان الذي قرأ الرواية جاء يسألني عن الألوان في الرواية، بعد أن قال: نعم أعرف أن الألوان الموجودة في لوحة قاسم تقصد ألوان العلم العراقي هكذا على النحو الظاهر لكنني، غير مقتنع بأن هذا هو كل شيء وأعتقد بأن لها دلالات أخرى غير ذلك وأعمق. وراح يهم بشرح وجهة نظره لكن حان الوقت لبدء الدرس فقلت له اكتب لي رأيك كتابة.. وبالطبع لم يفعل وأنا بدوري أهملت الموضوع ونسيته وها أنت تذكرني به.. فما أجمل هذا الاهتمام الملفت للنظر بالألوان!.
*الحاج لا يعترف بالفن مطلقا، لكنه يصر في نصف الرواية الثاني على أن يرسم قاسم صورة للقائد. لهذا أبعاد عديدة، ما هي معاني المفارقة على صعيد الرواية؟ وما معنى أن تغير وردة اللوحة بإضافة سهم أسود في النهاية؟
ـ كما قلت لك، الرواية مبنية على أحداث واقعية حقيقية، وربما رفضه للفن جاء بسبب المفهوم الديني والتحريمي له والنظر إليه على أنه ليس بمهنة محترمة وما إلى ذلك، أما موافقته بل ومطالبته بأن يرسم قاسم لوحة تمثل القائد فهي دليل على المدى الذي وصلت إليه السلطة في قدرتها على تغيير المفاهيم حتى بالنسبة لشخص تقليدي ومتعصب مثل الأب، وعلى قدرتها على تشويه مفهوم ودور الفن ووظيفته في أذهان الناس. والذي رفضه قاسم بالطبع.
عن السهم الذي أضافته وردة، هو لإكمال ألوان العلم العراقي التي وضعها قاسم والذي حذف، متعمداً، اللون الأسود منها ربما بنية التفاؤل أو بنية عدم تقبله للأسود فيما يتعلق بصورة الوطن، وكونه سهم، فهو أمر يذكرنا بإبرة القنفذ التي هي رمز لحدث يؤثر على الوطن، وهنا الدكتاتورية والحرب، كون السهم بعد موت قاسم هو أيضاً نوع من أشرطة الحداد التي توضع على زوايا أُطر صور الأموات، كونه سهماً يذكرنا بسهم الكردي الأبيض، هو أيضاً يرمز لحدث ويرمز لحب ميت أو لحب أو لموقف يؤدي إلى الموت كما حدث مع قاسم الذي مات بسبب حبه وموقفه من الوطن ومفهومه له..
*رحلة بحث الراوي عن محمود ذات معان متعددة. ولكن ثمة معنى خاص هنا وهو حتى تكتمل الرجولة كما تفهمها المرأة. الحياة هي رحلة وهذا المعنى متضمن في الرواية. لكن ما يعنيني هنا هو فكرة الرجولة والرحلة.. مساعدتك؟ الرحلة في معناها الأدبي مرتبطة بمراحل الخروج والتكوين والعودة قصد النمو نفسيا وعقليا وروحيا. هذا النمو الذي ترويه البنية الجديدة يشكل شخصية مختلفة ويتوقع منها أن تعود إلى المكان الأصلي بغية إحداث التغيير. هل تسير الحكاية في هذه الرواية وفقا للمعنى المألوف للرحلة والراحل؟
ـ في رأيي الخاص أن أي حركة أو فعل يقوم به الإنسان مهما كان صغيراً بما في ذلك النوم والصحو والنظر من النافذة والدخول إلى الحمّام.. هي رحلة للبحث عن الذات أو هي مراحل داخل رحلة البحث عن الذات. لذا فكل الشخصيات تقوم برحلتها داخل الرواية لتنتهي أغلبها بالتغير أو الوصول إلى تغير ما، وردة من الغافلة عن الوضع السياسي العام إلى المهمومة به، من ضعفها إلى قوتها، الأب عجيل من مفهوم تقليدي راسخ عن الوطن والوطنية إلى مفهوم مخالف أو على الأقل تقبله للشك، سعدي من استكشافه المبكر لمثليته الجنسية وممارستها خفية ومع الصغار والحمير إلى توظيفها علناً في السجن ومن ثم استثمارها للوصول إلى مناصب في الحكومة، الأم وحسيبة تغيرهما تم بشكل تراكمي أي تأكدهما من توافقهما مع شخصيتيهما لذا تزداد حسيبة في ترسيخ وتعزيز قوتها، فيما الأم تزداد ترسيخ أمومتها الاحتوائية الصابرة وتقوية هذا الاحتضان الأمومي لأبنائها حتى في قبورهم.. وهكذا..
أما عن الراوي فهو، نعم، قد قصد الرحلة للخلاص ولمعرفة ذاته ولفهم الوضع ولكنه على الرغم من أنه ينتهي وكأنه لم يرحل ولم ينجز شيئاً على صعيد معرفة الذات والقرار ولهذا تنتهي روايته قصداً بفصل يحمل عنوان (صفر اليدين) إلا أنه في الحقيقة، نعم قد حقق غرضه من الرحلة، وهنا المقصود الرحلة الروائية، أي أنه بالاستعادة والوصف قد عاد ليكون فاعلاً في التغيير والدليل على ذلك أن الرواية التي رواها هي (رواية تحريضية) تحريضية على التغيير.
هذا بالنظر إليه كفاعل أدبي من خارج الرواية وكمُنجِز لها، أما بالنظر إليه من داخلها وكإحدى شخصياتها، فهو كما تعلم، أولاً يريد النجاة بنفسه، يريد البحث عن هويته، يريد فعل شيء، أما محمود فهو برمزه الأول يرمز للمعارضة العراقية في الخارج، آنذاك، والتي كانت بلا ملامح ولا هوية واضحة ولا تأثير فاعل.
ارتبط الأمر بالرجولة، لأن المناخ العام الذي فرضته الدكتاتورية هو في الأصل فرض نوع بعينه من المفاهيم عن معنى الرجولة، وهو الذي تعرفه شرقياً وعربياً، صورة مرتبطة بالفحولة وبالعنف والخشونة والقوة، وهو على صعيد المرحلة العراقية، الرجولة المرتبطة بالقوة والعسكرية والقتال والحرب والسلطة.. بالعنف.. حيث السلطة الدكتاتورية هي تعلية لشأن وسيادة الذكوري على كل ما سواه، من هنا حتى النساء ومن أجل البقاء على قيد الحياة وإثبات الذات، تصير تكتسب ملامح القوة الذكورية، وخذ نموذج حسيبة مثلاً، فهي ولرقة زوجها تقوم بتقوية الذكورة في شخصها هي، أما وردة التي لا تجد أسساً ذكورية في ذاتها فتلجأ إلى الحلم بالقوة ومن ثم البحث عنها في خارج شخصها في الذكور أنفسهم.
المرحلة والمناخ الذي تصفه الرواية هو مناخ حرب ودكتاتورية ذكورية بكل معانيها وهي تعمل بكل الوسائل على إعطاء هذه الصورة عن نفسها، من هنا نجد الأب عجيل يربط حتى الوطنية بالذكور المحاربة منها جده ومنها القائد. قاسم لأنه يختلف لذا فالذكورة بمفهومها هذا لا تعنيه ولا يتفق معها لذا ينتهي بالموت لأنه لم يحصن نفسه، فيما تواصل حسيبة البقاء بتعزيز ذكوريتها، من هنا هي ترفض تحرشات سعدي باصقة عليه كنوع من المواجهة القوية والرفض، سعدي يحقق بقاءه عبر فهمه لمعادلة الذكورة وتداخله معها يعني بتسليم مؤخرته للحكومة لتدخل فيه فيتوحد معها.
الراوي هو باحث عن هويته الذكورية التي سيواجه فيها سلاح السلطة الذي هو ذكوري أصلاً، وهو كما قلنا يحقق هدفه من الرحلة عبر كتابة الرواية ذاتها (كتابة التحريض) وفي الوقت نفسه، قد كان يرحل لمعرفة ذاته عبر عملية الكتابة ذاتها.. لكنه على الصعيد الداخلي للرواية لم يتمكن من تحديد سلاحه الذكوري للمواجهة لكن الذي تمكن من تشخيصه وتحديده هو أن الذكورة/ الرجولة هي السلاح الذي تستخدمه السلطة العدو، لذا فمن أوجه المواجهة معها يفترض أن يتم استخدام السلاح الذي يستخدمه العدو، وهنا يروح يشخص مواطن وجود هذا السلاح في الأشخاص المواجهين بما في ذلك عند المرأة أيضاً.
*القنفذ والإبرة. ما هي طبقات المعاني التي دارت في ذهنك ساعة الكتابة؟ الأسهل هو الركون إلى المعاني المجردة للقنفذ والإبرة. لكن هل هناك معان يمكن ربطها بسهولة بموضوعة تصوير العراق والاضطهاد بشكل عام، وليس على صعيد معاناة الحاج عجيل فقط؟ الإبرة تؤلم الحاج لأول مرة بعد مقتل قاسم؟
ـ وصف القنفذ بأنه كروي مثل الأرض/ العالم/ الدنيا/ الزمن/ التاريخ.. وكونه يحمل إبر من كل جهاته، هذه الإبر التي يمكن اعتبارها أحداثاً قد تصيب أي واحد منا في أية لحظة وفي أي موضع من جسده. أن تصيب إحدى الإبر عجيل في عنقه في تفاحة آدم، وأن يتم معالجتها بشكل لا علاقة له بها على الإطلاق، فهم يكتفون بوضع نظارات له فيما أن مصابه في بلعومه، كأن الأمر يعني العراق الذي مر بأحداث من هذا النوع وتم معالجتها بشكل لا علاقة له بالمرض، ومع ذلك يواصل العراق الحياة والإنجاب ويصير يعتز بهذا الأحداث ويربطها كجزء من تكوينه، والنظارات ربما تشير إلى حاجته إلى الإبصار الأفضل..
عجيل وبسبب أحداث ماضية منها الاحتلال الإنكليزي (الذي هو إبرة أيضاً) يرى ويفهم الوطنية عبر نظاراته هذه والتي هي في الأصل لم توضع من أجل المعالجة.. عجيل يتعايش مع الإبرة ويصير يتقبلها أكثر كجزء منه فقط حين ينجب أول أبنائه قاسم بل يصير يحبها ولا تؤلمه لأنه كان قبلها يخشى على نفسه من انقطاع الذرية والفناء، يمكن تشبيه الإبرة هنا بالحدث السابق على الحدث الحالي (الحدث الحالي في الرواية هو الدكتاتورية والحرب) والحدث السابق له الذي يمثله حدث الإبرة يمكنه أن يكون أي حدث آخر سابق للحدث الحالي، يعني كأن يكون الاستعمار الإنكليزي، كأن يكون أحد الانقلابات العسكرية، كأن يكون وصول البعث إلى السلطة، كأن يكون حرب الشمال في السبعينات، كأن يكون ثورة ما أو مقتل الملكية.. إلخ.. يعني أي حدث سابق كان من الممكن أن يؤدي إلى قتل العراق وقطع نسله أو امتداد نموه.. لكن عجيل يطمئن بعد تجاوزه لمخاوفه هذه بعد إنجابه لقاسم.. وهكذا عند مقتل قاسم يهتز لديه هذا الاطمئنان إلى مفاهيمه ومنها مفهوم الوطنية تحديداً، الإعدام لأسباب لا تتناسب مع هذه العقوبة هو إيذان بالوجع والنزف والخوف، هو إيذان أيضاً بمراجعة المفاهيم.. هو إيذان أيضاً بالموت.
*الحب والسهم والعنف وموت البقرة. إي إضافة ممكن أن تكون مفيدة جداً.
ـ ربما تطرقنا إلى شيء عن هذا في حديثنا السابق عما هو كردي.. والأمر ـ بالطبع ـ يحتمل المزيد.
*شخصية قاسم تتشابه في بعض المكونات مع شخصية "خليل" في "حجر الضحك" ومع بعض شخصيات رشيد الضعيف في تعاملها مع العنف، من حيث اكتسابها صفات أنثوية بيتية ساعة إعلانها رفض الحرب/العنف. حساسية الفنان تصبح قريبة من حساسية المرأة بشكل عام. في الرواية هناك نموذجان مهمان لشخصيتين تم تشبيههما بالمرأة، هما سعدي وقاسم. قاسم من حيث الحساسية وهي ناحية إيجابية هنا، وسعدي من حيث الفعل الجنسي الاستقبالي وما يوحيه بحب الخضوع. هل هناك أشياء غير هذه؟
ـ للأسف أنني لم أقرأ حتى الآن أي عمل لرشيد الضعيف، ولكن الأمر غير مستغرب لأنه أمر واقعي نعرفه كلنا وتعرفه البشرية كلها كون الفنان له رقته وحساسيته وطبيعة كونه مسالماً وضد الحروب والعنف.. إلخ. والفنانين الذين عرفنا ارتباطهما ومهادنتهما للسلطة والبلاطات والإيديولوجيات معدودين وقلة، وهم حتى في سلوكهم هذا إنما يبحثون عن حماية لأنفسهم، عمن يدافع عنهم ويحميهم سواء اقتصادياً أو أمنياً، فيوكل مهمة ذلك لهم كي يتمكن هو من الانصراف إلى همه الأساسي وهو الفن والجمال والحياة. قاسم فنان من النوع العام أي من الرافض للدكتاتورية والعنف، لذا ربما أن ارتباطه بحسيبة القوية حياتياً واجتماعياً هو نوع من بحثه عن حماية وقوة وعنف يفتقر لهما شخصياً ولكن يكسبها بالحب وهي بالفعل تؤدي دورها وتعززه لاحقاً بفعل ذلك.
سعدي كما قلنا هو ضد العنف وهو بشكل ما فنان وحساس أيضاً ولهذا يهرب من الحرب ويقول عنها (ليست حلوة) ولكي يحمي نفسه يستخدم خصوصيته أو موهبته أو أداته التي يعرفها ويحبها ويجيد استخدامها (مؤخرته).. يعني أنه هنا فنان مهادن للسلطة فيضع موهبته في خدمتها من أجل تأمين وحماية نفسه من العنف لأنه في الأصل شخص غير عنيف.
عن الارتباط بالأنوثة وخاصة عند الفنان، هو انحياز للحياة فالمرأة تمثل الحياة والجمال ومحبة الحياة، أنا شخصياً مثلاً حين أتأمل في أحوال العالم الخرائبية هذه وقسوته، أتمنى أن يكون كل من أنجبهم مستقبلاً كلهم أناث وليس ذكوراً، لماذا؟ لأنك حين تنجب ذكراً فهذا يعني تعزيز احتمالية زيادة الجنود والقتلة والنصابين والسياسيين والتجار والجلادين والسجانين وضاربي النساء والحرامية، وزيادة الحروب والعنف والطمع والاستغلاليين وما إلى ذلك.. فيما لو أنجبت أنثى فهذا يعني أنك تضيف إلى مساحة السلام والجمال إلى العالم، أنك تضيف حبيبة أو صديقة أو أم أو فنانة أو منسقة زهور أو مصففة شعر أو عارضة أزياء أو حتى بغي جميلة وهكذا.. من هنا يأتي تقريب طبائع الفنان للأنوثة وإبعادها عن الذكورة مما يعني تقريبها إلى الانحياز إلى الحياة والجمال والسلام.
*سعدي: تشعر أن هناك إدانة اجتماعية وأخلاقية للسلوك الجنسي المثلي في بداية الرواية. ولكن تأخذ الرواية منعطفا حاداً عندما تنضاف الإدانة السياسية إلى الإدانات الأخرى. يحدث هذا عندما يصبح سعدي جزءاً من النظام السياسي وبصورة غير ممهد لها فنيا في الرواية. لكن ما العلاقة بين الوصولية والجنسية المثلية؟ لا يمكن لأي أحد أن يتوقع لشخصية مثل سعدي أن تتورط سياسياً. يمكن لأن الراوي/ المؤلف يدين هذا النموذج أصلاً. أكره أن أخرج بتفسير يدين إيديولوجية الكاتب. فهل يمكن الخروج من هذا الوضع الشائك بتفسير فني مقـنع؟
ـ الراوي، كما سبق ذكره، يصف ويشخص حال في مرحلة ويشهد عليه، ومن ذلك ما شخصناه سابقاً بمفهوم الذكورة والرجولة والقسوة والعنف الذي فرضته السلطة وجعلته هوية لخطابها ولها. لذا فمن يواجهه يموت ومن يستسلم له ينجو بل وترفعه إليها وتقربه، قلنا أن سعدي هو بمثابة فنان حساس وإنساني ولكنه هنا الفنان الآخر، من الفنانين القلة في تاريخ البشرية الذين يبيعون فنهم للسلطة كنوع من الحماية والطمع وهم يصلون بسرعة عادة كما حدث مع سعدي. الإدانة الاجتماعية العامة للشذوذ هي ليست إدانة المؤلف أو الراوي ذاته بقدر ما هي وصف له كشذوذ لأنه وسط مناخ ذكوري مخالف، يعني الإدانة هنا للسلطة نفسها التي تريد فرض الذكورة الفحولة وحدها وما عداها عليه أن يوصم بالشذوذ ويستسلم لخدمتها، هنا سعدي باع نفسه وكونه يُفعَل به من قبل مدير السجن مبرر لوصوله السريع، وكون رفض قاسم لأوامر مدير السجن هي أيضاً مبرر لموته السريع.
الإدانة من قبل الراوي، إذا كانت لابد منها، فهي إنما إدانة للمثليين العاهرين الرخيصي الثمن الذين يضعفون ويفتقرون إلى المبادئ في المقاومة ويقودهم الجبن إلى الانحدار إلى الحد الذي يبيعون فيه خصوصيتهم هذه بسبب افتقارهم للشجاعة وللقناعة الحقيقية المطلوبة في الموقف، وإدانة للمناخ السلطوي الذكوري المشار إليه سابقاً. لا أدري إذا ما كانت قد وصلت الفكرة على هذا النحو نوعاً ما أم لا !.
*سؤال للمؤلف: لماذا خلقت نموذج فريد وقوي يتمثل في حسيبة؟ ما الذي كنت تبتغيه من هذا النموذج؟
ـ وهذا تحدثنا عنه أيضاً عندما تطرقنا إلى مسألة صراع الذكورة الذي تفرضه الدكتاتورية كهوية وسلاح.. والأمر ـ بالطبع ـ يحتمل المزيد.
*هههههههه يبدو أنك قد تعبت، حسناً، سؤال أخير، وهو: تنتهي الرواية بعدم إيجاد محمود. ويصبح حلم الخلاص متعلقا بإسماعيل الكذاب. طبعا كتبت الرواية قبل التغيير، ويمكن أن المؤلف لم يكن يتوقع التغيير، لأنه ربطه بمن عرف بالكذب. ما معنى هذا؟
ـ على الرغم من عدم معرفة المؤلف بالتغيير الذي سيحدث لاحقاً إلا أن تشخيصه لغياب ملامح وشخصية وهوية المعارضة (محمود) قد أثبت صحة نبوءته فهذه المعارضة التي عادت مع الدخول الأمريكي وشاركت في حكم البلاد حتى الآن، فهي حتى الآن بلا ملامح ولا شخصية واضحة. وكان التعويل وما يزال قائم على معارضة وهوية الداخل المعروفة ملامحها حتى لو كان كاذباً (إسماعيل) ولكنه معروف ومشخص وموجود بين ولدى الذين في الداخل وهو يعرف كيف يصوغ لهم الحلم الذي يغريهم.. لذا تجد الآن حركات الداخل أقوى من الحركات التي قدمت من الخارج على الرغم من خطورة بل ومرضية هذه الحركات التي تكونت في الداخل، خذ مثلاً الآن هيئة علماء الدين والمرجعية والتيارات التي رفعت الشعارات الدينية أو الطائفية والقومية والمناطقية والعشائرية.. وكل هؤلاء وغيرهم من الداخل برزوا بعد الحرب ولكنهم أخطر ويقودون إلى مستقبل مجهول.. وكون (إسماعيل) مغني وعازف ربابة بمعنى صيغة النغم المحلي، فهو يعرف العزف على العواطف التي في داخل العراق وليس بالإقناع العقلي.. وهذا ما تفعله الحركات التي أشرنا إليها والتي تتخذ من العزف على العواطف والحلم واليوتوبيا أسلوباً لها.. ما رأيك أنت؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*تم بتاريخ 2/4/2005م. غير منشور سابقاً.

ليست هناك تعليقات: