الأحد، 8 مايو، 2016

حوار مع محسن الرملي / أجرته: شيماء فؤاد

صاحب «حدائق الرئيس» يكشف خمسين عاما من القهر والحرب
حاورته - شيماء فؤاد
خرجتُ من العراق بحثاً عن الحرية بعد إعدام أخي
 البلاد تُنسَب لمثقفيها .. لا أباطرة الحكام
استئصال داعش للحضارة مستحيل
 أخشى أن يمل قرائي كما جرى لفوينتس
 تصالحت مع هويتي.. والانغلاق سبب مأساة العرب
 ضحايا العنف ليسوا أرقاماً.. لكنهم أحلام تكسرت
 لماذا نلهث وراء من استعمرونا.. ونترك شركاءنا؟!
      الرجل الذى نبش ”حدائق الرئيس” ليكشف عن ضحاياه ومقابره الجماعية، ناثرا ”الفتيت المبعثر” من بقايا الحروب التى عانت العراق من ويلاتها، وباسطا كفيه لجمع شتات مواطنيه ..
هو الكاتب والمترجم العراقي محسن الرملي الذي خرج من العراق مضطهَداً بعد إعدام أخيه الكاتب حسن مطلك لمعارضته نظام صدام حسين، ليبدأ فى رحلة البحث عن الحرية والإنسان والتصالح مع الهوية، والتي نعيشها معه في السطور التالية..
*لماذا اضطررت لترك وطنك؟
ـــ خرجت من العراق عام 1993 بعد أن أنهيت الخدمة العسكرية الإلزامية التى دامت 3 سنوات وكنت فيها قائد دبابة. وقد صار من الصعب البقاء بالعراق بعد إعدام أخي الكاتب حسن مطلك على يد نظام الطاغية بتهمة قلب نظام الحكم، وإغلاق كل الأبواب أمامي من فرص العمل والنشر. كنت أعاني من اختناقات عديدة وسط الديكتاتورية والحصار، ولم أكن أقبل أن أنشر في صحيفة نظام قَتل أخي، فخرجت من العراق بحثاً عن الحرية لا شيئاً آخر.
سافرت إلى الأردن لمدة عامين وعملت فى كل المهن، فعملت في الحدائق وقطف الزيتون والبرتقال، كما عملت فى المطاعم والبناء، ومع ذلك ظللت أكتب فى الصحافة، وبعدها سافرت إلى إسبانيا لأدرس فى جامعة مدريد دون منحة، ولم يكن معي سوى مائتي دولار.
بدأت تعلم الإسبانية من جديد والعمل ليل نهار لتغطية مصاريف الدراسة، واجهتني الكثير من الصعوبات، ومع ذلك أنهيت دراستي وحصلت على الدكتوراة فى عام 2003، وبعدها بدأت الأمور فى التحسن بعد عملي فى جامعة “سانت لويس” الأمريكية في مدريد، ومازلت أحيا وأدرس في مدريد بعد 22 عاما من رحيلي عن العراق.
*رغم المرارة التي تجرعتها بالوطن.. لكننا نراه حاضراً بقوة فى كتاباتك !
ـــ بالفعل فعلى الرغم من خروجي من العراق ولكنني لم أستطع أن أخرج عنه فى كتاباتي، فالعراق يسكنني، وأخشى أن يمل قرائي لأن أغلبهم ليسوا عراقيين، بل عرب وأجانب أكثرهم من أمريكا اللاتينية، فأخشى أن يحدث معي ما حدث مع كارلوس فوينتوس عندما مَل قراؤه لأن كل رواياته عن المكسيك.
و”حدائق الرئيس” روايتي الأخيرة، ضخمة، تتناول العراق على مدى الخمسين عاماً الأخيرة وحتى سقوط بغداد فى يد أمريكا، وكأني أردت أن أقول كل شئ حتى انتهي من استحواذ العراق عليّ.
أتمنى أن أكتب في موضوعات أخرى، وخاصة الروايات الخيالية، فنحن فى العالم العربي نعاني من أن معظم كتابتنا واقعية، والعالم ينتظر منا الخيال الجديد، فمازالت أشهر الأعمال العربية في الغرب “ألف ليلة وليلة”، أما الواقع فتمتلئ به الفضائيات.
*حدثنا عن أجواء روايتك الأحدث، والتي تختصر سيرة العراق؟
ـــ في الرواية تناولت العراق منذ عام 1948 أو حرب فلسطين التى شارك فيها أبي وآخرين، ودخول العراق الكويت، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب الأهلية بالعراق ”حرب الشمال” الكردي، ثم ما عايشه العراق من حصار وديكتاتورية ومقابر جماعية، إلى الحرب الأخيرة مع أمريكا والظروف التى أحاطت بها، وسقوط بغداد... أما بعد السقوط فيحتاج لعمل آخر.
كان اهتمامي بكل تلك السنوات وما حملَته من خراب، هو الخراب الذى حدث بالإنسان وكيف قاومه، ولم أعني الخراب المادي كالأماكن، فالإنسان هو ما تدور حوله كتاباتي، أما المكان فهو عامل خارجي كالملابس تحتوينا وتعطي صورة عنا، ولكنها ليست نحن.
*ماذا قصدت بـعنوان الرواية؟
ـــ أقصد بالحدائق ”المقابر الجماعية” أو ما خلفته يداه، وهي نوع من السخرية المُرة، فالبطل الرئيسي يدفن جثث ضحاياه فى حدائق يمضي الدكتاتور وقته فيها ويزهو بنصره !.
حدائق الرئيس” محاولة لفهم عراق اليوم من خلال معرفة ما حدث في عراق الأمس، وأسبابه وجذوره، وماذا جرى للإنسان. دائما ما تخرج علينا الفضائيات لتذيع مقتل 100 عراقي أو ألف عراقى، يتعاملون معهم على أنهم أرقام، لكن هؤلاء بشر لهم عائلة وتاريخ وأحلام، بينما ضحايا مركز التجارة العالمي في أمريكا تم بث قصصهم وحتى قصص جيرانهم، تعاملوا معهم على أنهم بشر لا مجرد رقم، وتحزنني هذه العنصرية حتى تجاه الضحايا وتصنيفهم، رغم أنهم متساوون في الموت وفي كونهم ضحية.
*هل تغير المواطن العراقي بفعل أجواء العنف؟
ـــ لقد مر العراقيون بالكثير، ولو كتبنا مليون سنة فلن نفي ما حدث حقه، لأن كل عراقي له قصص لا تنتهى يومياً، تستيقظ على انفجارات لها علاقة بجهة سياسية أو بتدخل آخر، فتختلف الساحة السياسية، والناس تختلف، فالعراق يتغير يومياً دون أن يعطي لنا متنفسا حتى للكتابة عما حدث. ومع ذلك لا أفقد ثقتي بقدرة الشعوب على النهوض، لأن العراق تعرض لحروب وابتلاءات كثيرة، ولكن لا أحد يستطيع أن يمحو شعباً كاملاً. نعاني كثيراً ولكن يبقى هناك أمل بانتصار الحياة.
*فى روايتك ”تمر الأصابع” عرضت لثلاث أجيال عايشوا الاستبداد وأزمة الهوية، حدثنا عنها؟
ـــ هذه الرواية هي تجربتي الذاتية بين ثقافتين، بين ديكتاتورية وحرية، بين تقاليد ودين، تلك الثنائيات التي عايشتها عندما انتقلت لإسبانيا واصطدامي بالثقافة الجديدة، فلم أكتبها كرواية في بداية الأمر وإنما في دفتر يومياتي.
كتبتها لأعرف ماذا يحدث فى داخلي وما أعانيه من تناقضات، وكنت أجد نفسي أكتب بالعربية والإسبانية في الوقت ذاته، وبعد انتهائي من المسودة أعدت مراجعتها وترجمة فقرات اللغة الأخرى وصدرت أولاً بالإسبانية ثم بالعربية. ”تمر الأصابع” تجمع بين عالمين، والقارئ الغربي أُعجب بالعالم الذي يتحدث عن العراق والشرق، والقارئ العربي انجذب لعالم الغرب، فسعدتُ أني استطعت أن أجذب العالمين وإيصال صورة عن أحدهما للآخر.
*هل لا تزال تشعر بالاغتراب؟
ـــ لا، لم أعد أشعر بالاغتراب أو المنفي، فوفقا للمفهوم البابلي:”المنفى منفى زماني لا مكاني”، كنت في البداية أعاني منها كثنائية ككثير من المهاجرين، والآن أنا متكيف مع هويتي التي تجمع بين بلدين وثقافتين.
فلماذا يجب أن أكون شرقي أو غربي وأعاني، فلقد توصلت بداخلي لحالة تصالح، وتخلصت من تلك الثنائية، فأنا عراقي وأسباني في نفس الوقت، توحدتُ إنسانيا، فما الثقافة والهوية إلا نتاج إنساني، فهذه مسألة ذهنية، والأجيال الجديدة لم يعد يقلقها مسألة الهوية مع التكنولوجيا والعوالم المفتوحة التي جعلتهم أبناء يومهم أكثر من أبناء تراثهم.
*وماذا عن عبارتكَ: اكتب ما تشاء فلن يحدث أسوء مما حدث؟
ـــ نعم، لأن نظرتي بالأصل تشاؤمية تجاه العالم، وعندما تكون فاقد الأمل في كل شئ، يصبح أي شئ يبث لك الأمل .
*كيف ترى حال العراق حاليا مع الوجود الداعشي؟
ـــ مسألة العراق معقدة جداً، وقطعا لها أسبابها الواقعية والسياسية والجغرافية والتاريخية، وأنا ضد أي أيديولوجيا تعتمد على الموت في فرض أفكارها، ومع كل من يدعو لانتصار الحياة، أهلي في العراق مشردون ومقتولون وبعضهم يعاني تحت حكم داعش، لا أستطيع أن أفكر في حل للوضع، فحالي أصبح كالعراق في ”حالة طوارئ”، وأحاول مساعدة العراقيين النازحين بقدر ما أستطعت. والكاتب يجب أن يترك مسافة بينه وبين الحدث ليتأمله ويستطيع أن يعبر عنه بعيدا عن التشويش والغموض والضبابية التي تسود الوضع الحالي، فالرواية تشكل رؤية كاملة عن الحدث، لهذا عندنا روايات قليلة بالعراق، بينما العراق معروفة بالشعر لأنه يولد فى حماسة الحدث واللحظة، العراق هو البلد الأول فى إنتاج الشعر كميا ونوعيا بحسب معرفتي، فأنا أمكث في إسبانيا بلد الشعر في أوروبا، ولكن يظل العراق الأكثر إنتاجا له.
*ما دور المثقف فى اللحظات الصعبة من عمر الوطن؟
ـــ المثقف مسكين، وأنا ضد من يرددون أن المثقفين ليس لهم دور بالثورة، بل بالعكس فالمثقف يقوم بتضحية طويلة الأمد، والتأثير الذى يصنعه ليس مباشراً، ولكنهم على مر الزمان هم من يتصدون لموجات الديكتاتورية، فعندما ضحى أخي بحياته وغيره من المثقفين، فهل خرج الشعب إلى الشارع؟! لماذا الآن عندما خرجوا يتهمون المثقف بأنه لم يفعل شئ ويتساءلون أين المثقف؟، بينما المثقفون هم من عارضوا السلطات فى أصعب الظروف وضحوا بحياتهم وسُجنوا واعتُقلوا، فلماذا لم يَسأل المثقف أين كان الشعب؟
المثقف دوما كان دوره تنويريا، والشعوب التى تنتصر هي الشعوب التى تحترم مثقفيها، أما الشعوب التي تزدري المثقفين فلا تقوم لها قائمة، ولهذا نحن نقول هذا بلد ”نيرودا”، هذا بلد ”ثربانتس”، هذا بلد ”نجيب محفوظ”، ولا نقول هذا بلد الإمبراطور أو الجنرال فلان، فكفى ظلما للمثقف والمبدع.
*كيف ترى حال الأدب العربي بشكل عام، والعراقي بشكل خاص؟
ـــ لدينا إنتاج كمي مزدهر، ولكننا نحتاج لحركة فكرية نقدية تغربل للقارئ العربي هذا الإنتاج الهائل.
*حدثنا عن تجربتك فى أسبانيا؟ ومدى إطلاعهم على الأدب العربي؟
ـــ هناك من يَدرس اللغة العربية ويجد عملا بسهولة فى المخابرات، الشركات، السياحة، الشرطة وأى شئ، وهذا أمر إيجابي للغة العربية، وفي أمريكا اللاتينية يشكون من عدم قدرتهم على الإطلاع على الأدب العربي الجديد، ولكن هناك تقصير من كلا الجانبين فى الترجمة عن الآخر، رغم الشبه الكبير بيننا، فلقد مرت أمريكا اللاتينية بثورات وانقلابات عسكرية، حتى وصلوا لبداية الاستقرار الديمقراطي. ونحن كعرب مقصرون فيما يخص أمريكا اللاتينية، فنحن نتبع الفرنسي والانجليزي ونترجم لهم رغم أن بيننا وبينهم دم، خلفته سنين الاستعمار المريرة، أما أمريكا اللاتينية الذى صنفنا العالم مثلهم ”عالم ثالث”، وليس بيننا وبينهم دم فنحن لا نحاول التعاون معهم؟، رغم أنه بمعايشتي لهم وجدتهم يتضامنون مع قضايانا بشكل غير طبيعي ويرفعون أعلام فلسطين وسوريا والعراق، ويكتبون قصائد عن العربي.
لو كان في يدي سلطة لجعلت في كل بلد عربي “وزارة للترجمة”، فسبب تعاستنا هو انغلاقنا، العالم يتغير، ونحن ما نزال نقرأ ماركيز على أنه آخر صرعة فى أدب أمريكا اللاتينية، بينما أعماله تعد هناك من الأعمال الكلاسيكية.
*ماذا تكتب حاليا؟
ـــ أكتب رواية عن ”الحب” حتى الآن، ولكن العراق ما يزال يلح، وهو حاضر فى خلفية الرواية، التى حاولت من خلالها النفاذ لأعماق المرأة العراقية ومعرفة منظورها للحب في وسط ما تعايشه من مآسٍ، خلال الأربعين سنة الأخيرة، الحب الذي أصبح بين الحصار والحرب أشبه بـ ”العيب”، فى ظل الديكتاتورية والتقتيل والحصار، فماذا فعلت تلك المرأة؟... لذا حتى فى حديثي عن الحب.. العراق حاضر، ولم أستطع حتى الآن أن أكتب عن تجربتي فى الأردن وبلدان أخرى والثقافات الجديدة التي عرفتها، فالعراق لا يتركني وإن أنا تركته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في (محيط) بتاريخ 10/6/2015 القاهرة

ليست هناك تعليقات: