السبت، 26 نوفمبر، 2016

حوار مع محسن الرملي /أجراه: صفاء ذياب

محسن الرملي: تاريخ الرواية هو تاريخ للأوجاع والدراما الإنسانية أكثر منه تاريخاً للمسرات
يرى أن أحداث العراق تجعل الواقع يطغى على الخيال
بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب:
لم يكن خروج الكاتب محسن الرملي من العراق متجهاً لإسبانيا بسبب الهرب أو الهجرة بحثاً عن العمل أو المال، بل كان سفره ثقافياً بامتياز، هوايته للغة الإسبانية جاء من عشقه لماركيز وعوالمه السحرية، فأراد أن يقرأ أعماله بلغتها الأم، غير أن هذا العشق دفعه للاشتغال على محاور عدَّة، أدبياً وأكاديمياً، فحصل على الدكتوراه، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما) بكلية الفلسفة والآداب عن أطروحته (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) في العام 2003.
قدَّم الرملي أعمالاً في القصة والشعر والرواية والمسرح، فأصدر أربع مجموعات قصصية: «هدية القرن القادم»، «أوراق بعيدة عن دجلة»، «ليالي القصف السعيدة»، و»برتقالات بغداد وحب صيني». ومسرحية «البحث عن قلبٍ حيّ». أما في الرواية، فقدَّم: «الفَتيت المُبَعثَر»، «تمر الأصابع»، و«حدائق الرئيس». وكانت له في الشعر أربع مجموعات: «كلنا أرامل الأجوبة»، «نائمة بين الجنود»، «خسارة رابحة»، و«كلنا أرمل الأجوبة».
في حين كانت الترجمة عالماً آخر من عوالم الرملي، فترجم من الإسبانية إلى العربية، «المسرحيات القصيرة» لميغيل دي ثربانتس، «مختارات من الشعر الإسباني في العصر الذهبي»، مختارات من القصة الإسبانية في العصر الذهبي»، «دراما شعرية (طالب سالامانكا)» لخوسيه دي إسبرونثيدا»، «كاتدرائيات مائية» رواية لخوان ماسانا، «مائة قصيدة كولومبية، مختارات من الشعر الكولومبي المعاصر»، وغيرها الكثير، فضلاً عن ترجمته أعمالاً عربية عدَّة للغة الإسبانية.
حصل الرملي على عدد من الجوائز، نذكر منها: جائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة في بغداد العام 1988، وجائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة في بغداد العام 1989، وجائزة مجلة الشرق الأوسط للقصة القصيرة في لندن في العام 1996، وجائزة أركنسا الأمريكية في العام 2002 عن الترجمة الإنكليزية لروايته (الفتيت المبعثر).
في كتابك الأخير (الأدب الإسباني في عصره الذهبي) حاولت أن تقدم نماذج مختلفة من هذا الأدب، كيف يمكن فهم النماذج التي يختارها محرر أي كتاب، وما الذي يدفع مترجم لاختيار نص دون غيره من أدب كبير مثل الأدب الإسباني؟
إن الفهم الأفضل لأي حدث أو أي نص هو النظر إليه ضمن سياقه وخاصة السياق الزمني، وبما أن هذا الكتاب يتناول الأدب الإسباني في العصر الذهبي، أي القرنين السادس والسابع عشر فهذا يعطي فكرة أساسية لكيفية قراءتها وتلقيها والتعامل معها، أما عن اختيار نص دون سواه.. فبالفعل هذا أمر ليس بالهين، لكنه كان أسهل، بالنسبة لي، لأن النصوص التي ترجمتها كانت قد فرضت نفسها أولاً بدليل أنها بقيت حيّة ووصلت إلينا على الرغم من مرور قرون على كتابتها مما يؤكد أهميتها ونجاحها، يضاف إلى ذلك توافر أنطولوجيات كثيرة لهذه النصوص قام باختيارها مختصون، فما كان دوري إلا أن أقوم بالاختيار من بين هذه المختارات.. وبالطبع استبعدت بعض النصوص التي لها سياقات ومواضيع وأحداث لا تعني القارئ العربي أو ليس لديه معرفة سابقة بها، وتلك التي عجزت عن ترجمتها ترجمة تقنعني.
كان ماركيز سبباً لاختيارك اللغة الإسبانية أولاً، ولسفرك لإسبانيا ثانياً… كيف غيَّر هذا البلد من حياة وأدب الرملي؟ وما الذي أضافته لك لغة جديدة؟
نعم، اندهاشي برواية (مائة عام من العزلة) بترجمتها العربية، مثل كل أقراني في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، والتساؤل: ترى كيف هي إذاً بلغتها الأصلية؟ دفعني لدراسة الإسبانية، على الرغم من أن دراستها يعني أن ليس لك أي مستقبل مهني في العراق، وهكذا بدراسة هذه اللغة انفتح أمامي عالماً ثقافياً هائلاً غيّر حياتي كلها، تبعها تغيير بلد الإقامة والعيش وبالتالي تغير كل شيء في تفكيري وحياتي وكتابتي. إن معرفة لغة أخرى والعيش في مناخها وثقافتها بحب وانفتاح عليها سيصبح جزءاً أساسياً من هويتك الشخصية، وحتماً سينعكس هذا على ما تنتجه… لقد أضافت لي اللغة الإسبانية الكثير جداً حتى صارت بعضاً مني.. الآن فعلاً أشعر بأن نصفي عراقي ونصفي إسباني ونصف عائلتي عراقي ونصفها الآخر إسباني ونصف تفكيري واهتمامي وحديثي وكل شيء. نصفان متكاملان كلفني تعايشهما بانسجام داخلي كثيراً لكن النتيجة مرضية.. بل رائعة.
في أغلب أعمالك الروائية لا تنفك تشتغل على الموضوع العراقي، ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وليس انتهاء بدخول القوات الأميركية وما بعدها… ما الواقع الذي تحاول طرحه تغييره؟ وكيف يتداخل الواقعي بالمتخيل في الأعمال الروائية الحديثة؟
هذا صحيح، كان وما زال العراق محور رواياتي، ذلك أن العراق أوجعني كثيراً وما زال يوجعني، جراحه التي أحدثها في روحي وحياتي لم تشف بعد وما زال يضيف عليها جراحاً جديدة، ويبدو أن الألم يسبق أي شيء آخر في فرض نفسه وأولويته على من أراد أن ينتج شيئاً في حقل الإبداع، كما أن الحزن أعمق وأطول تأثيراً فينا من الأفراح والمسرات، وقد كتبت عن هذا الأمر مسرحيتي (النائحة.. أو دفاعاً عن الحزن). أما عن الواقعي والمتخيل، ففي أعمالي وأغلب الأعمال الحديثة؛ تطغى نسبة الواقع على الخيال، وذلك لكثرة وفخامة وهول الأحداث الواقعية وكم المعلومات وتأثيرها وسرعة تتابعها بحيث لا نجد وقتاً كافياً حتى لتأملها جيداً أو وقتاً للاسترخاء والتأمل وتشغيل الخيال… أسلافنا كان لديهم فائض من الوقت وقِلة في المعلومات مما جعل أعمالهم الأدبية مفعمة وخصبة بالخيال.
يرى البعض أن التنقل بين أكثر من جنس ونوع أدبي يذهب الجدية والمشروع الأدبي لأي كاتب، ما مدى صحة هذه المقولة، وقد أصدرت أنت كتباً شعرية وقصصية وعدداً من الأعمال الروائية؟
لا أتفق مع هذا القول، لأنني لا أظن بأن كاتباً جاداً سيكتب عامداً أي نص وهو ليس جاداً في كتابته، ونجاحه في جنس أدبي معين لا ينفي عنه الجدية في آخر ما دامت مسألة النجاح نسبية، وإلا ماذا نسمي نجاح أعمال وإخفاق أخرى في الجنس نفسه للكاتب نفسه؟ وليس هناك أي كاتب في العالم كل أعماله ناجحة بالمستوى نفسه بما في ذلك ثربانتس وديستوفيسكي وماركيز وساراماغو ونجيب محفوظ وسواهم، عدا ذلك فإن الحدود الفاصلة بين الأجناس الكتابية لم تعد كما كانت، وانفتحت النصوص بتقنياتها ومواضيعها ولغتها على بعضها.. وفي النهاية، كلها من مادة واحدة وهي (الكتابة)، يبقى بعدها أن الموضوع أو الفكرة هي التي تفرض الشكل الأنسب لها. وعن تجربتي الشخصية، فليس لدي وقت فائض كي أكتب نصوصاً لست جاداً بها، وكل نص كتبته في حياتي ثمة شيء معين أردت قوله من خلاله.. شيء ألحَ وفرض عليّ قوله. ولو لم يكن الأمر جاداً لما تأخرت أعواماً بين إصدار عمل وآخر في الجنس الكتابي نفسه. وفي نهاية الأمر.. لو افترضنا عدم الجدية في أعمال معينة أو مشروع إبداعي، معين وأنه مجرد لعب.. أليس الأدب في مجمله هو أعظم وأجمل لعبة إبداعية اخترعها الإنسان، وكان للعبته هذه الدور الأكبر في أن جعلته أكثر إنسانية ورقة وتهذيباً؟
أكدت في أكثر من مرة بأن الرواية العربية مقبلة على ثورة في البنية والشكل، وأنها سوف لن تبقى مجرد حكاية.. بعد الماراثون الذي دخله الكتاب العرب والعراقيون في كتابة الروائية، هل ثمة ملامح لهذا التغيير، في الوقت الذي يؤكد فيه الكثير من النقاد أن الرواية ما زالت أسيرة السيرة الذاتية للكاتب؟
نعم، وما قصدته هو الرواية بمجملها في كل العالم وليس في العالم العربي وحسب، ذلك أنها تحولت في مفهوم الجميع، بما في ذلك كتابها أنفسهم، إلى أنها مجرد حكاية وقل الاهتمام بالنواحي الفنية الكثيرة الأخرى ومنها الفكرية والتقنية واللغوية، بينما الحكاية هي مجرد عنصر واحد من عناصر الرواية العديدة. صرنا نقرأ كل الروايات في كل مكان وهي مكتوبة بلغة الحكي اليومية العادية ولا تختلف سوى في حكاياتها، وعليه فإذا كان الأمر باقٍ على مجرد الحكاية.. فهذه صارت متوفرة في كل الوسائل الأخرى ومنها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، كما أنها ليست سيرة ذاتية بالضبط وإلا لكتب كل روائي رواية واحدة هي سيرته وينتهي الأمر، عدا أن السير الذاتية للناس صارت متاحة بالصوت والصورة وبتفاصيلها اليومية في صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.. فما الذي سيقوله لنا لا نعرفه عن سيرته بعد ذلك؟ من هنا أقول بأن الرواية لابد وأن تجد آليات تجديد وثورة من داخلها كي تواصل حياتها وهويتها، وهذا ما حدث عبر مسيرتها، فرواية (دون كيخوته) مثلاً كانت رواية فروسية ضد شيوع روايات الفروسية في عصره، و(مدام بوفاري) انطلاقة الواقعية في مواجهة الرومانسية، وتوالت بعدها التجديدات الفنية طبيعية زولا وتيار وعي فرجينيا وولف وجويس وشيئية آلان روب غرييه وكلود سيمون وسحرية أمريكا اللاتينية.. وغيرها. فكلما ساد تيار أو لون معين لفترة ما أوصل الرواية إلى سكون ممل، ومن سنن الإبداع ومن صلب فعله واسمه أن يتجدد أو يموت، لذا لا أعتقد بأن حال الرواية على ما هي عليه اليوم من أنها مجرد حكاية بلغة الحكي العادية سيستمر طويلاً.. أنا القارئ المهتم شخصياً وطوال حياتي بالرواية صرت أمل من قراءتها لأن الجميع يكتب للجميع بلغة الجميع.. فأين خصوصيتي وذائقتي واحترام وقتي وفكري من كل ذلك؟
ما زال المهاجر العراقي يعيش في تناقض واضح، بين بيئة تربى عليها وتشكلت هويته وشخصيته من خلالها، وبيئة جديدة يسعى لمعايشتها والعمل على أن يكون جزءاً منها… كيف يمكن تفهم هذا التناقض لدى الكاتب عموماً والروائي على وجه الخصوص، في الوقت الذي لا ينفك من تكرار موضوعات حياته العراقية والأسس التي لا يريد الخروج عنها؟
ليس بالضرورة أن تكون تسمية ذلك تناقضاً.. وإلا لو بحثت عن التناقضات واختلاف الأفعال وردود أفعال فيمكنك أن تجدها حتى في أبسط تفاصيل حياتك اليومية حتى وإن كنت موجوداً في بلدك نفسه أو بيتك نفسه أو حتى معزولاً في غرفتك، لذا يمكن تسميتها أيضاً: تنوع، تلون، تعدد، انشطار، قلق، حيرة، بحث، ثراء.. وغيرها.. أو هي ألم وهموم، وكما ذكرت لك سابقاً، فالألم يفرض نفسه أولاً، وتاريخ الرواية هو تاريخ للأوجاع والدراما الإنسانية أكثر منها تاريخاً للمسرات، إنها حاملة وحاضنة الأوجاع الإنسانية، وتعيننا على رؤية وهضم همومنا.. وبالتالي تقوينا على مواجهتها والتعامل معها أو تخطيها، لذا نشعر بعد قراءتها بمسرة ما.. إنها تشبه الحياة وانعكاساً لها، ولم أقرأ في حياتي رواية واحدة تتحدث كلها عن الفرح والسعادة، فللتعبير عن ذلك هناك أجناس فنية أخرى منها الرقص.. إذا فالروائي العراقي ليس هو الذي لا يريد الخروج من موضوعاته العراقية، ولا يعني الأمر بأنه لا يحب البلدان الأخرى التي يقطنها أو أنه غير قادر على الاندماج والتفاعل مع ثقافتها.. وإنما المواضيع العراقية هي التي تفرض نفسها عليه لأن الأولوية للتعبير عن الألم، أنا شخصياً لي تجارب عديدة وفي بلدان عديدة وفيها ما يصلح لروايات، وأتمنى أن يشفى العراق من أوجاعه كي أشفى أنا من أوجاعه كي أستطيع الكتابة عن الموضوعات الأخرى. الأمر، باختصار، يشبه الحكاية المعروفة لذلك الذي سألوه: أي أبنائك أحب إليك؟ فقال: مريضهم حتى يُشفى وغائبهم حتى يعود وصغيرهم حتى يكبر.. وهكذا فإن العراق الآن هو أحب البلدان إلى أرواحنا وكتاباتنا… وستبقى له الأولوية إلى أن يتجاوز كل محنه الحالية: المرض والغياب والضعف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (القدس العربي) بتاريخ 6/6/2015م لندن

ليست هناك تعليقات: