الأحد، 1 مارس، 2009

حوار / أجراه: سلطان القحطاني


الدكتور محسن الرملي

السيف قادر على قطع الرؤوس لكنه عاجز عن إدخال الأفكار فيها

حاوره: سلطان القحطاني

الدكتور محسن الرملي كاتب ومترجم وأكاديمي عراقي يقيم في إسبانيا منذ مطلع عام 1995 ويكتب باللغتين العربية والإسبانية. له أكثر من دزينة إصدارات بين الكتب الإبداعية في أكثر من جنس والترجمات. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة مدريد بتقدير امتياز مع درجة الشرف عن أطروحته (أثر الثقافة الإسلامية في الكيخوته) وهو شريك في تأسيس وتحرير مجلة (ألواح) الفكرية الثقافية التي تصدر في مدريد منذ 1997 وتقوم بأكثر من نشاط ثقافي من بينها إصدار الكتب باللغتين، ومن بين أعمال الرملي: (هدية القرن القادم)، (البحث عن قلب حي)، (أوراق بعيدة عن دجلة) و(الفتيت المبعثر) الرواية التي حازت ترجمتها الإنكليزية على جائزة أركنسا الأمريكية.

*ما لذي يتذكره محسن الرملي من عراق ما قبل المنفى؟.
ـ حروب وحصارات ودكتاتورية وقهر وظلم وأحبة مقتولين وأحلام مُجهَضة وحزن.. حزن شديد في كل شيء حتى في الأعياد والموسيقى.. لذا لا أدري إذا ما كان يجوز لي تسمية إقامتي في إسبانيا بـ (منفى) وهي التي منحتني ما افتقدته في العراق.. منحتني أشياء كثيرة جداً على رأسها الحرية وهي الأهم.. وعلى الرغم من كل ذلك فأنا أحب العراق أكثر من إسبانيا ومن بقية بلاد الدنيا.. لذا أشعر، أحياناً، بأن هذا الحب هو حب مَرَضي، غير منطقي وغير عقلاني.. إنه حب، يبدو لي، من الاستحالة التخلص منه تحت أي ظرف.. حب غير مشروط.. إنه الوطن، وكما تقول الأغنية العراقية:" الله.. يا هذا الوطن شمسوي بيَّ.. الله".. أو كما يصف بيت الشعر المعروف:"بلادي وإن جارت علي عزيزة/ وأهلي وإن شحوا عليَّ كرام".
*هل تميل إلى فلسفة المغامرة اللغوية أثناء الكتابة.. أم هناك منهج آخر يتبناه محسن الرملي؟.
ـ اللغة تغريني.. إلى الحد الذي أنني في فترات سبات الأفكار أتدرب بكتابة نصوص لغوية بحتة تكون فيها الكلمات هي المحتوى والشكل معاً فأجدها هي ذاتها تتشكل وتخلق كينونتها ومن ثم تضيء لي أشياء في داخلي لم أكن أراها.. وذلك لأن لكل كلمة دلالاتها والتي تُبلوِر، بدورها، فكرة عند تجريب تغيير علاقاتها مع مفردات أخرى مختلفة.. أما عن المنهج، فليس لدي منهج محدد في الكتابة الإبداعية.. بل وأنني لم أعد أتفق مع اتباع المناهج حتى في الكتابة النقدية، نعم يمكن الاستفادة من التجارب المنهجية، لكن حصر النص ضمن أطر منهج بعينه سيعني خنقه أو تجميده.. بل وحتى قتله أحياناً.
*هل تكتب لتكتشف الأشياء أو لتكشفها؟.
ـ الاثنان معاً: الكشف والاكتشاف.. وغالباً ما يكون الكشف سائداً على المسائل المتعلقة بالمحيط، أي ما هو خارج الذات، يعني الآخر، من مجتمع وثقافة وظروف تاريخية وسياسية وغيرها، فيما يعمل الاكتشاف، أكثر الأحيان، في منطقة الذاتي، الفردي، الخاص، الشخصي الإنساني، وبشكل أكثر تحديداً، في الهم الوجودي.
*هل تعتقد أن الثقافة العربية في الداخل جائرة المحاذير وأنها تصاب بالشلل لهذا السبب؟.
ـ نعم.. وهي تبالغ في محاذيرها تحت مسوغات غير مقنِعة وبلا أحقية.. والغريب أنها تمنع ما كان مباحاً في تراثها الذي تعتز به!.. إن وضع الموانع والسدود أمام حديث الناس في مواضيع كالسياسة والدين والجنس مثلاً، وهي مواضيع من صلب حياتهم اليومية، سيقود هذا الاحتباس في النهاية إلى أن يفيض المحبوس والمقموع ويهدم كل هذه الموانع والسدود ليهدر جارفاً وبشكل يصعب، عندها، السيطرة عليه.. لذا فعلينا أن نقلل من محاذيرنا وممنوعاتنا، قدر ما نستطيع، لأن الثقافات لا تتقدم ولا تغتني ولا تزدهر بالممنوعات والانغلاق وإنما بالحرية والانفتاح.
*هل من رؤية ثقافية تجعل العقل العربي بكافة تياراته يؤمن بالحوار بالقلم بدلا عن السيف؟.
ـ هذا ما يجب أن يُنتبه إليه، مبكراً، قدر الإمكان، وإلا سيضيع المزيد من الوقت والجهد والدم. فقد آن للجميع أن يدرك بأن السيف قادر على قطع الرؤوس لكنه عاجز عن إدخال الأفكار فيها، ولو اتخذناه وسيلة سننتهي جميعاً بلا رؤوس، فيما القلم يعمل بشكل معاكس، أي أنه يحافظ على رؤوسنا وفعال في إدخال الأفكار وتغيير القناعات. ومن طبيعة فرض الآراء بالقوة أنها تكون مؤقتة وزائفة وعقيمة على المدى البعيد، أما إيصالها بالحوار فهو أطول عمراً وأكثر أصالة وتجذرا وهو مثمر دائماً.. ولدينا في تجاربنا وتجارب الأمم الأخرى نماذج واضحة ومعروفة.
*هل هناك جدل في العلاقة بين النص والمتلقي؟.
ـ نعم، كلاهما يؤثر على الآخر ويساهم في صياغته وتشكيله وتطوره. يعمل النص على المشاركة في صياغة وتشكيل رؤية المتلقي والتأثير على طبيعة ذهنيته وذائقته. والمتلقي بدوره يؤثر على النص من حيث أنه هو موضوعه وهو مستهلكه ومن خلاله يتبلور الحكم على النص من حيث نجاحه أو إخفاقه. المتلقي يطالب دائماً بالجديد مما يحث النص على تجديد نفسه، والمتلقي هو الأقوى عادة في فرض شروطه على سُوق النص.. وهذا، بالطبع، لا يمنع وجود نصوص خاصة تبحث عن متلقيها الخاص.
*الأحداث في العراق جعلتك متنقلا وجعلت من أعمالك مغايرة تماماً للمطروح.. هل هي ازدواجية الوطن أم الهم الإنساني؟.
ـ كلاهما معاً.. إضافة للهم الثقافي وتنوع مصادره، بحيث أنني لا أرى في الأمر (ازدواجية) واحدة فقط.. وإنما ازدواجيات تتفرع منها ازدواجيات أخرى وأخرى.. إنه تشظي يمنعني من الركون إلى أسلوب واحد أو تجربة واحدة.. فلستُ من الكُتاب الذين يؤمنون بوجوب اتخاذ لغة أو تقنية أو أسلوب واحد للكاتب الواحد في كل أعماله تحت تصنيف ما يسمونه بـ (الخصوصية)، وإنما أرى بأن يكون لكل عمل خصوصيته المختلفة عن الأعمال الأخرى للكاتب نفسه، لذا أود أن تكون خصوصيتي هي في: أن لا خصوصية لي.. وأتوقع (وأتمنى) أن يستمر هذا التشظي والقلق حتى النهاية، لأن الرضا والواحدية في الأسلوب ليست من صالح الإبداع.
*كيف ترى الساحة الثقافية العراقية الآن في ظل الأحداث السياسية الحالية؟.
ـ الآن؟.. هي: (فتيت مُبَعثَر).. لكنها غنية وتعِد بالكثير.. وأنا متفائل بمستقبلها، فأجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد، كما يقول ناظم حكمت.
*بعد كل هذا الركض على المستحيل الأبيض وضجيج الكلمات.. ما الذي تريد أن تقوله؟.
ـ هذا ما أحاول معرفته من خلال مواصلة الكتابة ذاتها.
*هل تعتقد أن نظم المؤسسات الدينية وطريقة تعاملها مع التحولات الفكرية والأيديولوجية عاجزة وهشة لاسيما في مواجهة المتغيرات؟.
ـ نعم، إذا ظلت تصر على اجترار تحجرها ومحاولة فرض تطبيق التأويلات القديمة والخرافات القديمة على واقع معاصر وسريع التغيرات.. فحتى الجسد البشري ذاته يغير خلاياه يومياً. الحياة هي الحركة والتغيير والتجدد ونقيض ذلك هو الموت.. إنها طبيعة الكون والخلق وكل شيء.. والإصرار على منع التجديد يعني الانتحار. لقد كان للأديان دوراً كبيراً وجوهرياً في تطوير البشرية وعليها (الأديان) أن تواكب تطورها وتجددها إذا كانت تريد أن تبقي على فاعليتها.
*هناك هجوم متدفق ومستمر على كل أفكار التنوير وكل المفكرين التنويريين في الوطن العربي... من أين تستقي هذه الهجمات ضجيجها؟.
ـ من الخوف من التغيير والتجديد وتفضيل الراكد السائد الذي تمت معرفته على ذاك المتحرك الجديد، وثمة تواطؤ بين المستفيدين من إبقاء الحال على ما هو عليه، سواء كانوا رجال سياسة أو رجال دين أو رجال ثقافة أو رجال أعمال أو رجال الوجاهات الاجتماعية الخاوية وغيرهم.. ولكن في نهاية الأمر، وكما يقال: إنك قد تستطيع خنق الديك ومنع صياحه لكنك لن تستطيع أن تمنع بزوغ الفجر أبداً.
*هل ترى في الأصولية الصاعدة عدوا للإنسان ولإنسانيته؟.
ـ الأصولية هي كسل فكري لأنها تستند على أفكار سابقة ثابتة، جاهزة، جامدة وذات رؤية واحدة ترفض كل ما هو مختلف عنها.. وكل تعصب أو تشدد، مهما كان نوعه، وفي أي مكان أو زمان، وفي أي مجال كان.. هو مُضر للإنسان وللإنسانية.. ولا أدري كيف تتصاعد أصولية مازالت غير مقتنعة بأن الأرض كروية، أو مازالت تتحدث عن (أصول) نتف الإبط!!.. حتماً أن أمور كهذه لا تتواجد إلا في مناخات متخلفة عن عصرها.
*هل تعتقد بوجود روابط متصلة بين الدين والأسطورة؟.
ـ نعم، كلاهما تغذى ويتغذى من الآخر.. والسلبي في هذه العلاقة أنهما يتخذان من بعضهما شواهد وأسانيد قطعية مقدسة وحقائق مطلقة بغض النظر عن مدى واقعيتها وعقلانيتها وعلميتها.. الأدب هو الآخر له روابطه وعلاقاته بالدين والأسطورة تغذى منهما وغذاهما وما زال، لكنه مختلف تماماً في تعامله معهما عما هو عليه الحال في طبيعة التعامل فيما بينهما، فهو لم يتخلى عن الواقع ولم يركن أو يستقر على قولبة جامدة وفهم أحادي.. إنه متحرك ومتجدد دائم لذا فهو أكثر حيوية وثراء وشهادة في تعامله مع عصره.
----------------------------
*نشرت بتاريخ 10/10/2003م. (إيلاف).

ليست هناك تعليقات: