الأحد، 31 مايو، 2015

لقاء مع: محسن الرملي: لا حياة من دون كتاب / أجرته: سماح عبدالسلام

ماذا تقرأ؟
في هذا اللقاء، يتحدث الكاتب والمترجم العراقي محسن الرملي عن آخر قراءاته، مسلطاً الضوء على علاقته بالكلمة والكتاب.
محسن الرملي: لا حياة من دون كتاب
القاهرة: سماح عبدالسلام
ارتبط الكاتب والمترجم العراقي الدكتور محسن الرملي بالكتاب قبل أن يتعلم القراءة، وذلك بحكم وجوده في عائلة تولي اهتماماً بالثقافة والكتاب، وهكذا، عندما تعلم القراءة، كان الرملي وثيق الصلة بالكتاب، لدرجة أنه يعتبر يومه، ناقصاً، لو مَرّ من دون قراءة، علماً بأن ثقافته وقراءاته المتنوعة كانت دافعاً لتنوع نتاجه الإبداعي ما بين الشعر والقصة والرواية والمسرحية، فضلاً عن الترجمة. 
 
*لابد وأن المبدع قد أستند على قراءات كثيرة قبل ولوجه لعالم الأدب، فماذا عن الكِتاب في حياتك؟
ـ لا أستطيع تخيل حياتي بدون الكُتب أبداً، فقد أحببتها وصاحبتها حتى قبل أن أعرف القراءة، حيث كنت أقلد أبي وأخي فأفتح الكِتاب وأتمتم بأصوات غير مفهومة مُمَثِّلاً بأنني أقرأ، ومنذ تعلمت القراءة لم يمر أي يوم في حياتي دون أن أقرأ فيه شيئاً، فحتى عندما كنت جندياً في الحرب، كنت أقرأ داخل الدبابة وتحت القصف. لأن أي يوم يمضي دون أن أقرأ فيه شيئاً، أشعر بأنه قد ذَهب ناقصاً. حصة الكتب في بيتي أكثر من حصة كل أشيائي الأخرى، وطفلتي سارة، عندما كانت تراني أنام والكتاب على وجهي، صارت لا تنام إلا إذا وضعنا كتاباً على وجهها. الآن عمرها سبعة أعوام ونصف ولديها مكتبتها الخاصة  فيها أكثر من ثلاثمائة كتاب.

*ما هى أهم الكتب التي ساهمت في تشكيل وعيك؟
ـ كل الكتب التي قرأتها ساهمت بتشكيل وعيي بما فيها الكتب غير الجيدة أو التي لم تعجبني، وهناك كتب أعيد قراءتها بين فترة وأخرى، مثل: رواية (دابادا) لأخي حسن مطلك، رواية (دون كيخوته) للاسباني ثربانتس، (الصخب والعنف) للأمريكي فوكنر، قصص الروسي تشيخوف وأشعار النمساوي ريلكة والفلسطيني محمود درويش.. وغيرها.

*ماذا قرأت مؤخراً؟
ـ كتاب عن الفيلسوف الألماني "شوبنهور" وفلسفته أو (شوبنهاور)، كما اعتدنا على لفظه في الترجمات السابقة، وهو من تأليف كيُّوم مورانو وترجمة فاروق الحميد.

*ما العوالم التى يتناولها هذا الكتاب؟
ـ إنه لا يتحدث عن عوالم وإنما عن أفكار، عن فلسفة شوبنهاور ورؤيته الفكرية لقضايا إنسانية كبرى، مثل: مبدأ الإرادة كجوهر للعالم، التفكير الحُر الخالص المستقل، حدود العِلم والتَقدم، مشكلة الشَر وتجاوزه، قَدَر الإنسان وحتمية البؤس، ويقارن طروحاته بطروحات غيره من الفلاسفة أمثال نيتشه وكانْت وهيغل، ومواضيع فلسفة العبث والفلسفة الأخلاقية ومفاهيم التاريخ والعدالة والجمال وعلاقات الفنون الأدبية والمعمارية بالحقيقة.. وسواها.

*ما الذي جذبك لقراءة شوبنهور وهو فيلسوف متشائم يرى الحياة شر مطلق ويمجد العَدَم، ووجه استفادتك بقرائته؟
ـ قراءاتي لشوبنهاور وعنه ليست جديدة، فهو من أبرز الفلاسفة الذي أُعجبت بهم وأثروا بي منذ انجذابي لقراءة الفلسفة في مطلع شبابي، وقراءتي لهذا الكتاب الآن، هي لأنه آخر ما وجدته قد صدر عنه بالعربية في آخر زيارة لي للعالم العربي.
أما عن كونه فيلسوف التشاؤم، فهذا صحيح، لكن الغالبية لديهم فهم مغلوط عن مفهوم التشاؤم عموماً وعن معنى تبني شوبنهاور له، ومن ثم استفادتي أنا منه. يصعب هنا توضيح كل ذلك، ولكن سأحاول إعطاء فكرة ما. أنا أرى أن أصل المتناقضات في حقيقتها، وعندما تصل جوهرها أو ذروتها هو واحد، فمثلاً عندما يتجاوز ارتفاع الصوت طاقتنا السمعية يصبح هو والصمت واحد، عندما نحزن جداً أو نفرح جداً نعبر بشكل واحد وهو البكاء، إحساس الأم عند الولادة يجمع النقيضين وهما الألم الشديد والفرح الشديد، والولادة هي حياة، أي كأن الحياة هي اجتماع هذين النقيضين. لذا فالتشاؤم ليس بأمر سيء لأن عمق أو قمة التشاؤم توصلك للتتفاءل بأبسط شيء، وكونك ترى العالم كله قاتماً يجعلك ترى النور في أصغر بصيص. أي أن مفاتيح الأمل والتفاؤل تكمن في عمق التشاؤم. وهذا الأمر نفعني كإنسان على تفهم واحتمال همه الوجودي، وكذلك كعراقي يعاني آلام القمع والحروب والدمار منذ ولادته، بحيث صار اليوم الذي لايحدث فيه انفجار في العراق يعد يوماً عظيماً ومدعاة للتفائل بالنسبة لي.
وعني ككاتب فإن كل أعمالي تحمل في عمقها هَماً وجوياً حتى وإن تناولته عبر أحداث يومية بسيطة، وفي روايتي الأخيرة (حدائق الرئيس) كانت أصعب وأحب الشخصيات إلي هي شخصية المتشائم (عبدالله كافكا) والتي ساهمت في أن جعلتني أستغرق أربعة أعوام بكتابة هذه الرواية، ومع ذلك لازلت أشعر بأنني لم أعطها كل حقها من التشاؤم كما أريد.. ربما لأنني ربطتها بالمتشائم الأدبي كافكا وليس بالمتشائم الفكري شوبنهاور.

*يردد البعض بأن تارخ الفلسفة اهتم بحياة شوبنهور أكثر من فلسفته ذاتها، فهل كانت حياته كافيه لفهم ما كتب؟
ـ لا، إن معرفة حياته ليست بكافية أبداً لمعرفة تفكيره، وهذا ما يحاول هذا الكتاب توضيحه. إن شوبنهاور قد استخدم سلوكه في حياته، والتي منها وصيته بأن يكون كلبه هو الوارث الوحيد لكل ما يملك بعد موته مثلاً، كأداة أخرى إضافية للتنبيه وللدفاع عن أفكاره، وليس لأنه كاره للبشر وللحياة أو يدعو للموت كما يصفه نيتشه، والدليل أنه لم ينتحر مثلاً، على الرغم من دفاعه عن الانتحار أمام وصف الكنيسة له بأنه خطيئة، وإنما اعتبره حَلّاً فردياً ولكنه "حدثاً أحمقاً بلا أهمية".
شخصياً أشعر بالانسجام مع شوبنهاور، فكلانا لديه الهم الوجودي الذي يتخذ التشاؤم عمقاً له، إلا أن الفرق بيننا، والذي يكاملنا أكثر، هو أنه يُظهِر التشاؤم ويبطن التفاؤل أما أنا فأُظهر التفاؤل وأبطن التشاؤم.. ولكل منا أسبابه وميدانه.

*فى إطار قراءاتك بمجال الفلسفة. هل من فلسفة معينة تؤمن بها؟
ـ لا، لأنني لا أريد لفكري أن يتقولب في إطار واحد مغلق، وإنما أريد له أن يكون حراً منفتحاً على كل الأفكار والفلسفات، وعلى هذا النحو سيأخذ منها كلها ما يتناسب مع رؤيته وبالتالي يقوم ببلورة فلسفته أو رؤيته الخاصة به.

*هل تخضع قراءاتك لخطة منهجية؟
ـ منهجية ذاتية تخصني، إذا جاز التعبير، وأغلب قراءاتي في الآداب وعنها طبعاً، باعتبار أنه اهتمامي وميداني الأول والأخير كأديب، لكنني أحرص على القراءات في غيرها أيضاً من أجل تغذية تفكيري كشخص وكتاباتي ككاتب، بما يمنحها بُعداً معرفياً وعمقاً أكبر، فأقرأ في الفلسفة والتاريخ وعلوم النفس والاجتماع والفنون وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في مجلة (زهرة الخليج) العدد 1888 السنة السابعة والثلاثون، بتاريخ 30/5/2015 الإمارات

ليست هناك تعليقات: