الأربعاء، 24 فبراير، 2010

حوار مع: د. محسن الرملي / عن الكيخوته


حوار مع.. د.محسن الرملي:
يتحدث فيه عن أثر الثقافة الإسلامية في دون كيخوته

أجرت الحوار: (ايزابيل سانجث) ونشر في مجلة (ميل استورياس) الإسبانية سنة 2005م
ترجمة: شيماء محمود سهيل

د.محسن الرملي، كاتب وشاعر ومترجم عراقي، ولد عام 1967 في قرية تابعة لمدينة الشرقاط/ شمال العراق، يقيم في مدينة مدريد منذ عام 1995، حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الاسبانية من جامعة أوتونوما في مدريد عام 2003، موضوع أطروحته كان عن (آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته). يُعد محسن الرملي العربي الوحيد المتخصص بثقافة ثربانتس حتى يومنا هذا، يصدر حالياً مجلة (الواح) الثقافية وهو أكاديمي ويعمل كأستاذ في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس). هذا حوار معه:

*متى وكيف كانت بداية معرفتك برواية دون كيخوته، وماذا يعني لك هذا الاسم؟
ـ عندما كنت في السادسة عشرة، قرأت أول مرة رواية دون كيخوته، أعطاني إياها أخي، ومنذ ذاك الحين تواصلت على قراءتها وربطت الكثير من الأحداث والمعارف في حياتي بهذا العمل الأدبي الرائع، حتى قررت في النهاية، تتويج أطروحتي به وأهديتها أولاً إلى ناسي المرتبطين بهذا الانجاز الأكاديمي، قائلا:
إلى عائلتي التي تنتظر عودتي من هذه الرحلة الكيخوتية منذ سنوات طويلة، وإلى أول روح (كيخوتية) عرفتها في حياتي، شقيقي وصديقي الروائي (حسن مطلك) الذي كان أول من قدم لي رواية دون كيخوته ونصحني بقراءتها وفهم روعتها.. لقد كان (كيخوته) طوال حياته،حتى حين وجد نفسه أعزلاً بمواجهة دكتاتورية عسكرية وراح يناضل من أجل الحرية الإنسانية بيديه وكلماته حتى أُعدم عام 1990.

*ما الذي دفعك للبحث عن آثار الثقافة العربية الإسلامية في دون كيخوته؟
ـ أولاً: لأن دون كيخوته تعد قمة الأدب المكتوب باللغة القشتالية وهي اختصاصي، وثانياً: لأنني ابن الثقافة العربية الإسلامية، فكنت أرغب فعلاً بمعرفة مدى مساهمة ثقافتي الإسلامية في هذا العمل الأدبي العالمي. فقد سمعت وقرأت آراء كثيرة ومنوعة عن هذا الموضوع، لكن بين المئات من الدراسات عن ثربانتس، لم أجد ما يقنعني بشكل تام، على الرغم من أن آثار الثقافة الإسلامية واضحة في دون كيخوته. وبقصد دراسة هذا الموضوع، تحمست في هذه الأطروحة لإبراز هذه الآثار في هذا العمل الأدبي الرائع لثربانتس، لأنها تعبر عن النموذج الأفضل لنتاجه الادبي. وأن هذه الدراسات عن دون كيخوته جعلتني أختار واتبحر في أحد الجوانب الأقل ذِكرا حتى اليوم، وهذا ما حدث، فعلاً.

*كيف تَعرَّف ثربانتس على الثقافة العربية الإسلامية؟
ـ على مدى خمس سنوات تقريباً من أسره في الجزائر، كما كان لثربانتس، بطريقة أو بأخرى، طوال حياته اتصالاته المستمرة بالثقافة العربية الاسلامية وما يرتبط بها، إذ تعرف على الأشخاص، ونشر جوا سياسيا وتاريخيا ودينيا وثقافيا، وشارك في معركة (ليبانتو) وزار أماكن عدة وعاش فيها، ارتبطت نوعا ما بالثقافة الاسلامية ومنها المدينة التي ولد فيها (قلعة هنارس) والمدينة التي مات فيها (مدريد)، وان تسعين في المائة من الأماكن التي قضى فيها حياته، تنتمي أو لها علاقة بشكل ما بهذه الثقافة، أذكر على سبيل المثال: قلعة هنارس، بلد الوليد، قرطبة، اشبيلية، مدريد، الجزائر، بلنسية، وهران، لشبونه، اسكيبياس، غرناطة، والمناطق حول اشبيلية وغرناطة وقاديش وطليطلة. كان ثربانتس ولازال يعد نموذجاً جيداً للتعايش بين الثقافات المختلفة واحترام الغير، وعَرف كيف يدمج عناصر الثقافة الأخرى في ثقافته الخاصة، فهناك أكثر من دليل منطقي يؤكد ان ثربانتس كان يتحدث اللغة العربية قليلاً، كانت له معارف قيمة عن هذه اللغة، مما سمح له بالتفاهم مع العرب والتواصل معهم. والدليل الآخر على ذلك هو أن روايته كتبت بالكامل بعد عودته من الأسر في الجزائر. ففي كل عمل من أعماله الأدبية نجد عناصر تتضمن نوعاً من الأثر أو الإشارة المرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية.
وفي سنوات أسره كانت له اتصالات مباشرة مع أناس هذه الثقافة، الأمر الذي أتاح له اكتساب معارف مفصلة عنها. إن المعاناة والسجن لم يجعلاه يرفض هذه الثقافة، بل على النقيض من ذلك، جعلاه أكثر ارتباطاً بها وتواصلاً معها، ودليلاً على ذلك وعلى معرفته الكبيرة بالثقافة الإسلامية هو عودته متطوعاً في مهمة استخبارية الى وهران بعد وقت قصير من إطلاق سراحه. وبعد سنتين من الطرد النهائي للموريسكيين من الأندلس بين عامي (1609و1614)، توفي ثربانتس عام 1616 مما يعني بأنه قد عاش طوال حياته مع وجود للمسلمين في اسبانيا، وليس لدينا أدنى شك بأن هذه المعرفة العميقة والاتصالات التي لا تعد ولا تحصى بالثقافة الإسلامية، قد خلفت اثاراً مسجلة في مجمل عمله الأدبي، وهي آثار كثيرة وعميقة، أكثر مما قد تبدو للعيان في الوهلة الأولى.

*هل نستطيع التحدث عن أهم آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته، وما هي أهم صفات تلك الآثار وملامحها الأكثر أهمية في اطروحتك؟
ـ نعم، بكل تأكيد، إن للثقافة العربية الإسلامية آثاراً مهمة جداً في هذا العمل الأدبي الإنساني، وربما لا أبالغ إذا قلت بأن تأثيرات الثقافة الإسلامية فيه هي أكثر من أية ثقافة من الثقافات الأخرى، عدا الثقافة الاسبانية طبعاً، لأنها ثقافة المؤلف الأساسية، إلى حد أن احداً مثل (غونتر غراس) الفائز بجائزة نوبل في الآدب، قال: لولا الثقافة العربية لما تمكن ثربانتس من إيجاد طريقته الروائية.
فبعد مراجعتي للمظاهر الأكثر تميزاً في دون كيخوته التي أشرتُ فيها الى تأثيرات تتعلق بالميادين السياسية والدينية والاجتماعية والتاريخية في زمن ثربانتس، ومشكلة الموريسكيين، ومحاكم التفتيش، وأسره في الجزائر، وتحليل الروابط المشتركة بين دون كيخوته والظرف التاريخي الذي ظهرت فيه، فاستطيع أن اؤكد بأن الجديد في اطروحتي هو تجديد جذري وخاصة فيما يتعلق بالبحث عن تاريخ الفروسية، وأشرت فيها الى الاختلافات بين الفروسية الغربية وفروسية الثقافة العربية الإسلامية وتأثيرهما ببعضهما. وبعد هذا التحليل استطعت التوصل والاكتشاف بأن نموذج الفارس دون كيخوته يمكن رؤيته في الفروسية الثانية أكثر من الفروسية الأولى، هذه الخلاصة فتحت مجالاً للبحث بشكل أوسع: فقد ذكرت النقاط الأساسية التي تبرهن بأن دون كيخوته هو تابعاً لنموذج الفارس في الثقافة العربية الإسلامية. بحثت أيضا عن الآثار الأدبية والدينية واللغوية في دون كيخوته، فاستطعت أن أحصي أكثر من ثلاثين شخصية من الثقافة العربية الإسلامية وأكثر من عشرين مثلاً من الأمثال العربية، وأكثر من مئتي كلمة من أصل عربي موجودة فيها، إلى جانب محاولتي تقديم قراءة أو رؤية مختلفة عما هو سائد حيال نظرة ثربانتس عن الإسلام وعن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

*ما هي المفاتيح الضرورية التي بدأت بها لتقديم تلك القراءة الغنية والمختلفة لدون كيخوته؟
ـ ان واحدة من روائع دون كيخوته هي بامكان أي شخص قراءتها وفهمها وترجمتها بطريقته الخاصة، ويجد كل ما يبحث عنه سواء كانت القراءة للمتعة أم للمعرفة. وبالنسبة لي فإن ما أشرت اليه كان من أجل تقديم هذه القراءة الأخرى والمختلفة، وقد استثمرت في ذلك كوني مسلم ومطلع جيد على الثقافة الإسلامية وتاريخها ولغتها العربية وآدبها ودينها.. الخ.
*ما الذي تستطيع ان تخبرنا به عن شخصية سيدي حامد بن انجيلي؟
ـ على الرغم من كل ما قيل عن سيدي حامد بن انجيلي، حتى يومنا هذا، فاعتقد بأنه لا زال هناك الكثير لنتحدث به عن هذه الشخصة، لكن سأقتصر هنا على تذكر ما قاله عنه روجيه غارودي وهو: ان ثربانتس ومن خلال ابتداعه لشخصية سيدي حامد كراوي أول، إنما يحتفي ويذكر بالنبع الأول لهذا الفن الأدبي والذي هو في اللغة العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (التآخي) بتاريخ 28/1/2010 بغداد
http://taakhinews.org/?p=33877

*النص الأصلي لهذا الحوار بالإسبانية، على هذا الرابط:
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/11/entrevista05.html


ليست هناك تعليقات: